الناقد فوزي كريم و(مرايا الحداثة الخادعة) حين يكون الإيهام استعلاء على القارئ

شكيب كاظم
2017 / 8 / 12

منذ سنوات بعيدات (1963- 1964) عرفت الأديب الشاعر المفكر فوزي كريم، كنا نرتاد مقهى فاضل في كرادة مريم، المقهى القريب من محلة العباسية، القريبة من جسر الملكة عالية، المحلة التي عاش فيها المبدع فوزي كريم، كنا نرتاد المقهى لغرض القراءة تحضيراً للامتحانات، وكنت أرى مجموعة من الأدباء من زملاء فوزي كريم، وقد عجبت كيف انعقدت صداقة بين المشاكس الصاخب الشاعر شريف الربيعي، رحمه الله وبين الحيي الهادئ دمت الأخلاق، الذي لا يكاد يسمع صوته فوزي كريم،!!؟
كنت أتابع ما ينشره في بعض الجرائد العراقية، أو في (الآداب) البيروتية، كما قرأت أول كتبه (من الغربة حتى وعي الغربة) وفي مؤتمر الأدباء العرب المنعقد ببغداد ربيع عام 1969، كنت أراه دائماً بمعية صديقه الأديب السوري ممدوح عدوان- رحمه الله- في أروقة قاعة الخلد بكرادة مريم. حيث انعقدت جلسات المؤتمر. ومرت سنوات، طوحت بنا الأيام، وغادر فيها فوزي كريم العراق، نحو دنيا الله الواسعة، ليعمل على تأسيس مشروعه الفكري النقدي الشعري الجاد، بعيداً عن العسف والرأي الواحد.
عام 2000، أصدرت (دار المدى) كتابه النقدي الفكري المهم (ثياب الإمبراطور. الشعر ومرايا الحداثة الخادعة) ليضاف إلى منجزه المعرفي الإبداعي الشعري الثر، وفي الذاكرة كتبه (العودة إلى كاردينيا) و(من الغربة حتى وعي الغربة) و(مخاطر الستينيين. أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي) ولقد اشتمل كتابه النقدي هذا على خمس مقالات، تناول في أولاها الموسومة (المرايا الخادعة لحداثة الشكل) موضوعة الحداثة الملتبسة الموهمة، التي وقع العديد من المبدعين أسرى هواها، وأسرى زركشتها المغوية، دون معرفة أن الكثير الصادر عن هذه الحداثة، إنما هو محض هراء وهباء وتدليس على القارئ والمتلقي، أنهم يهربون من الإبانة والإيضاح إلى اللغو والتهويم والانكفاء على الذات، للتخلص من الخواء الفكري الذي يعانونه، يرون الإيهام فكراً ويرون التدليس على القارئ فلسفة وحداثة وما بعد حداثة. ومنذ سنوات بعيدات، قرأت في الملحق الأدبي الذي كانت تصدره جريدة (الجمهورية)- الخميس الأول من أيلول/ 1966- قصة قصيرة عنوانها (الرغبة) كتبها إبراهيم السعيد، الذي غادر العراق في نهاية السبعينيات نحو الولايات المتحدة، قرأت القصة مرة، وثانية وأخرى دون ان يصل إلي منها شيء، ولم افقه لها معنى أو ما يشبه المعنى، واطلعت عليها أكثر من صديق، وكان الجواب: أنهم لم يفهموا منها شيئاً، وتأتي المفاجأة بعد سنوات حين ذكر إبراهيم السعيد في مقالة له، انه قرر ذات يوم كتابة قصة لا تستند إلى أي معنى أو ثيمة، مجرد حروف مرصوفة وكلمات لا رابط بينها، ولقد وقعنا نحن في هذا المطب والمنزلق، فأصبح كل موهم وملغز وملتبس، يشير إلى حداثة وما بعدها، بل أصبح البعض يوغل في الإبهام والإيهام، مستعلياً على القارئ، الذي يقع في حيص بيص، متلذذاً في هذا التدليس، وإذا كنا نحن لعقدة الضعف أمام الآخر، وخاصة الغربي، لم نجرؤ على رفع الرأس، ورفع الصوت، أمام هذا الاستهزاء بعقل القارئ، لا بل كنا نهمس لبعضنا، أو نتحدث من وراء حجاب، فان أهل مكة وقد عرفوا كل شعابها رفعوا الصوت