استفتاء البرزاني وضياع البوصلة

كاظم الموسوي
2017 / 8 / 15

" .. ولكنكم نسيتم ما ذُكرتم، وأمنتم ما حُذرتُم، فتاه عنكم رايكم، وتَشتتَ عليكم أمركم..". الامام علي بن ابي طالب

احتل زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان، شمال العراق، مسعود البرزاني، ( أسس الحزب والده الراحل مصطفى البرزاني في آب/اغسطس 1946) حيزا واسعا في الإعلام والمشهد السياسي، هذه الايام، بإعلانه موعدا لاستفتاء حول تقرير المصير للشعب الكردي في العراق، وتشكيل لجان واطلاق اسماء لها، وكل حراكه يدور في/ او يفسر بالانفصال عن العراق، تحت اسم استقلال إقليم كردستان. وهنا اسءلة كثيرة عن صلاحية القرار وهدفه ومصداقية دعاته وإحراج أنفسهم والشعب في قضية لا تتوفر لها شروطها وظروفها، الان على الاقل، فكيف يغامر او يجازف رجل سياسة بقرار كهذا؟!، وهو ادرى بأنه يحكم في جزء من كردستان المعترف بها، ولا توافق سياسي بين القوى السياسية الكردية ثانيا، وهو نفسه لا صلاحية قانونية له باصدار هكذا قرار، لانتهاء مهمامه الرءاسية ثالثا، ولا يحمل الصفة التي يفرضها هو وأتباعه له، ووحدها هذه القضية تقدم نموذجا للعقلية التي تدير السياسة في الإقليم وفي تقرير او تقدير اتجاهات البوصلة السياسية.
حدد القرار موعدا جديدا واخيرا للاستفتاء، (25 ايلول/ سبتمبر 2017) مع حملات علاقات عامة واعلانات وزيارات وتخبطات تثير الاستغراب حقا، وتعكس لا معقولية ما يدعى او ما يراد الإقرار به، لا شكلا ولا اسلوبا، حتى ولو كانت بالونات للاختبار او الابتزاز والضغط السياسي أو التهديد والوعيد وبالتوازي مع مشاريع خطيرة مرفوضة مسبقا ولا تخدم من يرهن مصيره بها، لا اليوم ولا غدا.
فاذا كانت جهة الاصدار لمثل هكذا قرار، هي البرلمان، شرعا وقانونا، او توافق القوى والأحزاب السياسية في حالة عدم وجود برلمان لسبب من الاسباب، فالواقع يقول بأن البرلمان موجود ولكن معطل بدون سبب قانوني وانما بارادة فردية ومزاجية مغلفة بمفردات انقلاب او محاولته ودون ايضاح الاسباب او الشواهد او الدليل عليها، ومعروف أن رءيسه ابعد بالقوة، وشمل الابعاد وزراء في الحكومة من حزب رئيس البرلمان، التغيير (كوران)، وهو القوة الثالثة رسميا في الاقليم، لتبرير تلك الرغبات، وهذا يفسر تصاعد حدة الصراعات والاختلافات داخل القوى السياسية الكردية، وينتهي اخيرا إلى أن الجهة الصحيحة للقرار غير موجودة شرعيا ودستوريا وسياسيا، يضاف لها الخلاف على انتهاء مركز البرزاني نفسه، وانتقاد شامل لإصراره عليه، مخالفا الدستور الذي وقع عليه حين صدر وباسمه حكم رءيسا للاقليم فترتين دستوريتين وحتى فترة التمديد ايضا.
هكذا قرار بالانفصال وتحت أي مسمى اخر يعني قرارا مصيريا ومؤثرا ويحسب بدقة وموضوعية لما يتركه من آثار وما يسببه من اخطار وما يقوم به من اجراء او ما يرسم له من خطط لما بعده وكيفية قيادة الأوضاع. هذه كلها أمور ليس من السهل النقاش فيها دون أن تكون كلها منتظمة في إطر استراتيجية الحياة والعمل في موقع ساخن سياسيا وامنيا واقليميا. وهنا لابد من التفكير ب:
اولا : أن القوى السياسية الكردية اساسا غير متفقة على القرار، او توقيته او ادارته، ولها ملاحظات جدية على خطط وسياسات مصدّر القرار ولم تنته خلافاتها البينية، فضلا عن صراعاتها الداخلية وانعكاساتها على مصير القضية برمتها.
ثانيا: لم تحسم تطبيقات المادة الدستورية 140 والتي تحدد الموقف من المناطق التي تسمى هكذا بالمتنازع عليها، وهذه قضية حساسة، تصرح عن عقلية التحكم القادمة وطرق تعاملها مع السكان في الإقليم والمناطق المختلف عليها، لاسيما المدن المختلطة او الرافضة للانضمام إلى الإقليم حاليا، فكيف بعد؟!. ومن ثم لا يمكن التعايش سلميا بحدود الدم، كما صرح مرة.
