نشأة الحضارة (ول - ديورانت )

محمد حسين يونس
2017 / 8 / 11

الحضارة ..زراعة و التمدن.. مدينة
الفارق بين الشعوب البدائية من وجهة نظر (ديورانت ) و الشعوب المتمدنه يتلخص في عاملين (( نستعمل كلمة بدائي لتدل علي القبائل التي لا تتخذ الحيطة أو لا تكاد تتخذها بحيث تدخر القوت للايام العجاف وتلك التي لا تستخدم الكتابة أو لا تكاد تستخدمها و في مقابل ذلك سنطلق لفظ التمدن علي الاقوام التي في وسعها أن تكتب و أن تدخر في أيام يسرها لايام عسرها )).
هل نستطيع أن نعيد صياغة هذه المقولة لتعكس واقعنا فنعرف إلي أى الفسطاطين تنتمي أماتنا ..
للاسف رغم أن البعض منا يتقن أكثر من لغة إلا أننا أقل شعوب الارض قراءة و إنتاجا و إستهلاكا للكتب حتي عندما أصبح الامر متيسرا بواسطة اجهزة الاتصال الحديثة ..لم يتغيرالواقع كثيرا .. في نفس الوقت .. نحن نؤمن بالمثل القائل ( إنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب) علي مستوى الحكومات و الافراد ..
أى في بلدنا لا يقرأ الاغلبية( ولا يجدون في ذلك عيبا ) ولا نكتب إلا في حالات الضرورة و نكمل إحتياجاتنا كأمة بالتسول و الاستدانة .. كما لو كان ديورانت يصف عام 1949 حاضرنا ...نحن نعيش دون إحتراز لنجعل من أنفسنا أمة بدائية (( بعد أن إعتمد الناس في أقواتهم علي ما يرد إليهم من بلاد أخرى )).
عناصر الحضارة كما قدمها المؤلف تعتمد علي الموارد الاقتصادية و النظم السياسية و التقاليد الخلقية و متابعة العلوم و الفنون . كذلك هي مشروطة ((بطائفة من العوامل التي تستحث خطاها أو تعوق مسارها أولها العوامل الجيولوجية... وثانيها العوامل الجغرافية ثم الاقتصادية )) أى ماذا يعمل البشر .. (( فقد يكون لشعب مؤسسات إجتماعية منظمة و تشريع خلقي رفيع بل قد تزدهر فيه صغيرات الفنون كما هو الحال مع الهنود الامريكيين و مع ذلك فإنه إن ظل في مرحلة الصيد البدائية و إعتمد في وجوده علي ما عسي أن يصادفه من قنائص فإنه يستحيل أن يتحول من الهمجية إلي المدنية تحولا تاما ، قد تكون قبيلة البدوعلي درجة نادرة من الفتوة و الذكاء و قد تبدى من ألوان الخلق أسماها كالشجاعة و الكرم و الشمم لكن ذكاءها بغير الحد الادني من الثقافة و بغير إطراد موارد القوت ستنفقه في مخاطر الصيد و مقتضيات التجارة بحيث لا يبقي منه شيء لوشي المدنية و هدابها و لطائفها و ملحقاتها و فنونها و ترفها))..
صدقت يا سيدى .. إن الانسان الصياد أو الراعي المتنقل من أجل الماء و العشب .. لم يقم أبدا مدنية .. بل شكل موجات إغارة واحدة خلف الاخرى علي جيرانه من الزراع عبر التاريخ .
لماذا ظهرت المدنية بين الزراع ((الانسان لا يجد لتمدنه فراغا و مبررا إلا إذا إستقر في مكان يفلح تربته و يخزن فيه الزاد ليوم قد لا يجد فيه موردا لطعامه )).
(( في نطق الكلمتين بالانجليزيه نجد إن الثقافة لترتبط بالزراعة في حين أن المدنية ترتبط بالمدينه .. في وجه من وجوهها هي رقة المعاملة أى الضرب من السلوك المهذب الذى هو رأى أهل المدن)) ففي المدينة (( يرهف الذكاء و تستثار فيه قوته علي الخلق و الابداع كذلك في المدينة يستغني عن فئة من الناس فلا يطلب إليهم صناعة الاشياء المادية فتراهم يتوفرون علي إنتاج العلم و الفلسفة و الادب و الفن نعم المدنية تبدأ من كوخ الفلاح لكن لا تزدهر إلا في المدن )).
المؤلف يضعنا هكذا أمام مجموعة من الاستنتاجات .. أن لا حضارة ( كلشر ) إلا مع الزراعة (أجريكلشر )..و أن الصياد و الراعي غير قادران علي إنتاج حضارة متمدنه .. لإرتباط التمدن ( سيفليزاشن ) بالسلوك المدني ( سيفيليتي ) ثم يصدمنا بانه حتي في مجتمعات الزراعية هناك فارق بين سكان الريف و سكان المدينه من حيث التمدن و إنتاج العلوم و الفنون و الفلسفة و الادب ..
و كأنني أرى أسباب نكوصنا و نكستنا .. إنه تغلب فكر و ثقافة الرعاة علي الزراع .. و تدهور ثقافة أهل المدن بزحف أهل الريف و فرض أساليب حياتهم علينا .. شكرا مستر ديورانت .. و إلي لقاء باكر .
