حول الموقف الشيوعي من استفتاء كوردستان!

عبدالله صالح
2017 / 8 / 11



لم يحدث، في التأريخ المعاصر على أقل تقدير، أن شَغَلَت مسألة سياسية المجتمع بأكمله، بطبقاته وشرائحه كما هو الحال هذه الايام في العراق بشكل عام وفي كوردستان على وجه التحديد حول مسألة الاستفتاء لانفصال كوردستان عن العراق أو البقاء ضمنه. انقسم المجتمع، بشكل عام الى معسكرين، معسكر المؤيدين للانفصال بـ - نعم –، ومعسكر الرافضين بـ - لا ـ ولكل معسكر حججه وأدلته.
لست هنا بصدد تكرار حجج الأحزاب القومية البرجوازية الكوردية ولا بصدد أهدافها من وراء هذا الاستفتاء لأن من يعيش في هذه البقعة من الأرض لابد له ان يدرك بأن حكم وسلطة هذه الأحزاب، سلطة فاسدة وقمعية بكل المعايير، وربما قل نظيرها في العالم. ما اريد التركيز عليه هنا هو موقف بعض الشيوعيين، أفراداً وأحزاب سياسية، مؤيدة لهذا الاستفتاء تُناشد الجماهير وتدعوها للذهاب الى صناديق الاقتراع والتصويت بـ ـ نعم ـ.
حجج ومبررات هذا الموقف يمكن حصرها في التالي:
الانفصال عن العراق يعني انهاء مسألة قانونية حول علاقة كوردستان بالعراق وارتباطها به وحل هذه المعضلة، وان هذا الانفصال سينهي هذه الحالة ويسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب البرجوازية الكوردية الحاكمة ويضعها أمام المسؤولية ويحول دون التهرب من مسؤولياتها إزاء مطالب الجماهير بالإضافة الى أن هذه الحالة ستنهي الفدرالية القومية و تؤدي بدورها الى أن يصبح الصراع الطبقي في كوردستان أكثر شفافية بحيث يمهد الطريق و يسهل النضال أمام الشيوعيين من أجل تحقيق أهدافهم .

كنت قد كتبت في صفحتي على الفيس بوك باللغتين العربية والكوردية فكرة انتقدت فيها ذلك الموقف الشيوعي الداعي الى التصويت بـ ـ نعم - من هذا الاستفتاء وقلت بأن " الأقنعة سقطت “، مما أثار حفيظة البعض من الرفاق، هنا أبدي أسفي ان كانت العبارة قد أثرت على مشاعرهم التي أكن لها كل الاحترام. لاحقا سأتطرق لهذه المسألة. هذه الكتابة أحدث جملة من ردات الفعل والمواقف المعارضة لهذه الفكرة من قبل رفاقنا الشيوعيين كأفراد أو شخصيات حزبية، فقد وصفه البعض بـ (القاسي)، والعض الآخر بمجرد كونه (رأي) وهناك من وصفه بـ (تصريحات غير مسؤولة)! ، ومنهم من وضع خطوطا حمراء لموقفي هذا ومنهم من اتهمني كوني" اوزع أنواط شيوعية "، والبعض الآخر يسألني عن البديل ، والبعض شبه موقفي بـ مسألة " التخوين " التي اطلقها البرزاني على من يدلي بـ ـ لا ـ ! ، وهناك من أيد الموقف بطريقة أو بأخرى . أنا بدوري لم أرد على أي تعليق لأني ارتأيت أن تكتمل كل الملاحظات حيث ان البعض منهم، كما يبدوا لي، أدرك المسألة متأخرا وبدأ يعبر عن رأيه.
