إشكاليات الحضارة بين الفلسفة والسياسة

ميثم الجنابي
2017 / 8 / 12

إن الكتابة عن الحضارات القديمة والماضي عموما ذات ارتباط دائم بالحاضر والمستقبل، سواء جرى النظر إلى هذه القضية بمعايير المنطق المجرد أو التأويل السياسي. وبالتالي فان تأمل الماضي وانجازاته يحتويان على تحقيق المهمة المنطقية المتعلقة بإرساء أسس الرؤية العلمية الدقيقة التي تجعل من الماضي وتجاربه مصدرا من مصادر وعي الذات التاريخي والثقافي، ومن ثم أداة وأسلوبا لتعزيز الوحدة الاجتماعية والقومية السليمة لكي لا يتحول الماضي إلى مصدر خلاف وشقاق وتدمير عبثي. كما يحتوي هذا التأمل على إمكانية التأويل السياسي الفعّال بالنسبة لبلورة ما ادعوه بمنظومة المبادئ المتسامية أو منظومة المرجعيات الثقافية. وهو أمر جلي حالما ننظر إلى الواقع العربي الحالي الذي يفتقد حاليا لأبسط مقومات الوحدة. بحيث جعل من الماضي وأحداثه مصدرا للتأويل السياسي المشوه وإثارة الأحقاد والخلافات غير العقلانية والحروب الدموية.
فمن الناحية المنطقية تكشف هذه الحالة عن غياب العقل العلمي والمنطق الفلسفي في التربية ووعي الذات القومي والتاريخي والثقافي على مستوى النخب والعوام. وهذه بدورها تعكس هيمنة الرؤية اللاهوتية والتقليدية وأسسها الاجتماعية والاقتصادية في البنية السياسية للدولة العربية "الحديثة". بمعنى دول حديثة بلا حداثة، بينما يشكل التأويل السياسي المشوه تجسيدها العملي. فعلى سبيل المثال، عندما احتل الأمريكيون العراق عام 2003 كان اللهاث السياسي "العربي" منهمكا بمقارنات تاريخية مزيفة مهمتها اتهام الشيعة بالخيانة الوطنية والقومية وتسهيل دخول القوى الأجنبية الغازية لبغداد، عبر "استلهامها" نموذج العلقمي واحتلال بغداد من جانب المغول والتتر، وليس الحديث عن الغزو الأمريكي. وكل هذا اللغط من جانب إعلام الدول التي ناصب العراق العداء المطلق والمشاركة بحصاره الشرس وتقديم أراضيها لغزوه! فمن هو العلقمي هنا؟ والقضية هنا لا تقوم فقط في طبيعة هذه المغالطة الفكرية والتاريخية والسياسية، بل ولأنها تصطدم بكل معطيات وواقع وحيثيات وحقائق الحاضر. اذ يكشف الصراع السياسي في العالم العربي الآن عن أن القوى الاجتماعية السياسية الأكثر استعدادا وفعلا للتضحية والفوز من اجل المصالح الوطنية والقومية هي التيارات الشيعية، وكل من يعاديها ويتهمها بما يتناقض مع ذلك هو نموذج فعلي للخيانة الوطنية والقومية. والأمثلة لا تحصى ومن ثم لا معنى للإشارة إليها. ويكفي النظر إلى"قضية العرب والمسلمين" الكبرى (فلسطين).أما ما يخص العلقمي التاريخي، فانه بريء مما ينسب إليه. وليس صورته التي جرى رسمها عنه فيما بعد من جانب قوى لا تختلف من حيث مزاجها الذهني والمذهبي عما هو ساند في طبائع الحنبليات جميعا. طبعا أن قضية احتلال العراق وحالة الخيانة أكثر تعقيدا بما لا يقاس مما طرح ويطرح في الإعلام الرخيص والدراسات السياسية "الرزينة" التي لا تختلف من حيث الجوهر عما هو سائد في الجرائد والتلفيزيونات المأجورة التي تمثل دول الخليج "العربية" نموذجها الفج والفاسد والفاسق والرزيل. فهو إعلام يعكس حقيقتها.
إن هذا المثال وآلاف غيره تكشف عما في تناول التاريخ الفعلي للحضارة الإسلامية وتاريخها الذاتي وتجاربها المتنوعة والمختلفة من أهمية قصوى بالنسبة للحاضر والمستقبل. اذ على كيفية تنقية الرؤية التاريخية والثقافية وتأسيسهما النقدي العلمي تتوقف تربية الذهنية العربية وتوحيد استلهامها العلمي والعملي بمعايير الحق والرؤية المستقبلية.


