العلاقة العضوية بين منصّتين .عن فدوى سليمان الثائرة الراحلة

مصطفى الشيحاوي
2017 / 8 / 19

فدوى سليمان و العلاقة العضوية بين منصّتين
لا ريب ان قرار فدوى سليمان باعتلاء منصات التظاهر في ساحات حمص ,او في شوارع لجوئها في باريس اتى كتعبر عن رأي جزء مهم وكبير من المجتمع السوري المنتفض, والذي كان جائعا وبشدة لعودة كرامته المفقودة وصوته المكبوت, . ما هو الا استمرار هذه المنصة, لمنصة اخرى اعتلتها في يوم من الايام, منصة المسرح. اذاً فالعلاقة هنا بين المنصتين عندها اولا, علاقة جدلية بين ذاتها المبدعة في مجال فن يعتبر الحرارة بين الممثل والجمهور المجال الحيوي الاول.وهذا ما رأته بمنصة الشارع الاكثر صدق وحقيقة.
وثانيا لان طبيعة المسرح بالضرورة فن المدنية و الحوار, فن بالضرورة سينحاز لجهة المتعب والمظلوم لا الظالم, سينحاز الى الشارع بكل انواع نبضه ولا سيما منه المطالب الانسانية الكبرى كالحرية .
فالمسرح عندها ليس لعبة الكائنات الفارغة التي تتقافز على الخشبة بلا هدف,بل هو كشف عن الرغبات البشرية في اظهار كامل احتياجاتها , انه فن الجماعية التي استلهمتها من تاريخ المسرح في استمراره الوجودي كمعبر عن الرغبة في الحرية دون زيف , والذي لم يكن فن من اجل الفن , بل من اجل حياة افضل. و"تكون الحياة موحشة بغيابه" كما عبر عنه المسرحي" سعدالله ونوس", لانه فن احترام الاخر والصوت والحوار و"جماعية الجماعة" بمعناه الغير قطيعي .
اذا موقفها المبدأي لم يكن عائدا على شكل درجت عليه التسميات المستخفة بالمفاهيم الكبرى,) متمرد--- ثائر--- منتفض (وابتثارها بكلمتين افادت القاتل الديكتاتور اكثر )موال , معارض( ..هي انحازت بوعي يغوص عميقا في اشد المفاهيم التي ارتكز المسرح عليها, الديموقراطية ,والتي هي شرط المسرح وبدونه تكون حقيقة هذا الفن عبارة عن افعال وانفعال الكراكوزات يحولها المستبد لنجوم او يسحب منها هذا الاسم كما حدث في سوريا طيلة العقود الماضية .
لذلك ما ان دعاها مسرح الشارع الهادر بجماليات رقصه وفرح اكتشاف ذاته, بحناجره المطالبة بالتغيير ,و الذي كان اكثر صدقا من المسرح الذي مارسته في المسارح الوطنية, حيث كان الرقيب بجهاز رصد القطيع حاضرا في كل لحظة في المسرحيات الجادة القليلة جدا ,لان الرقيب تقبّل المسرح من باب ان يكون مجرد مكياج للمدنية المزعومة والكاذبة , كي يغطي تشوه المدينة والمدنية التي اسس لوجودها كشبه لثكنة يخدم فيها الكل عسكر.....انخرطت في صفوف الناس كمعبر عن ذاتها السورية اسوة بكل السوريين الذي انتفضوا بعد50 عام من محق الشخصيه بالترهيب والترغيب واهدار الكرامة والحقوق. فاعتلت المنصة كصوت وازن للمكون السوري الاصيل.
هنا الكلام ليس اطراء او تذكرا لهذه الثائرة , انما تكمن ضرورة الكتابة في هذه المناسبة المؤلمة في ان نقول كلمتنا الانسانية التي هي حاجة كل من يؤمن بالثورات الانسانية العالمية واحياء رموزها كاستمرار لكل ثوارت العالم القديم والحديث
كما انه من باب اخر علينا تصويب حركة التاريخ لنقول من اين تتشكل مواقف الناس الفردية والجماعية ولا سيما المبدعون منهم وتقلبات مواقفهم وامزجتهم ,خاصة لجهة التباين الحاد للمواقف, فنكتشف موقفها المبدأي كانحياز للمعرفي والثقافي والاخلاقي والانساني والوطني ,الذي كان شغل الفلسفة و المسرح من عصر الاغريق الى العصور الحديثة بحلمهم الدائم بتحطيم العبودية والديكتاتورية,التي تجلس على صدور الشعب. فهي انحازت لانها تعلم وبعمق روحها انها لن تخون الشعب الذي درّسها ونمّاها كي تعبر عن تطلعاته.
ثم ان فدوى الممثلة المسرحية درجت على الخط المستمر في مقارعة الاستبداد والجريمة التي ترعاها دولة البقاء للاقوى, بعدم الرضوخ لاساطين المال والسلطة, خطاً تأسس مسرحيا منذ ابو خليل القباني الى فواز الساجر وسعدالله ونوس وممدوح عدوان وغسان جباعي وغيرهم من السوريين الذين بالضرورة كانوا يدركون ان البعد الوطني يبنى انسانيا واخلاقيا وحقوقيا اولا .اذ ربطت ما تعلمته وما تدارسته الى تطبيق عملي اي حققت بين فهمها النظري و الجانب العملي والشعور الوطني بتطابق لا فصام فيه,لتكون بحق من الشخصيات السورية التي رتبت فهمها فهما يوضع حجم الافعال المنتهٍكة للسوريين بدقة لا تخلق ادنى تبرير لاي شكل من اشكال الجريمة , بصوت امرأة مناضلة وقائدة بوعي نوعي عضوي مطابق .
فدوى سليمان نبض ساعة حمص ،تبكيك ساعاتها ودقائقها وثوانيها يا صوت عاصمة الثورة الرخيم ..