بداية لا بد من القول والتأكيد على انني لم أقصد في كلامي هذا إهانة أحد بالمطلق، أو أشك فيمن يفتخر بكونه شيوعي، ولم أتطاول على التأريخ النضالي الشيوعي لاحد، وإذا كانت العبارة فُهت هكذا فلربما لسوء تقدير مني أو لسوء فهم المقابل، أنا تحدثت عن سياسة معينة واعتبرتها غير شيوعية، وأما عبارة "سقوط الأقنعة "فهي مرتبطة بنقد هذه السياسة وهي نابعة من تصور معين حول الموقف الذي أعتبره غير شيوعي لهذا الحزب أو ذاك، لهذه الشخصية أو تلك سأوضح ذلك بتفصيل أكثر:
ان المسألة ليست بهذه البساطة كونها مجرد رأي، لا ليس كذلك، عندما اتحدث عن هذه المسألة، أتحدث عن سياسة أعتبرها غير شيوعية وهذه السياسة لها مكانتها داخل المجتمع في ظرف تدور فيه حرب بين قطبين مختلفين حول مسألة سياسية تكتيكية معينة، هذا النقد نابع من موقف هؤلاء الرفاق من هذه المعركة الدائرة الآن، وما سوف تليها من مواقف تحمل في طياتها سؤالا لهؤلاء الرفاق، وهو: أين تقفون أنتم ؟ الموقف السياسي بحد ذاته هو تكتيك سياسي عملي، من يقول داخل أوساط الشيوعية العمالية بأن هذه السياسة هي مجرد تكتيك عليه أن يدرك بأن غالبية الخلافات والنقاشات في الحركة الشيوعية كانت ولا تزال تدور حول التكتيك السياسي تجاه هذه المعضلة أو تلك التي تواجه الحركة العمالية والشيوعية. فالحركة الاشتراكية والدمقراطية أثناء الحرب العالمية الأولى كانت قد أنشقت والاممية الثانية أفلست وكل النقاشات التي رافقتها دارت حول التكتيك الثوري الاممي تجاه الحرب ، فأما التكتيك المساوم واتباع سياسة الذيلية للبرجوازية القومية في كل بلد والاصطفاف معها، أو اتخاذ موقف ثوري اشتراكي واممي من الحرب كما كان يؤكد عليه لينين ورفاقه باستمرار، الكل يدرك هذه التفاصيل ولا حاجة للمزيد.
إن مسألة الاستفتاء والانفصال ليستا مسألتين بهذه الاهمية مقارنة بالموقف في الحرب العالمية الاولى، أنا اعتبر بأن الانجرار وراء سياسة البرجوازية القومية الكوردية وبالتحديد الحزب الدمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني ، تكتيك سياسي لا يرتبط لا من قريب ولا من بعيد بسياسة الشيوعية العمالية . هناك حرب دائرة الآن وحتى قبل الاستفتاء ، داخل المجتمع بين الطبقات الاجتماعية وسيستمر حتى بعد الاستفتاء ، وهناك معسكر وجيش كبير من العمال والكادحين والمعدمين يقفون في معسكر الـ - لا – ، جماهير واسعة تنادي يوميا وترفض البقاء في ظل سلطة فاسدة أثبتت التجارب المريرة معها بُعدها عن مصالح تلك الجماهير ، موقف يرفض سلطة أنهكت كاهلها ونهبت وقتلت وقمعت واغتالت و ...... اذا فرؤية الشيوعيين وهم يتخذون هذا التكتيك وينظمون الى معسكر السلطة ،ناهيك عن نواياهم وتوجهاتهم تجاه تلك السلطة ، وتحت أية ذريعة كانت ، لا بد أن تتعرض لانتقادات سياسية قاسية ، ان مكان الشيوعيين هوبين صفوف تلك الجماهير لا بالضد منها . فبدلا من الحوار والنقاش حول الموقف من هذه المسألة يأتي بعض الرفاق ويعبر عن موقفه ويتجنب الدخول في صلب الموضوع، وهنا لا أقصد شخصا معينا او حزبا معينا بحد ذاته ، بقدر ما أقصد كل المواقف التي إتخذت من معسكر نعم داخل صفوف الشيوعين .

