(متاهة طائر النخل) لمحمد رضا مبارك حين يتغرب الشاعر في الفيافي والمفاوز

شكيب كاظم
2017 / 8 / 17

(متاهة طائر النخل) لمحمد رضا مبارك
حين يتغرب الشاعر في الفيافي والمفاوز
شكيب كاظم
منذ سنوات بعيدات، وأنا أتباع المنجز المعرفي والثقافي للدكتور محمد رضا مبارك، قرأت عديد مقالاته ودراساته التي نشرها في الصحف والمجلات العراقية منذ الثمانينيات الماضية، وفي الذاكرة دراسته (الفن والتاريخ علاقة مشتركة) المنشورة في عدد تموز لعام 1984، من مجلة (آفاق عربية) يوم كان يرأس تحريرها الدكتور محسن جاسم الموسوي حتى إذا صدر كتابه (اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي. تلازم التراث والمعاصرة) عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 1993، طالعته بشغف وتأن، وإذ تقدم بأطروحته (القراءة ونظرية التلقي في النقد العربي إلى نهاية القرن السابع الهجري) لنيل درجة الدكتوراه، حضرت جلسة المناقشة، التي كانت يوم الأربعاء 16/ من ربيع المولد الأغر/ 1415- 24/ من آب/ 1994، وترأسها الراحل الكبير الأستاذ الدكتور نوري حمودي علي القيسي- رحمه الله- وغادر العراق عام 1994، بعد نيله الدكتوراه مباشرة بحثاً عن مجال أوسع في العمل والبحث والدرس، وبحثاً عن لقمة خبز أصبح نوالها عسيراً خلال عقد التسعينات.
عام 2005، صدرت له مجموعة شعرية عن دار الشؤون الثقافية العامة، اسماها (متاهة طائر النخل) هو الذي عرفناه أول مرة شاعراً، حين اصدر مجموعته الشعرية البِكر (الغجري العاشق) عام 1979، ليردفه بديوانه (خطوات بلا جسد) عام 1986.
تحس وأنت تقرأ قصائد كتابه (متاهة طائر النخل) بلغة انيسة شفيفة تقترب من حنايا الروح وخلجاتها لتستقر في شغاف القلب، لغة افتقدناها منذ زمن طويل في نتاجات منْ يحسبون أنفسهم على الشعر، وكأنهم يقدون من صخر، ويضربون في حجر، لا ماء ولا رواء ولا بهاء في تعابيرهم ولغتهم، لكن إذ تقرأ في (متاهة طائر النخل) تحس ترانيم عذبة، وموسيقى هادئة تطرب الذات وتسكر الروح وتثملها.
(متاهة طائر النخل) مجموعة محمد رضا مبارك الشعرية، والعنوان ذو إيحاءات وإشارات ومرموزات، فهذا الطائر، طائر النخل الذي اعتاد ان يأوي إلى عشه مغرب شمس كل يوم، والطيور غير قادرة على مغادرة أعشاشها ووكناتها، شاءت له الأيام وصروف الدهر والليالي ان يغادر عشه ويبارح وكنته، ليعيش مرارة الغربة، غربة الروح ومتاهة الجسد في بلاد الله الواسعة، وعينه ترنو نحو ذلك الصقع النائي، الذي اجبر على مغادرته، فالشاعر يتماهى مع طائر النخل، فجاءت اغلب قصائد الديوان تحوم حول ثيمة الغربة والفراق ومغادرة الأهل والصحاب والخلان.
السعف يا نخل العراق/ مالي أرى النصب المقدس في جبينك/ أَوَ أنت منهمك/ بالأرض حين تحول الأشياء خلقتها؟/ قلبي على كفيك أغنية/ فلأنت أقدس/ ولأنت أولى/ في أن يكون العشق مرمياً/ ومحمولاً إليك/ يا أيها القمر المعنى/ أو ترتضي ان امسح الترب المعفر/ أو ترتضي/ ان تجمد الأشياء/ ان يتركوك على الطريق وحيداً مثل ضوء/ تتراقص الظلمات طافيةً عليه.ص10، ص11.
ويظل يناجي العراق ويناغيه، مبدداً وحشته، مؤكداً ان لن نتركك وحدك.
لالست وحدك/ ها نحن حولك يا عراق/ الموت لا لك يا عراق/ فلست النجمة الخرساء أنت/ ص12.
مستحضراً صور أيامه الماضيات في العراق، يوم كان يضمه ليل العراق، ويتفيأ بأفيائه، ويتنسم هواه، وتدبغ جلَده شمسُ العراق، حتى شمسك الحارة يا عراق أغلى وازهى من كل شموس الدنيا وافيائها، اَوَ لم يقل بدر شاكر السياب، حتى الظلام أجمل في بلادي، ويظل العراق وهو في غربته تلك هاجساً ملحاً يؤرق عليه حياته وليله، متذكراً أنات الناي الحزين، ومشاحيف الهور وهي تنطلق شاقة دروبها الضيقة بين (الكواهين) و(الايشانات) والغرافة بيد تلك المرأة، وقد حلت انفها خزامة وشدت رأسها بـ (العصّابة)، ففي قصيدته (مرثية لزمان اتٍ) المنشورة ابتداء في مجلة (أفكار) الأردنية عام 2000، ولعله كتبها من وحي وفاة الشاعر عبد الوهاب البياتي، اذ يرد فيها ذكره، مناجياً إياه:
يا لبياتي/ عمر الخيام مات/ والأغاني على الضفة ماتت/ لم نعد نسمع (ناياً) أي ناي/ لم تكن خزامة الأنثى دليلاً/ لا ولا (عصابة) مشدودة بالرأس/ لم يكن ظل الفلاح على (المشحوف) بين بردي القصب/ زال أو زالت/ الشمس في الماء ص28.