عالياً بوجه هذا الضحك على القارئ، وأوقعهم في موقع لا يحسدون عليه، يوم أرسل (الان سوكال) الأستاذ في جامعة نيويورك وقد هاله هذا الطوفان من الاحجيات والمطلسمات، دراسة محشوة بالمصطلحات المستعصية على الإفهام وموغلة بالصياغات المتعالية الموهمة إلى مجلة شهيرة هناك هي (Social Text)، وقد فوجئ سوكال وكان يعتقد ان لعبته ستفتضح، فوجئ بنشر الدراسة، في العدد الخاص؛ الذي خصصته المجلة لدحض الأصوات النقدية المضادة لما بعد الحداثة وللبنيوية الاجتماعية، واذ نشرت الدراسة الموهِمة هذه، بادر الان سوكال إلى كشف حقيقة دراسته المنشورة التي لا تعدو كونها مقاطع من مقالات ودراسات لا رابط بينها، فخرست المجلة الحداثية المحترمة!! ومقالة الان سوكال هذه تذكرني بنصيحة الدادائي تريستان تزارا لمن يريد كتابة قصيدة دادائية يقول فيها: (خذ جريدة/ خذ مقصاً/ اختر منها مقالاً له الطول الذي تنويه لقصيدتك/ قص باعتناء الكلمات التي يتألف منها المقال ثم ضعها في كيس!!/ خضه برفق/ اخرج قصاصة تلو قصاصة حسبَ ترتيب خروجها من الكيس/ استنسخ بنزاهة/ ستشبهكَ القصيدة/ وها انك كاتب في منتهى الأصالة وذو حسية ظريفة وان لا تفهمها العامة لا تفهمها) كما أنها تذكرني بقصة (الرغبة)لا لإبراهيم السعيد، الذي فضح لغز كتابتها هو نفسه.
في المقالة الثانية من المقالات الخمس التي احتواها هذا الكتاب المهم للشاعر الناقد فوزي كريم، التي وسمها بـ(مرايا الجذور: المذهب الشامي والمذهب البغدادي) ومع ان المصطلح- كما يقول هو نفسه- لم يأخذ مداه الطبيعي، او لم يكن دقيقاً، لكن ما لا يدرك كله، لا يترك جله، فان فوزياً قصد بالمذهب الشامي، جماعة الشعراء الذين ابتعدوا عن خوالج الذات وإرهاصاتها، وجعلوا الهم الأساس في أشعارهم، لصوت العقل واللفظ الصاخب، بعيداً عن هسهسة الروح وترانيم الذات، أي بمعنى ان المذهب البغدادي ممثل بعمر بن أبي ربيعة وأبي نواس وابن الرومي وأبي العلاء المعري، جاء مصاقباً لخوالج الروح وأحاسيس النفس في أفراحها وأتراحها، في تألقها وكبواتها، في سموها وانحدارها إلى قعر الذات، جاء المذهب الشامي ليمثله أبو تمام وأبو الطيب المتنبي، قريباً من نوازع الأفكار وابتكارات العقول، لقد كان المذهب البغدادي في الشعر يعبر عن الذات، في حين كان المذهب الشامي تعبيراً عن الموضوع، وإذا كنا لا نستطيع استلال بعض ظلال المذهب الشامي وتأثيراته عن شعراء المذهب البغدادي، وبالعكس، أي لا يمكننا الفصل كلياً بين نتاج شعراء الفريقين، لان الأدب والشعر خاصةً، إنما هو تعبير عن وضع الشاعر وحالته النفسية، فقد يكون في قصيدة شامخاً باحثاً عن الأفكار والمبادئ، وكل ما هو بعيد عن إرهاصات الذات، إذا تراه في أخرى وقد طافت به ترنيمة حب أو وشوشة وجد، أو حادثة هجر أو فقْد، نراه يهوي من عليائه المتنفجة، ليغدو إنساناً، وفي ذات كل انسان طفل يقبع، من هنا نرى البونَ شاسعاً بين المبدع ذاتاً، وبين المبدع إبداعاً، أي نجد الفرق بيناً بين نتاج المبدع وسلوكه في حالات الضعف الإنساني، التي فطره الله عليها، وخلق الإنسان ضعيفاً، وهو ما وقف عنده فوزي كريم "ان المذهبين البغدادي والشامي، على شدة اختلافهما عن بعضهما، لم يستطيعا التفرد بالخصائص، كلاً على حدة، بل ألقى كلٌ على الآخر شيئاً من ظله، خاصة ظل المذهب الشامي، الأثقل موروثاً وحضوراً وعروبة (...) المدرسة البغدادية، التيار الهامشي قياساً إلى تيار الشعر العربي السائد، ظلت، إذا صحت التسمية، ممتدة خارج حدودها التاريخية في العصر العباسي، ثقيلة الوطأة على الذوق الرفيع المتمثل بمؤرخي الشعر ونقاده وكتابه، داخل المسار العام".ص94 ص96