ان مسألة البقاء والانفصال عن العراق ليست مسائل "إثباتية" ، هنا اريد تذكير الرفاق ببحث لمنصور حكمت حول أهمية النفي ، أي ألـ - لا ـ في المنهج السياسي الثوري الذي يستهدف تغيير العالم ، بل المسألة هي صرخة كبرى اطلقتها الجماهير المحرومة ، صرخة ترفع ـ لا ـ كبيرة بوجه سلطة تريد تحويل نفسها من سلطة تابعة الى سلطة مستقلة كي تنفرد في ممارسة ابشع الجرائم بحق هذه الجماهير بحجة تحقيق " الطموح القومي "، سلطة تريد من خلال الـ ـ نعم ـ إضفاء الشرعية " الدولية " على ممارساتها القمعية ،هنا تأتي الجماهير وتقول لا لهذه الدولة البرجوازية القومية وتأتون أنتم لتقفوا مع هذه السلطة في سياستها هذه !؟ ان هذه الاوضاع وتلك الحركة الاجتماعية الكبيرة ربما تحتوى على مختلف الشرائح داخل المجتمع والكل يبحث عن أجندته ، الا انها لا تريد أن تتبع المعسكر الآخر أي معسكر السلطة ، هذه الـ لا ـ الكبيرة هي التي تشكل المسار السياسي لهذا المجتمع وتأتون أنتم لتضعوا أنفسكم في المعسكر المعادي للـ ـلا ـ ! أنا اعتقد وأجزم وبحكم التأريخ بأن الموقف المبدئي للشيوعيين هو الانضمام الى معسكر هذه الجماهير الرافضة لهذه السلطة وسياساتها، أي الوقوف في معسكر ـ لا ـ . هناك بعض الرفاق يتهموننا باننا وضعنا رؤوسنا في الرمال ولا نرى الواقع ! أليس من الاصح أن نسألهم من هم الذين لا يرون هذا الواقع الحالي كما هو !؟

أما فيما يخص مسألة "التخوين " ، لابد أن أقول في البداية من المؤسف أن نفكر وفق منطق شخص برجوازي قومي متخلف كـالبرزاني عندما يطلق هذه العبارة على معارضيه وهو يسعى من وراء ذلك الى تقديم كل من قال لا ، اذا ما انفرد بالسلطة يوما ما وفي ظل دولته القومية ، أن يقدم هؤلاء الى المحكمة بتهمة الخيانة ، لا بل الخيانة العظمى !. ان تقول لي ، على سبيل المثال ، أو أقول لك انك غير شيوعي ،هذا لا يعني بأنك خائن ، هناك الملايين من الناس الشرفاء ليسوا شيوعيين وليسوا خونة ، ثم لنسأل ما هذه الهالة الدينية المقدسة التي نعطيها لهذه المعركة ؟ الشيوعية تعني الحياة ، كما يقول منصور حكمت ، وهي حركة فكرية واقعية جارية ربما تخطئ في بعض الأحيان أو تصيب ، يمكنك أن تقول لي بأن موقفك هذا خاطئ أو غير صحيح ولكن يجب عليك أن تتذكر بأن نقدنا يأتي في سياق ووفق المنطق السياسي الشيوعي وليس منطق " التخوين " البرجوازي .
دعوني أطرح سؤالا على نفسي :
من أين أتت لي هذه الفكرة وهذا التعليق؟ هل جاءت من فراغ؟ وهل انا انتقد المواقف التي أراها غير شيوعية جزافا ودون دليل؟ الجواب وبكل بساطة لا، فهو نابع، حسب اعتقادي ، من حرصي على الشيوعية وعلى مصالح الطبقة العاملة ومصلحة الجماهير المحرومة بشكل عام، كوني أؤمن بالشيوعية العمالية وأحرص، ومن خلال تجربتي النضالية التي استمرت لعقود، على أن لا تتبنى أحزابها سياسةً تدفع بها الى التهميش وتبعدها عن هدفها الحقيقي.
