فلسفة الحضارة ووعي الذات القومي الثقافي

ميثم الجنابي
2017 / 8 / 15

من اجل أن تظهر فلسفة الحضارة كعلم من العلوم الفلسفية، كان ينبغي للحضارة أن "تموت" لكي يجري إعادة "إحياءها" بمعايير الرؤية الفلسفية. بمعنى أن يجري تخطي الأفق التاريخي والثقافي للحضارة نفسها، اي لنماذج الحضارات التاريخية الكبرى.
فقد لازمت الحضارات التاريخية الكبرى، من حيث مقدمات ظهورها ونمط مرجعياتها الثقافية ومنظومات المبادئ المتسامية فيها، المرحلة الثقافية الدينية والمرحلة الدينية السياسية. بينما تنفي منظومة المرجعيات الثقافية الملازمة للمرحلة السياسية الاقتصادية نمط الصيرورة الحضارية المميزة للماضي. ومن ثم تنفي إمكانية ظهورها. من هنا الفكرة القلقة والهلامية أيضا عما يسمى بموت الحضارة أو الحضارات، كما لو أنها صفة أبدية تلازم الوجود التاريخي للبشر والأمم.
فالعلاقة المميزة لفعالية الثقافة في صيرورة الحضارة، والتي عادة ما تنتهي بالجمود ثم الانحطاط فالزوال هي الصفة الطبيعية الملازمة للطابع الطبيعي لحضارات المرحلة الثقافية الدينية والمرحلة الدينية السياسية، في حين لا يصيب الجمود الثقافة الملازمة للمرحلة السياسية الاقتصادية وذلك بسبب طبيعتها ومنظومة مرجعياتها الكبرى التي لا تنتج قيم ومفاهيم ومنظومة الحضارة التقليدية، وذلك لان طابعها الديناميكي ينفي بصورة دائمة ومستمرة عناصر الثبات والمقدس. أنها تتمثل قيم ومفاهيم الانتقال الأعقد في التاريخ الإنساني من الحالة الطبيعية إلى الحالة الماوراطبيعية للوجود الإنساني على النطاق العالمي، والتي تهيمن فيها فكرة الاحتمال العقلاني والبدائل العملية المستقبلية .
كل ذلك حدد بروز ونمو فكرة الحضارة، وأهميتها الجوهرية بالنسبة لوعي الذات القومي والثقافي. فالتاريخ السياسي للفكرة القومية الحديثة وصيرورة الأمم القومية الحديثة عادة ما يمر بطرق شائكة ومعقدة ومريرة ودهاليز مضللة ومظلمة قبل أن يخرج إلى جادة الصواب، اي إلى طريق الرؤية العقلانية والاعتدال الواقعي المحكوم بفكرة المصالح القومية وتقنينها الحقوقي. وعادة ما تضغط هذه الحالة على الوعي الفلسفي لفهم وإدراك حدود التجربة الذاتية من خلال تأمل تجارب الماضي وأسباب انهيار الأمم وإبداعها التاريخي، بعبارة أخرى، إن الاهتمام بقضايا الحضارة والحضارات القديمة يحمل في طياته وعيا سياسيا يتمثل، بوعي أو دون وعي، العنصر الأساسي في ذهنية هذه المرحلة، ألا وهي تنشيط الفكرة السياسية في مواقفها من الحاضر والمستقبل عبر استلهام تجارب الماضي. وبما أن تجارب الماضي الباقية أو المتبقية عادة ما ترتبط بذكرى ومعرفة الحضارات القديمة الكبرى، من هنا ظهور الاهتمام بها من اجل عقلنة الوعي الذاتي القومي والثقافي. لهذا نراها تظهر في الحالات الحرجة لصيرورة الفكرة القومية أو انهيار الأمة أو تأمل آفاقها المستقبلية. لهذا نراها تظهر للمرة الأولى عند دانيليفسكي في مساعيه الفكرية السياسية لعقلنة الفكرة القومية الروسية بمعايير الثقافة الذاتية والانتماء السلافي بسبب كمية ونوعية الخلافات الفكرية والسياسية الكبيرة آنذاك حول الهوية الروسية، بينما تظهر عند شبنغلر بأثر الهزيمة العسكرية والسياسية لألمانيا في الحرب الإمبريالية الأولى. بينما كانت تؤسس، رغم مظهرها المحايد، لاستشراف آفاق الإمبراطورية البريطانية عند توينبي.
الأمر الذي يشير إلى الترابط العضوي بين البحث في القضية الحضارية وبين إشكاليات الوعي القومي التاريخي والثقافي بوصفها قضية سياسية كبرى وعميقة. وبالتالي فإننا نعثر فيها على مؤشر جوهري لصعود الوعي الذاتي إلى مصاف الرؤية الفلسفية. وبالتالي فان فقدان هذه الرؤية الفلسفية يشكل أيضا احد المؤشرات الجوهرية عن ضعف أو فقدان الوعي الذاتي القومي والثقافي.
إن فقدان هذا الوعي في العالم العربي، بوصفه احد العوالم التاريخية الثقافية والحضارية الكبرى والذي تمثل تقاليد الأمم الحضارية للأسلاف مثل العراقية السورية (السومرية والبابلية والآشورية). والمصرية والفارسية واليونانية يكشف عن انه لم ينضج بعد في تحليل ونقد الحالة المتأزمة لصيرورته الحديثة، وفقدان بوصلة الرؤية المستقبلية للبدائل، اي انه لم يصل بعد إلى الفكرة المنهجية المتعلقة بنقد أصول الثقافة الحالية وتخلفها السياسي من خلال نفي بقايا الأصول اللاهوتية المتغلغلة في مسام الوجود العربي من اجل تأسيس فكرة البدائل المستقبلية القادرة على تذليل عقبات الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية.
وهو السبب الجوهري وراء غياب الاهتمام الفلسفي بهذه القضية، بل شبه انعدامه التام. بينما تشكل بقايا الفكرة السلفية أو التقليدية والأصول الإسلامية القديمة المتناثرة بما في ذلك في العلوم النظرية الوجه الآخر لهذا الغياب. الأمر الذي ترتب عليه وما يزال يترتب غياب الأعمال الفلسفية المتعلقة بالحضارة العربية الإسلامية. والاستثناء الوحيد هو ما وضعه محمد عابد الجابري بهذا الصدد في كتبه عن "نقد العقل العربي" في (تكوين العقل العربي) و( بنية العقل العربي) و(العقل السياسي العربي) و(العقل الأخلاقي العربي). من هنا أثره الفكري والسياسي الكبير في الوعي العربي النظري نهاية القرن العشرين. مع انه لا يرتقي إلى مصاف فلسفة الحضارة لكنه يحقق بعض جوانبها من خلال نقد ما يمكن دعوته بأصول "العقل العربي". الأمر الذي جعل مما كتبه بهذا الصدد الأفضل بمعايير المنظومة الفلسفية. بل يمكنني القول أنها المنظومة الفلسفية الأولى والوحيدة لحد الآن في الفكر العربي الحديث والأكثر تجانسا، باستثناء ما وضعته في كتابي التأسيسي (فلسفة البدائل الثقافية) الذي سأقدم للقاري العربي قريبا صيغته الأولية المختصرة ولاحقا صيغته التامة(عشرة كنب).