كما اني وجدته ينحو منحي الإطلاق، أي انه يطلق أحكامه- أحياناً- كمن هو موقن بصحتها لا يكاد يرف له جفن، أو يخطر على باله أن يراجع أحكامه، أو بعضها، مع ان البحث العلمي لا يميل إلى الإطلاق فالدنيا- في الكثير من أحكامها ونواميسها- تقوم على نسبيات وترجيحات، من ذلك قوله: "هذه القاعدة قد لا تبدو ضرورية وملحة، في شعر وأدب احد، قدر ضرورتها والحاحها في الشعر والأدب العربيين، بسبب آفة اللفظية والشكلية التي استحوذت عليه، حتى أصبحت طبيعة فيه"ص102
ترى هل قرأنا كل آداب الأمم الأخرى، فأطلقنا رأينا الجازم هذا، حتى نعرف ان هذا الانقطاع عن خبرة الحياة والتوسل بـ(البدعة) إحدى علائم (المحافظة) و(التقليدية) لأنها تشاكل من حيث الجوهر، الطبيعة الشكلية اللفظية للشعر العربي، وإنها غير ضرورية وملحة إلا في الشعر والأدب العربيين؟!!
ان إطلاق مثل هذا الحكم الحاسم المطلق، يعني ان مطلقه اطلع على كل آداب الدنيا وفن الإنشاء فيها، وهذا من المحال!!
ويطل المفكر فوزي كريم على قرائه، برأي مطلق آخر يحاكي رأيه المذكور آنفاً، ليقرر بيقين راسخ يحسد عليه "فما من شعر، في لغات هذا العالم الحديث، غذى الشاعر بسموم (الذات المتضخمة) و(النجومية) و(النبوية) كما الشعر العربي"ص127 واطلاق هذا الحكم يعني ان مطلقه قرأ أشعار لغات هذا العالم الحديث، وهذا لا يتآتى الا لمراكز بحثية متخصصة، وليس لفرد، يحاول تلمس دربه واختيار ما يقرأ امام هذا الفيض من المطبوعات، الذي تضخه دور الطبع.
وإذا كان المبدع فوزي كريم قد درس شعراء المذهب البغدادي، ممثلاً بعمر بن أبي ربيعة وأبي نواس، وابن الرومي والمعري، من المتقدمين فانه واصل هذا الحرث ليجعل بدر شاكر السياب نموذجاً للمذهب البغدادي، وليجعل من ادونيس مثالاً للمذهب الشامي، من المحدثين، اذ اهتم السياب، بعد خيباته في السياسة، التي ما دخل معتركها الا بحثاً عن الذات، واذ وجد فيها ما يرمم وحدته وضعفه إزاء الحياة، فان الانغماس في السياسة، يعني كثرة المريدين والمناصرين له من السائرين في التيار الذي انتمى إليه، وإذ غادر أفكاره الأولى بتأثيرات شاعر مشهور، كي يخلو له الجو، وليكون شاعر ذلك التيار السياسي، حتى إذا خلا له الجو غادره، وهو الذي لا يقر له قرار، معلناً براءته منه، يوم اجري الناقد المصري المعروف غالي شكري مقابلة فكرية ممتعة معه، والراحل غالي معروف بهذا الإمتاع في الحوارات، نشرتها مجلة (دراسات عربية) اللبنانية بعددها الحادي عشر، السنة السابعة، أيلول 1971، تحت عنوان (الشاعر يجيب على سؤال العمر والشعر) ص58 ص98، وإذ يسأله الراحل غالي شكري- هل تعد نفسك شيوعياً؟ يجيبه- لا لست شيوعياً، مضيفاً ومؤكداً... "وأحب ان أسجل هنا ملاحظة قد تفيد بعض النقاد والكثير من القراء، الذين اعتقدوا لفترة من الزمن أنني شيوعي وقيموني سلباً وإيجاباً على ضوء هذا التصور، وطلبوا مني ما لا ينبغي ان يطلبه ناقد من شاعر"94!!