ثالثا: القيادة الاتحادية المركزية في العراق أعلنت موقفا واضحا برفض الاعلان عن القرار رسميا ودستوريا، وذكرت أن مثل هكذا قرار انفرادي غير دستوري ولا يقبل وطنيا، وان الادعاءات التي تدور حوله تناقش في بغداد ويمكن إيجاد الحلول لها، وتنتهي حينها المبررات التي توضع سببا للقرار. اي عدم موافقة المركز لإجراء الاقليم، والاستمرار فيه تدل على إخلال في إدارة الحكم واختلال في نهج العلاقات الوطنية، تستهدف ابعد مما هي عليه، او تدعيه علنا او سرا.
رابعا: اقليميا، كل ما يحد اقليم كردستان العراق جغرافيا، تركيا وايران، وسورية، لا يوافق على الفكرة اساسا، ويرفض الطرح والحديث بها، لما تتركه من تأثيرات عليها، ولذلك اعلنت أنقرة وطهران على لسان مصادر رسمية عليا، رفضهما للقرار ودعوتهما لاحترام وحدة التراب العراقي. وكذلك هو الموقف السوري، ومعروف اجتماعات اللجنة المشتركة بين هذه الدول والعراق بشأن الموضوع الكردي فيها سابقا.
خامسا: عربيا: بادرت جامعة الدول العربية بارسال رسالة إلى البرزاني تحدد موقفها من قراره، وتدعوه إلى إعادة التفكير والحوار مع بغداد. ورد البرزاني عليها برسالة مطولة تحمل الكثير من التناقضات وتعبر عن صاحبها ولكنها لا تخفى حقيقة الهدف عن أعين الناس، او كما يقال لا تخفى الشمس بغربال، كما هو معروف، مهما صيغت العبارات وتلونت الكلمات. حتى أنها حملت مناكفة مسبقة واغلاطا مرتدة نتائجها على صاحبها سلبا. رغم أن هناك من يقول عن بعض دعم عربي محدود وتاييد من الكيان الصهيوني معلن لهذه الخطوة، ولا يعرف مدى صدقية هذه الأطراف بما فيها الكيان وقدراتها على الإسناد والدعم الواقعي لمثل هكذا خطوة معلقة وفي خيال تطرف لا تشجع او تدفع إلى خير واضح للمصالح الأساسية للشعب الكردي ولا العراقي بأجمعه.
سادسا: دوليا: قبل طرح الفكرة ونشرها حذر مسؤولو دول أوروبية مباشرة حكومة اربيل، من الذهاب الى الانفصال، مهما كانت الذرائع والاسباب، وخوطب البرزاني نفسه مباشرة بمثل هذا الراي، وليس اخرها ما حصل معه في بروكسل ولقاءاته التي لم تكن كما تصور واراد، حيث قوبل من موظفين في البرلمان الأوروبي والخارجية البلجيكية، أكدوا له موقفا صارما من خططه ومشروعه. وليس اخر الانتقادات والرفض من حليفته الرئيسية التي يبني عليها خياراته، حيث اتصل به وزير الخارجية الأمريكية ريكس تيلرسون وأوضح له رفض واشنطن لقراره، ونصحه بتاجيله الان والانشغال بما هو بعد الانتصار العراقي على تنظيم الارهاب المسمى اعلاميا "داعش". وهنا وقع أمر مضحك، اربيل تنفي المكالمة، والقنصل الامريكي ينشر خبرها على الموقع الرسمي للقنصلية، وتنقلها وسائل إعلام مقربة من الطرفين عاكسة طبيعة التناقضات المزاجية وكأنها تسلية إضافية لواقع الحال، المربك والمرتبك.
سابعا: الهروب إلى الأمام في ظرف صعب لا ينتج ما يؤمل منه. والنتيجة بانت اكثر كشفا، خصوصا في أن الدخول الى مثل هكذا قرار واعلانه دون دراية واستناد كاملين الى مهمات المرحلة ومستقبلها والتوجهات الضرورية لقضية الشعب الكردي ووقاءع الحال على الارض تكشف ضياع البوصلة فيها وتقديم بيان صريح عن العقلية السياسية المصرة او المرتهنة بالقرار والاستهانة بالدستور والوحدة الكردية ومن ثم الوحدة الوطنية في العراق.
طرح استفتاء يراد منه الانفصال والتقسيم والتفتيت تحت ما يسمى حق استقلال ومصير اقلية في بلد لم تضطهد أو تحارب فيه، ويشارك سياسيوها في رسم سياساته وتستثمر او "تستنزف" اقتصاده، يفضح ليس نيات وحسب وانما خططا ومشاريعا عداءية للعراق، والشعب العراقي بكل قواه والوانه. وليس هناك أكثر وضوحا من الاصرار على الأخطاء والاستمرار في الاستفتاء والحيرة بما تؤول إليه النتاءج وفي كل الاحتمالات. مما يدل ويؤكد على أن البوصلة مفقودة وان الاغراءات التي دفعت بمثله خطيرة وغير سليمة للمصالح الشعبية والوطنية واستقرار المنطقة وتطورات المستقبل السياسي للعراق وجيرانه، ويبقى سؤال بعد كل ما ذكر، لمن تخدم مثل هذه التخبطات؟!.