فالنقص الجوهري في المنهج الفلسفي للجابري يقوم في تغليب الصيغة الشكلية لمفهوم "العقل العربي" وتطبيقها على مجمل التاريخ السياسي والفكري والأخلاقي العربي الاسلامي. وهو منهج يقترب من حيث تطبيقه العملي من محددات وغايات النزعة الأيديولوجية الحديثة. الأمر الذي حدد ضعفها المضموني من حيث التحليل والتدليل والنقد. اذ لا بدائل فيها ترتقي إلى مصاف المنظومة وذلك لانها حاصرت منهجها النظري ومنظومته الخاصة بشكلانية الثلاثية المفتعلة "للعقل العربي". ولم يكن هذا معزولا عن التربية الدينية الأولية، ثم ضعف التقاليد العلمية التي تربى عليها، ونقص أو تشوه التقاليد العقلانية والأكاديمية الصارمة في الجامعات العربية بدون استثناء، وتعايش المناهج المتناقضة، وهيمنة الذهنية الدينية والسلفية والتقليدية فيها، اي كل ما وجد انعكاسه في موقفه غير المؤسس من العقل. وقد كان جورج طرابيشي محقا في نقده المتشعب لمفهوم العقل عند الجابري في كتابه (نقد نقد العقل العربي) مع ما فيه من ثغرات نفسية ومعرفية وثقافية. فقد أعجب في بداية الأمر وانبهر بما كتبه الجابري ثم اكتشف ضعفه المعرفي فيما يتعلق بمفهوم العقل. وهو استنتاج دقيق. وليس مصادفة أن ينحدر الجابري في مقالاته وأبحاثه أواخر العمر صوب السلفية والدفاع الخجول عن الحنبلية بشكل عام وابن تيمية بشكل خاص. ومع ذلك يبقى ما كتبه ووضعه تجاه "العقل العربي" ضمن سياق تحليل الحضارة الإسلامية وذهنيتها الثقافية، الأفضل في الفكر الفلسفي العربي الحديث. والمقصود بالأفضل هنا هو طابعه المنظومي فقط. وما عدا ذلك فإنه أدنى فيما يتعلق بالإحاطة العامة بمختلف جوانب الحضارة الإسلامية مقارنة بمؤلفات عديدة أخرى. ومن الممكن الإشارة هنا إلى كتابات احمد أمين عن (فجر الإسلام) و( ضحى الإسلام) و( نهار الإسلام) و(يوم الإسلام). لكن ضعف كتاب احمد أمين، فيما أنا بصدده، هو فقدانه للتأسيس الفلسفي.
كل ذلك يوصلنا إلى الحصيلة القائلة، باستمرار الضعف الكبير في اهتمام الوعي النظري بفلسفة الحضارة، ولم يجر تخطي وتذليل الهوة العميقة بين معرفة مختلف جوانب وحيثيات الحضارة العربية الإسلامية وبين تأسيسها الفلسفي. بمعنى استمرار وجود الهوة العميقة بين الوعي النظري بقضايا التاريخ الحضاري ووعي الذات القومي. الأمر الذي يجعل من مختلف جوانب الحضارة العربية الإسلامية وإنجازاتها الهائلة في مختلف الميادين عناصر متناثرة ومتصارعة تستعيد في أفضل الأحوال شحنات الخلاف المخربة وليس توحيد النفس الثقافية. وهذه بدورها لن يصنعها غير الرؤية الفلسفية بوصفها الوحيدة القادرة على تحويل المحتوى الثقافي العام للحضارة العربية الإسلامية إلى قوة وطاقة فاعلة في بلورة مبادئ ومرجعيات الانتقال من الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي.
**