لقد اهتم السياب، بعد ان غادر مآزق السياسة والانتماءات، بذاته وجعل من شعره سلوى لروحه المهيضة الجناح، المعذبة، المكتوية بلظى الصحة المعتلة، والاهاب ضعيف الشأن، والوجه الذي يفتقر إلى أبسط مقومات القبول، بله الوسامة، فكان هذا سبباً في رحيله المبكر المأساوي، فلقد تلبسته صور الموت والقبور- حتى وهو في شبابه الأول، يظهر ذلك من خلال، رسائله المتبادلة مع صديقه الشاعر خالد الشواف، فكيف به وقد عصف المرض الوبيل بجسده الواني الضعيف، في حين كان ادونيس على الضفة الأخرى من نهر الحياة، فهو كما يقول فوزي كريم "والكثير من الشعراء العرب، يتعامل مع الموت كـ(لفظة)، كـ(كلمة) سحرية تعكس في أحسن حالاتها، (فكرة) تماماً كما يتم التعامل مع مئات (الألفاظ) و(الكلمات السحرية) الأخرى: الحب، الجسد، الروح، الحرية، الوطن، الثورة، الهدم، التمرد، الرفض، المرأة، ولكي يتم استيعاب هذه الكلمات- الأفكار- ينوع عليها باستعمال مهارات الخيال، ولكن هذا الخيال يظل لفظياً (...) ان قدرة ادونيس السحرية على التغيير، جعلتني أتوقف عن الإنشاد واتساءل: هذه مهمة قائد، لا مهمة الة موسيقية مفرطة الحساسية، وكنت على يقين دائماً، من ان ادونيس شاعر، لكنه يطل عليّ قائداً او نبياً مبشراً من رحم حضارة لا وجود لها، او حضارة لا ينتسب إليها"ص245 ص256
- لقد عرف فاضل العزاوي بأنويته المتعالية، ومشاكساته الفكرية منذ بداياته في رحاب (جماعة كركوك) إلى جانب أنور الغساني ومؤيد الراوي وسركون بولص، وجليل القيسي ويوسف الحيدري وجان دمو وصلاح فائق، يوم اصدر (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة) كما كتب الرواية وفي الذاكرة روايته (القلعة الخامسة) و(الأسلاف) كما كتب القصيدة الميكانيكية، لذا حبرَ فوزي كريم أكثر من سبعين صفحة، هي مادة فصله الخامس الذي وسمه بـ (مرايا حداثة الستيني) لمناقشة ما كتبه الشاعر والناقد والروائي فاضل العزاوي، في مجلة (الناقد) في عددها الثامن والستين (شباط 1994) وإذا كان أكثر مثقفي الحداثة، قد عانوا انقطاع..الجذور؛ جذورهم، وعدم الوقوف عند موروثهم الثقافي، رائين قطع الصلة به معيار تقدم ومعاصرة، فان هذا الانقطاع يعلن نفسه حين يتحدث فاضل عن الشعر وقصيدة النثر قائلاً: "وقد انتبه إلى ظاهرة وزن النثر في اللغة العربية ابن سينا قبل ما يقرب من ألف عام عندما أوضح ان إشكال الوصل والفصل في الجملة هي أوزان الكلام، مؤكداً ان النبرات تقرب النثر من الشعر الموزون، ففي مقابل الوزن العددي الذي يقوم على النبرات والسكنات (العروض) يوجد النثر الذي يقوم على النبرات والسكنات (الاتصال والانقطاع) دون ان يكون عددياً (...) ولعل أفضل مثال على الإيقاع العالي الذي يمكن ان يتحقق في النثر هو الصياغة القرآنية للآيات، التي هي في الأغلب ليست جملاً كاملة ومع ذلك تنفصل عن غيرها من الآيات التي تتصل بها، بطريقة تعطي القارئ الفرصة لكي يقرأها أو يرتلها بطرق إيقاعية مختلفة (القراءات السبع المعروفة... )ص291 ليدل حديثه عنها على عدم معرفته بأولياتها، مع انه يصر على ان يصفها بالقراءات السبع المعروفة، والقراءات موضوع شائك يحتاج إلى مدارسة وبحث، لا ان يطلق الكلام جزافاً، وما هي بمعروفة لديه، يدل على عدم معرفته بها هذا الذي ذكره عنها، وحتى ما ذكره فوزي كريم لم يكن صحيحاً، اذ قال "ولو كلف فاضل نفسه بمراجعة أي مصدر مبسط لمعنى القراءات السبع المعروفة لعرف أنها ليست، بأي شكل من الأشكال، موازين صوتية "تعطي القارئ الفرصة لكي يقرأ الآيات القرآنية ويرتلها بطرق إيقاعية مختلفة) بل هي الأحرف السبعة أو اللهجات السبع التي تنزل بها القرآن، وهي تتعلق بكلمات تختلف بالألفاظ وتتفق بالمعاني مثل: هلم واقبل وتعال واليّ وقصدي ونحوي وقربي... "ص292
