هل هناك مستقبل لاسرائيل

ارام محاميد
2017 / 8 / 15

يزعجني للغاية كيف يطرح البعض قضية فلسطينيي الداخل بشكل مثير للإشمئزاز، حيث يطرحون القضية كالاتي "بقاء اسرائيل مع تجريدها من الصهيونية وتحويلها لدولة جميع مواطنيها" ، وهكذا طرح أشبه بأحلام اليقظة فلا إسرائيل بدون صهيونية ولا يمكن أن تكون اسرائيل هي اسرائيل بدون صهيونية، إن الصهيونية ولدت في الأساس نتيجة الاضطهاد الذي لاقاه اليهود في اوروبا وسرعان ما تلقفتها الإمبريالية بعد أن طلبت الصهيونية من اليهود أن يخونوا أوطانهم ويهاجروها فكانت الصهيونية رأس الحربة للمشروع الامبريالي الاستعماري الطبقي الذي لا يخدم الا مجموعة من الأغنياء والدوائر الاحتكارية وهذا المشروع تجلى في اسرائيل التي فقدت وظيفتها ككلب حراسة بعد أن انهارت الامبريالية في سبعينات القرن الماضي.

في الفترة الممتدة منذ عام 1948-1975 أدت اسرائيل وظيفتها ككلب حراسة للإمبريالية في المنطقة على أكمل وجه وضربت حركات التحرر الوطني في المنطقة ومنعت شعوبها من ان تتطور اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، كانت أول حروب اسرائيل عام 1956 ضد مصر بعد تأميم قناة السويس من قبل جمال عبد الناصر ومن ثم حرب 1967 التي تبعها حرب الاستنزاف التي ما زالت نتائجها ممتدة الى اليوم.
في مطالع خمسينيات القرن الماضي أعتبرت معسكرات اللاجئين الفلسطينيين فيالق من الجيش الأحمر أما اليوم وبعد أن تشتت الجيش الأحمر ولم يعد له أي وجود فلم تعد المخيمات فيالق حمراء بل تحولت إلى النقيض تماماً فأصبحت مراتع لصناعة الإرهاب وللأسلمة والتأسلم، وبحلول عام 1967 "عام النكسة" توسعت اسرائيل في ارض فلسطين واحتلت ما تبقى وقامت بانشاء مستوطناتها في الضفة الغربية لتنهب ما تبقى من ثروات الفلسطينيين, من عام 1967 حتى 1977 استوطن في ألأراضي المحتله عام 1967(5000 مستوطن) بدون احتساب القدس وفي عام 2015 وصل العدد الى 400 ألف بدون القدس و600 ألف مع القدس، كذلك هناك 93 شركة اسرائيلية تستثمر هناك وتنتج كافة أنواع السلع.(1)

في منتصف السبعينات انقلب العالم رأسا على عقب وتم الانتقال الى نمط جديد للدولة يسمى ب"دول الرفاه" ومجتمعات الطبقة الوسطى (البرجوازية الوضيعة) مما أفقد قضية فلسطين عالميتها وحولها الى قضية محلية وفي ظل النظام الجديد وعودة علاقات الانتاج ما قبل الرأسمالية "أي الانتاج الفردي" مال المجتمع نحو الانقسام لأتفه الأسباب (العرقية, الدينية...) كان حزب الليكود في اسرائيل هو المستفيد من هذا الانقلاب الاجتماعي كما يؤكد الكاتب "اليساري" الاسرائيلي في مقاله بعنوان (المنطق الطبقي للانقلاب الطويل 1973-1977) الذي يتحدث فيه عن سقوط حزب العمل واعتلاء حزب الليكود لسدة الحكم فيقول: يتفق في البحث أن التغيير في أنماط التصويت الذي أحدث الانقلاب الطويل كان طبقيا في طابعه، فالشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة الشرقية حولت دعمها من العمل الى الليكود أما الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة (الغربية) فحولت دعمها الى الحركة الديمقراطية للتغيير.