بعبارة أخرى، إن الاهتمام الجدي والعميق بإشكاليات الحضارة الإسلامية هو أولا وقبل كل شيء مهمة منهجية "للعقل العربي" المتحير في متاهات الرؤية اللاهوتية والبدائية للتاريخ، كما أنها مهمة عملية لتذليل الإرث الهائل للعقائد الميتة التي يجري سقيها الدائم بدماء قرابين الجهل والتخلف والانحطاط العقلي والروحي والأخلاقي. ولعل ما حدث ويحدث من اقتتال دموي شرس، وهمجية لا مثيل لها، وانحطاط مطلق للروح الاجتماعي والوطني والقومي في العراق وسوريا واليمن وليبيا من جانب الحنبليات الإسلامية بمختلف مشاربها وأسماءها المدعومة والمسيرة بالإرادة الخاوية لقوى الرذيلة المطلقة لممالك وإمارات البداوة والتصحر الثقافي، احد الأمثلة النموذجية لما أنا بصدده.
ذلك يعني أن إعادة فهم الحضارة الإسلامية على أسس علمية ومنطقية صارمة بوصفها تجربة ذاتية عابرة وباقية، بالنسبة للعالم العربي في ظروفه الحالية، تهدف بقدر واحد إلى تنقية العقل الثقافي وإعادة تأسيسه بما يتوافق مع مهمات الانتقال من المرحلة الدينية السياسية، التي مازال العالم العربي يتخبط بين ثقل أصولها اللاهوتية وواقع الحداثة والعلم المعاصرين، إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. وكذلك إلى صنع الإجماع العلمي والعقلاني تجاه الإشكاليات المثيرة للغط العقائدي والأيديولوجي السياسي بالشكل الذي يجعلها حالة منفية في وعي الذات القومي والتاريخي والثقافي.
وفيما لو نظرنا إلى ما كتب في العالم العربي على مدار القرن العشرين وحتى الآن حول قضايا وإشكاليات الحضارة الإسلامية، فإنها لا تتعدى أصابع اليد المبتورة! أما الكتب والدراسات والأبحاث العديدة المتعلقة بمختلف جوانب الإسلام والثقافة الإسلامية من فكر وأدب وفنون وعلوم فإنها لا تتعدى في اغلبها المطلق حدود التأريخ لها. كما أن اغلبها يتسم بالتقليد والتكرار والاستعراض المسطح وتشوه المناهج، وبمجموعها تسهم في صنع خليط يصعب هضمه من هنا أثاره المخربة بالنسبة لتنمية الوعي النقدي والعقلاني تجاه الحاضر والمستقبل. وقد يكون الاستثناء النسبي الوحيد بهذا الصدد ما وضعه قسطنطين زريق في كتابه في معركة الحضارة، الذي طبع للمرة الأولى عام 1964، الأمر الذي يشير إلى أن اهتمامه بهذه القضية بدء في منتصف أو نهاية الخمسينيات، بمعنى إدراكه المبكر لما في هذه القضية من أهمية جوهرية بالنسبة للرؤية العقلانية والصراع من اجل المستقبل بالنسبة للعالم العربي، إلا أن الكتاب اقرب ما يكون إلى مؤلف تدريسي، كما انه يخلو من دراسة هذه القضية على مثال الحضارة الإسلامية، بوصفها أس ومصدر الحالة الثقافية والحضارية للعالم العربي المعاصر.
إن اهتمام قسطنطين زريق بهذه القضية ينبع من نمط فلسفته القومية، التي ترتقي إلى مصاف الفكرة العربية العقلانية المنطقية والعلمية المجردة. بمعنى خلوها من وهج التحدي والكفاح السياسي والتوظيف العملي فيما يخص الهوية الفعلية للعرب والعالم العربي. وهي جوانب لم يعر لها الفكر القومي في شخصياته الكبرى اهتماما جديا بما في ذلك عند انطون سعادة. والسبب الجوهري وراء ذلك أنهم جميعا قليلي المعرفة بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية، اي المكون الجوهري للوجود العربي.