إذ إن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع، لان عبارة الأحرف وهي جمع حرف الواردة في الحديث الشريف، قد تعني القراءة او تفيد المعنى او الجهة، لكن القول بأن المراد بها القراءات- كما حكى الخليل بن أحمد- اضعف التخريجات، في حين ان القراءات القرآنية السبع، تعني قراءة الأمصار الإسلامية للقرآن إذ عرفت في الشام قراءة..عبد الله بن عامر اليحصبي (ت- 118) وفي مكة قراءة عبد الله بن كثير الداري (ت 120هـ) وفي البصرة قراءة ابي عمرو بن العلاء (ت 154هـ) واشتهرت في المدينة قراءة نافع (ت 169هـ) اما الكوفة فذاعت فيها قراءة عاصم بن أبي النجود الاسدي (ت/ 127) وحمزة بن حبيب الزيات (188هـ) وابو الحسن علي بن حمزة الكسائي (189هـ) ولعل اول من تناول هذا الموضوع شيخ قراء بغداد في زمانه أبو بكر احمد بن موسى بن العباس المعروف بابن مجاهد (ت 324هـ) أول من جمع قراءات هؤلاء القراء السبعة، وقد اتفق العلماء على ان القراءة المقبولة يجب ان تتوفر على ثلاثة شروط هي:
1- موافقة القراءة لرسم احد المصاحف العثمانية ولو تقديراً.
2- موافقتها العربية ولو بوجه.
3- صحة الإسناد المتواتر.
واذ أوضحت باختصار مفهوم القراءات السبع راجعاً بشكل أساس إلى كتاب (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح، التي يصر فاضل على أنها (معروفة)!! فان فوزي كريم، للدلالة على انقطاع هذه المجاميع عن تراثها وقراءتها له بشكل مبتسر وسريع وآني، يشير إلى ان ابن سينا والفارابي يريان الأمر بصورة جد مناقضة لما نسبه إليهما فاضل، اذ يورد نصاً لابن سينا بشأن الموضوع جاء فيه: "وقد تكون أقاويل منثورة مخيلة، وقد تكون أوزان غير مخيلة، لأنها ساذجة بلا قول، وإنما يوصف الشعر بأنه يجتمع فيه القول المخيل والوزن" وأوضح الفارابي أن الشعر إذا خلا من الوزن بطل ان يكون شعراً، والأصح ان يسمى عند ذاك (قولاً شعرياً) ص291 ص292
واذ يتناول فوزي كريم مناقشة مفهوم الإيقاع في قصيدة النثر، الذي هو محض أكذوبة، وتدليس قالها بعض رادة قصيدة النثر ونَظَّرَ لها: ادونيس. يوسف الخال. انسي الحاج مثلاً ليوهموا المتلقي بهذا الإيقاع الذي لا وجود له إلا في أذهانهم، فالإيقاع؛ إيقاع الوزن الشعري، وإذ خلت قصيدة النثر من الوزن، فان هذا يستتبع خلوها من أي إيقاع، يعقد فوزي جلسة مناقشة لآراء فاضل في الإيقاع ليقول: "ان مفهوم الإيقاع يبقى شبحاً في مقالات فاضل. فهو إيقاع حر. وإيقاع نثر وإيقاع داخلي وإيقاع جديد، وإيقاع يعكس روح زمننا وضجة شوارعنا وأرواحنا (...) ان الإشارات حول الإيقاع الداخلي والعالي والنفسي، كثيرة في مقالات طليعيي الحداثة، الذين خرجوا من إيقاع الوزن، وهي كثيرة في مقالة فاضل العزاوي، ولكن إشارة تحليلية واحدة لم ترد على لسانه بشأن ماهية هذا الإيقاع وضوابطه، وكيف يمكن تمييزه من جملة نثرية مثل: المناخ بارد في الشتاء حار في الصيف وإذا كان الإيقاع واحداً في هذه الجملة وفي أي بيت يعتمد النثر فلم كل هذا الحديث المفتعل عن الإيقاع الجديد"؟!!ص319 ص327