ومنذ ذلك الوقت الى اليوم انتهجت حكومات الليكود سياسة الخصخصة في كل شيء الى أن انتهى الامر بأن تحوز 18 عائلة على 77% من ميزانية الدولة داخل اسرائيل.(2)
وكحل للمسألة يُطرح عدة حلول متعلقة بشكل اسرائيل كدولة والطرح الأبرز وهو الذي تتبناه الأحزاب العربية في الداخل هو تحويل اسرائيل الى "دولة جميع مواطنيها" متناسين أن اسرائيل هي الطور الأعلى الذي تجلى فيه المشروع الصهيوني

تؤكد العلوم الماركسية أن للدولة وظيفة واحدة لا غير وهي حراسة نمط الإنتاج القائم في مجتمعها، وأي نمط انتاج قام في اسرائيل منذ اليوم الأول لقيامها؟ الم تقم اسرائيل بإبقاء قليل من الفلسطينيين في الداخل ليكونوا خدما للأكثرية اليهودية؟ الم تُرسل اسرائيل المستوطنين الى الضفة لتحول الضفة الى محمية اسرائيلية؟ فكيف يمكن الحديث عن بقاء اسرائيل وفي نفس الوقت بدون صهيونية؟
إن الحديث عن تحويل اسرائيل الى دولة جميع مواطنيها هو حديث عن تحويل اسرائيل الى دولة اخرى (بالأصح ازالة اسرائيل) لن يتم بصراع يأخذ طابعا قوميا رجعيا، بل هو صراع على من يمتلك وسائل الإنتاج في المجتمع (أي صراع اقتصادي)

عندما تجلى المشروع الصهيوني في اسرائيل، أصر الصهاينة على اضطهاد الفلسطينيين لطمس النضال الطبقي والانشغال بقضايا وطنية تلهي الشعوب عن حفنة المُستغلين ورؤوس الأموال الذين در عليهم المشروع الصهيوني (اسرائيل) المليارات من الدولارات والثروات الفاحشة وهنا أحب أن اقتبس فقرة من الباحث الفلسطيني رازي نابلسي تلخص كل ما أريد أن اشرحه أو أقوله : " فالفلسطينيون في الداخل يعيشون تحت وطأة السياسات الاسرائيلية التمييزية على الأصعدة كافة, منها التخطيط الذي يستهدف الحيز والأمن في دولة تعيش حالة صراع مع شعبهم في الضفة الغربية وغزة والبطالة وانتشار السلاح والعنف والمخدرات اضافة الى هدم البيوت وفي قطاع غزة على الرغم من الحصار وانسحاب اسرائيل منه فانه لا يزال عمليا يعيش تحت وطأة منظومة السيطرة الاسرائيلية ذاتها التي تقوم بفعل الحصار والتحكم بما يدخل وما يخرج منه واليه...اضافة طبعا الى معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية جراء الاستيطان وعنف المستوطنين والالة العسكرية الاحتلالية الاسرائيلية.(3)
وجراء كل هذه السياسات لم يعد هنالك أي سياسية في اسرائيل كون السياسة تتلخص في الصراع الطبقي فالعصابات الصهيونية لا تنجح الا بالوصول الى السلطة مع ابقاء تمركز الثروة في الوسط اليهودي وعند بعض شذاذ الافاق من الروس والأحباش

وفي النهاية فإن الوضع الحالي "اسرائيل" عبارة عن راحة بال لبعض رؤوس الأموال، والانتقال الى "دولة جميع مواطنيها" لا يؤخذ باجرائات قانونية وسفسطات برلمانية بل بالسيطره على وسائل الانتاج في المجتمع.

(1)
http://he.settlementproductshebrew.wikia.com/wiki/%D7%A8%D7%A9%D7%99%D7%9E%D7%AA_%D7%94%D7%9E%D7%A4%D7%A2%D7%9C%D7%99%D7%9D_%D7%91%D7%94%D7%AA%D7%A0%D7%97%D7%9C%D7%95%D7%99%D7%95%D7%AA_%D7%95%D7%9E%D7%95%D7%A6%D7%A8%D7%99%D7%94%D7%9D



(2)
http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-3215359,00.html

(رازي نابلسي, الصهيونية والاستيطان ص 82-83)(3)