ويعاتب الشاعرُ نفسَه، وهو في منفاه ذاك، انه ركض- كما ركض الآخرون- وراء السراب دون تبصر مأخوذين بصوت المزمار الساحر مناجياً أرض الأهل والجدود التي ما عاد بمكنته ان يراها الأمن..، خلف أسوار الحدود، فلقد نأت بينهما المسافات، وأصبح مرأى الوطن حلماً أي حلم.
نحن أسرينا وراء الغبش الآتي/ قتلنا فراشات النهار/ ومضينا- اعصراً كبرى- نغني/ وطناً ضاع ونستفتي الحجارة/ آه كم أتعبنا العدو/ ايه يا ارض الجدود/ كم وكم أتعبنا القتل/ آه كم أتعبنا/ وطن ضاع نراه خلسةً خلفَ الحدودص29، ص30، ص31.
ومن مدينة الحديدة باليمن السعيد، مثابة الأهل والإباء والأجداد، يناجي عراقه النائي عنه، مناجياً ارض السواد، فلقد طال به النأي، وما عاد محتملاً البعاد، هذا الضائع في المنفى شفه الوجد وأضناه الأسى.
يا بلاد الشجر الأول، أرض للسواد/ إننا اليوم حيارى أو سكارى/ فأزجروا الطير لعل الموت يشفي/ وطني ما كان لي منذ عهد ساحق/ ما كان لي/ أيها الهائم في المنفى/ أيها الضائع في المنفى/ أسدل الغيم وغني/ وافتح الزهر طريا/ او تلفع بالكفن/ أيها الضائع في المنفى/ سرقوا منك الوطن. ص38، ص39.
في قصيدته (فضاء من حجر) يصور الشاعر محمد رضا مبارك، حال شخصٍ باحث عن عمل، وقد جللت رأسه شعيرات بيض، وناف عمره على الخمسين، متأبطاً أوراقه، صاعداً السلالم، حاملاً شهادات وشهادات، ما انتفعت منها بلاده، وهي أحق من كل ارض، لكنها ما احترمت أبناءها وجعلتهم يطرقون باب هذا وذاك وذياك، ومواجهة صدّ هذا وذاك، وما أصعبَ طلب الحاجات من الناس، هم الذين- كما يقول الشاعر الجاهلي- لو سألتهم تراباً لأوشكوا ان يملوا ويجزعوا!!
ولو سئل الناسُ الترابَ لأوشكوا
إذا قيل هاتوا ان يملوا ويجزعوا
يتساقط الشعر/ حين يصير الشعراء ملوكاً/ تأبطت أوراقك/ عبثاً/ عميد لعميد/ رئيس لرئيس، بيت لبيت/ تجمع هذي التواقيع/ أتقبل أعوامك الخمسون؟ ضياعاً مهيباً. بتلك السلالم/ صعوداً هبوطاً/ أيها الجليل الجليل/ تلجلج فيك الكلام/ ما الذي حوّل السواد سواداً/ والنخل اعجازاً. ص45. ص46. ص47.
يغير الشاعر محمد رضا مبارك، بوصلة بوحه الشعري، نحو مرافئ عذبة، فهو وان أضناه البعاد والسهاد، لكنه يبقى شاعراً يحمل قلباً مفعماً بالحياة وحبها، وضرورة ان تعاش، وهو اذ تناول صوراً قاتمة، فان الجانب الآخر من الحياة مضيء، لا شك، فحينما يكون نصف الكرة الأرضية مظلماً، يكون النصف الآخر باهياً مشرقاً، يغمره الضوء، لذا باح الشاعر بمكنونات القلب في قصيدته (الفة) أنها مناجاة لشريك الروح واليف النفس.
لكِ الوجد/ والحلم الأبدي/ لك الحب والوله الهمجي/ لك الماء والعشب المشرقي/ لك الظل والقمر البابلي/ لك ما حواه الزمان/ وما طمرته السنون/ وما خبأ الوجد من وَلَهٍ/ او طواه الجنون/ أقول سيكتمل الشجن/ إلى م اظل وحيداً/ وينعقد السوسن. ص50، ص51
ولابد للأم، اكسير الحياة وأسها الأساس من وقفة، من وقفات الشاعر، فيها شيء من عتاب، لا لها، بل للحياة التي اجبرته على ان يحرم من النوم في أحضانها الوادعة الدافئة، ويظل الإنسان، مهما كبر وامتدت به السنون، يهفو إلى ذلك الحنان، لا بل نبع الحنان، الذي لن يعوضه أي حنان آخر...
اهديتني طفولتي/ صباي/ اهديتني الحياة، وحين فتشت لكي اقدم البديل/ لم الق غير غربتي/ وحزني الطويل.ص68