الشرق الأوسط - بين الوطن والإقليم والمصير المشترك

عبدالجواد سيد
2017 / 8 / 18

2-الشرق الأوسط - بين الوطن والإقليم والمصير المشترك
إهداء إلى تونس/ حكومة وشعباً
نتابع فى هذا المقال ، التأمل ، أو حتى الجدل ، الذى بدأناه فى مقالنا السابق (الشرق الأوسط وجذور الذات البربرية) عن كيف تكونت حضارة الشرق الأوسط ، وثقافة الإنسان الشرق أوسطى العنصرية العنيفة التى نعانى منها اليوم ، بسيادة النسخة السامية البدوية على النسخة الزراعية ، من خلال اليهودية والإسلام بشكل خاص، ومن خلال ثالوث الحضارة البدوية المقدس، الإله الغاضب، والحاكم الطاغية ، والمرأة الحرام ، أو الغنيمة الكبرى ، وأثر ذلك على حركة التطور الحضارى العامة فى الشرق الأوسط ، وعجزه عن التحول إلى مرحلة الصناعة وحياة المدينة وقيم الحرية المرتبطة بهما.
ونطرح فى هذا المقال سؤالاً جدلياً آخر، وهو، هل نحن أبناء الوطن أم أبناء الإقليم، هل نحن أبناء مصر وسوريا والعراق وإلى آخره أم أننا جميعا أبناء الشرق الأوسط ،هل الوطن هو من شكل نفوسنا وأخلاقنا ومثلنا العليا، أم أنه قد منحنا مجرد جواز سفر وهوية سياسية بينما قد شكل الإقليم هو يتنا الحضارية الحقيقية، الإجابة واضحة ، فكما كنا وثنيين يوماً ، ثم مسيحيين يوماً ، فقد أصبحنا مسلمين ونعبد إله محمد ، الذى قابله فى السماء، وفوض له شئون العالم ، عامل النظافة البسيط أو أستاذ الجامعة ، كلنا نؤمن بهذه السذاجة ، وماترتب عليها من باقى مفردات وجزئيات ثالوث الجهل المقدس، من غزوات وحروب وإستبداد ومظالم سميت بالجهاد فى سبيل الإله الواحد ، وخضوع لحاكم ظالم ، وعزل لنسائنا عن العالم، ثم نفس التجربة المشتركة خلال الحقبة الإستعمارية ، وعندما إستبدلنا وبقوة الأمر الواقع ، ثالوث الجهل المقدس ، بثالوث الحضارة الغربية فى الحرية والإخاء والمساواة ، وبصرف النظر عن الإستعمار ومساوئه ، فقد كانت تلك هى الفسحة القصيرة التى خرجنا فيها إلى نور الحياة، فإزدهرت المدن فى القاهرة كما فى بغداد ودمشق وبيروت وفى بلاد المغرب ، وخرجت المرأة إلى النور تعمل وتنتج، وإرتحنا قليلاً من إستبداد الحاكم وأصبح لدينا حاكم مؤقت ، ثم وبعد رحيل الإستعمار تعرضنا لنفس التجربة المشتركة ، ناصر أو سادات أو صدام أو الأسد ، نفس النمط ، وإستبعاد ثالوث الحضارة الغربية ، وإحياء ثالوث الجهل المقدس ، كمبرر لوجود الحاكم الطاغية ، ولو بعملية تجميل مخادعة ، ثم فشل المناورة ، وسقوط المدن المزدهرة ، والعودة لمواجهة ثالوث الجهل المقدس مرة أخرى ، جماعات الإسلام السياسى الهمجية التى تقتل الناس بلا حساب ولا سبب.
إن الإقليم هو الوطن ، صانع المصير المشترك ، وأن الخروج إلى النور لن يتأتى إلا بتحطيم أسوار ذلك الكهف المظلم الذى نعيش فيه نحن أهل الشرق الأوسط ، كهف ثالوث الجهل البدوى المقدس ، من خلال إيماننا الثابت ، بكفاحنا الطويل ، ومصيرنا المشترك.