وفيما يخص قسطنطين زريق، بوصفه الشخصية الوحيدة التي اشغلها مهمة الدخول في معركة الحضارة، فانه لم يعر اهتماما إلى هذه الجوانب، رغم تناوله المقتضب لأراء المفكر الروسي نيكولاي ياكوفليفتش دانيليفسكي (1822-1885)في كتابه الشهير )روسيا وأوربا(. لاسيما وأنها شكلت صلب مضمون الكتاب. الأمر الذي يشير إلى انه لم يطلع عليه وانه أخذ الفكرة العامة عما كتب عنه، أو أن هذه القضايا لم تثر اهتمامه. وهذه فرضية لا تستقيم مع منطق كتابه عن معركة الحضارة.
اذ أن ما يميز كتاب دانيليفسكي هو انه وضع فلسفته عن الحضارة وبالأخص ما اسماه بالنمط التاريخي الثقافي، لكي يبرهن على قوانين نشوء الحضارة وخصوصياتها وأهميتها وقيمتها جميعا بدون استثناء. ووضع كل ذلك في أساس نقده للفكر الأوربي التاريخي والثقافي في مواقفه من النفس والآخرين. ومن ثم البرهنة على محدودية الحضارة الأوربية، وبالتالي خصوصية روسيا التي لا تنتمي ولا ينبغي لها أن تنتمي للحضارة الأوربية. وبالتالي فان لروسيا طريقها الخاص ونمط رؤيتها لنفسها والعالم، وأسلوبها الخاص في الإبداع الروحي. إضافة إلى ما يميز هويتها التاريخية الثقافية التي تستلزم صنع نظامها السياسي ونمط الدولة القومية الخاص بها.
في حين يختلف الأمر بالنسبة لشبنغلر وتوينبي، اللذين كانت أبحاثهما العميقة والأصيلة منصبة على فكرة الثقافة والحضارة وأسباب نشوءها وتطورها واندثارها. ولكل منهما منهجه الخاص واستنتاجاته الموافقة له. فقد كان الاهتمام السياسي بإشكاليات الثقافة والحضارة تتسم بنزعة تاريخية فلسفية عالمية عند شبنغلر، وتاريخية ثقافية عالمية عند توينبي. من هنا استنتاج شبنغلر النهائي عن أن الحضارة تموت لانها كائن حي، بينما تموت الحضارات (الخاصة) وتبقى الحضارة (الإنسانية العامة) عند توينبي. إن هذا الاهتمام الفلسفي والتاريخي بالحضارة يعكس المسار السياسي والثقافي الأوربي، الذي تجاوز إشكاليات التأسيس النظري للفكرة القومية. لكنها تبقى مع ذلك ذائبة في الفكرة العامة عن الثقافة والحضارة في (أفول أوربا) لشبنغلر و(معرفة التاريخ) لتوينبي. وينطبق هذا على مختلف النظريات الأخرى الأقل انتشارا وتأثيرا.
أما بالنسبة للعالم العربي، فان تعقيدات هذه القضية أصعب وأقسى بعشرات المرات عما مرت به روسيا وأوربا بهذا الصدد، وما مرت به اليابان والصين والهند. فقد كان حل الإشكاليات الجوهرية للفكرة الحضارية احد المصادر الجوهرية للإجماع الإيجابي للبحث عن الإصلاح والبدائل. ومع ذلك ظلت هذه القضية بعيدة عن تناول المفكرين العرب الكبار. وقد يكون الاستثناء الوحيد هو ما وضعه مالك بن نبي في كتابه عن الفكرة الافروآسيوية.
فقد كان هذا الكتاب أفضل ما كتب عن توظيف الفكرة الحضارية وإبداع النمط الخاص للنظام السياسي والثقافي والروحي للخروج من الأزمة الذاتية وتحرير النفس من الخضوع للهيمنة الاستعمارية. إلا أن ضعفه كما هو الحال بالنسبة لغيره هو قلة إلمامه بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية.
أما الأبحاث والدراسات الأخرى لمختلف التيارات الماركسية والإسلامية فإنها مجرد توظيف أيديولوجي مسطح ومشوّه للغاية. في حين تتسم الكتابات الليبرالية بتقليدها الفج لفتات الأفكار الأوربية ومناهجها المجتزأة. وينطبق هذا على الأبحاث العلمية والأكاديمية أيضا. وقد يكون الاستثناء النسبي الوحيد بهذا الصدد ما وضعه محمد عابد الجابري وهشام جعيط. ولكل منهما قوته وضعفه. الجابري قوي في منظومته الفلسفية ضعيف بمحتواها، وعلى العكس منه ما أنتجه هشام جعيط، قوة المضمون وغياب المنظومة. وينطبق هذا الحكم وما قبله على الأغلبية المطلقة من الكتب والأبحاث التي وضعت بهذا الصدد.
**