نعم انها سياسة غير شيوعية ولا تمت الى العامل ومصالحه الطبقية بصلة وتشكل منعطفا خطيرا يضر بمصالحه على المدى القريب والبعيد . من حق الجماهير المعترضة الأن أن تسأل كيف يمكن للشيوعيين أن يقفزوا فوق كل هذه المآسي التي خلقتها هذه الأحزاب خلال فترة حكم استمر لمدة 26 عاما !؟ كان من الاجدر بهؤلاء الشيوعيين أن يكونوا في مقدمة فضح هذه السياسة كونهم الأدري بهذا الواقع المؤلم الذي يطال غالبية هذه الجماهير عدى فئة محدودة تنعم بالرخاء من وراء سياسة هذه السلطة الفاسدة، انها حقا قفزة نحو المجهول .
هناك من يتحدث عن الظلم القومي وينسى بأن من يقمع ويضرب ويسجن ويغتال ويسرق وينهب خلال 26 سنة ليسوا هم الناطقون بالعربية، هناك الآن في كوردستان جيل لا يعرف حتى التحدث بالعربية .
المسألة الأخرى والمهمة ، باعتقادي ، هي وضع الأقليات غير الناطقة بالكوردية في كوردستان ؟ لنذهب ونتحدث اليهم ونرى كيف يتحدثون عن آلامهم جراء سياسات هذه السلطة القومية الكوردية ، الظلم القومي الذي يمارس بحقهم لا يقل عن ذلك الذي عاناه الناطقون بالكوردية ابان الحكومات التي توالت على السلطة في بغداد ! كيف سيكون حالهم اذا ما أدى هذا الاستفتاء الى انشاء دولة قومية كوردية ؟
هناك موضوع آخر يتبع هذا الاستفتاء وهو موضوع المناطق المتنازع عليها ، ألا يخشى المنتمون الى معسكر ـ نعم ـ أن تندلع حرب قومية ! حرب كل مستلزمات اندلاعها جاهزة، وهي فقط بحاجة الى من يشعلها ،إن كان البرزاني أو حيدر العبادي لأن كلاهما آخر ما يفكران به هو ويلات ومآسي تلك الحرب ! ترى من سيكون ضحايا تلك الحرب ؟ أليسوا من الطبقة والشرائح التي نتبنى نحن الشيوعيون مصالحها ؟ ثم ماذا عن مصير رفاقنا الطبقيين في باقي انحاء العراق في ظل الحكم الإسلامي القومي الطائفي ؟ أليسوا هم من سيدفعون ثمن هذه الحرب المتوقعة كما هو الحال الآن في الحرب على داعش أو في الحروب القومية والطائفية الاخرى !
أضف الى كل ذلك الموقف " الدولي " من عملية الاستفتاء ورفض الامم المتحدة الاشراف عليه . أما دول الجوار فحدث ولا حرج ، التهديد والوعيد الذي يطلقه مسؤولو تلك الدول يزداد حدة يوما بعد يوم مما دفع بالأسواق الى الشحة في المواد الغذائية وغلاء الأسعار حتى قبل انطلاق عملية الاستفتاء وفي ظل هذا الوضع الاقتصادي المأساوي ، هناك تحذير من قبل أرفع المسؤولين داخل هذه الحكومة بأن الأسعار ستقفز بجنون ! اذا كان البرزاني لا يبالي بتجويع الشعب من خلال تصريحاته " باننا نفضل الموت جوعا على ان نبقى ضمن العراق " ماذا علينا نحن!؟
إنها جرأة كبيرة حقا يحتاجها الانسان كي يقف في هذا المعسكر البرجوازي القومي ويعلق آماله على أمنيات مزيفة ويترك هذا الحشد الكبير من محرومي المجتمع والمنضون تحت لواء ـ لا ـ لهذه السلطة الفاسدة و- لا ـ لسياساتها.