هل محلاها عيشة الفلاح مهني قلبه و مرتاح ؟.
((إن نظام الوجبات الثلاث في كل يوم نظام إجتماعي غاية في الرقي أما الاقوام الهمجية فهي إما تتخم نفسها دفعة واحدة أو تمسك عن الطعام و إنك ترى أكثر القبائل توحشا بين الهنود الامريكيين يحكمون علي من يدخر طعاما لغده بضعف المراس و إنعدام الذوق كذلك أهل أستراليا الاصليين لا يستطيعون العمل كائنا ما كان ما دام جزاء العمل لا يجيئهم فور أدائه عند قبيلة البوشمن في إفريقيا ( إما وليمة و إما مجاعة ) وإن في قصر النظر هذا لحكمة صامته كما هي الحال في كثير من أساليب حياة الهمج ذلك أن الانسان إذا ما بدأ يفكر في غده فقد خرج من جنة عدن إلي وادى الهموم و حلت به صفرة الغم و هنا يشتد به الجشع و تبدأ الملكية و يزول عنه البشر المتهلل الذى يعرفة الانسان الاول الخلي من كل تفكير))
لدى رغبه عارمة أن أقارن هذا الخلي البال الذى لا يفكر في غدة بالصنايعية في الاحياء الفقيرة و الكفور.. و باغنية عبد الوهاب محلاها عيشة الفلاح لولا أن هذا سيوصمنا بالبدائية و الهمجية.
(( تكاد تجد الارض في كل الشعوب البدائية ملكا للمجتمع بأسره فالهنود في امريكا الشمالية و أهالي بيرو و قبائل الهنود التي علي تل(تشيتاجونج )و أهل بورنيو و سكان الجزر في البحر الجنوبي فثل هؤلاء ( فيما نرجح ) كانوا يملكون الارض جماعة و يحرثونها جماعة و يقتسمون الثمار جماعة .. في ذلك قال هنود أوماها (الارض مالماء و الهواء لا يمكن أن تباع ).
كذلك لم يكن بيع الارض معروفا في ساموا قبل قدوم الرجل الابيض و لقد وجد الاستاذ رفرز شيوعية إمتلاك الارض لا تزال قائمةفي ماليزيا و بولينزيا ويمكن أن تلاحظها الان (1949 ) في ليبريا .))
لا أعرف ما إذا كانت شيوعية إمتلاك الارض كانت قائمة في مصر من عدمة .. و لكن بدأ من الاحتلال الروماني كانت مصر بكاملها ضيعة لسيزر .. ثم أصبح نفس الوضع في زمن إبن الخطاب .. ولم يتغير الموقف في زمن محمد علي .. ولم يتخلف إلا في زمن سعيد باشا حيث أقطع الارض لملاك عديدين .
((و أما شيوعية القوت فقد فقد كانت أقل منذلك إنتشارا فمن المألوف عند الهمج أن من يملك طعاما يقتسمه مع من لا يملك منه شيئا كما كان المألوف كذلك للمسافرين إذا ما أرادوا طعاما أن يقفوا عند أى دار يشاءون في طريقهم بل كام من المألوف أن تستعين الجماعات التي ينزل بها القحط بجيرانها و كان إذا جلس إنسان في غابة ليأكل وجبته توقع منه الناس أن يصيح لمن أراد أن يشاطره الطعام قبل أن يبدأ هو في تناوله و يغير ذلك لا يكون الصواب في جانبه .
فلما قص (تيرنر ) علي رجل من (ساموا ) قصة فقير في لندن سأله الهمجي في دهشة و كيف هذا أليس هناك طعام أليس له أصدقاء أليس في المكان بيت للسكن . أين إذا نشأ هذا الفقير اليس لاصدقائة منازل ؟))
لا أعرف من منا الهمجي .. نحن الذين نضطر البعض للاكل من صناديق القمامة .. أم هذا الذى أطلق علية ديورانت همجي . !!
(( الجائع من الهنود ما عليه إلا أن يسأل فيجاب سؤاله بالعطاء فمهما يكن مورد الطعام ضئيلا عند المعطي فإنه لا بد أن يعطي منه السائل ما دام محتاجا فيستحيل أن تجد إنسانا يعوزه القوت ما دامت الغلال موجودة في مكان ما بالمدينة .
و كانت العادة عند الهوتنتوت أن يقتسم من يملك أكثر من سواه هذه الزيادة حتي يتساوى الجميع )).
أقرا هذا و صور الاطفال النحاف و الرجال و النساء الذين تبدو عظامهم من تحت جلودهم في الصومال و أرتيريا و جنوب السودان و الهند لا تبارح مخيلتي إن الانسان رغم تقدمة الصناعي و العلمي إلا أنه لم يصل لما كان علية من أطلقوا علية همجيا .
(( ولقد لاحظ الرحالة البيض أثناء تجوالهم في إفريقيا قبل أن تدخلها المدنية أن الرجل الاسود إذا ما قدمت إليه هدية طعام أو غيره من الاشياء ذات القيمة فإنه يقتسمها بين ذويه فورا و إذا ما أعطي المسافر بدلة لاحد السود فسرعان ما يرى الموهوب يلبس من الهبة جزءا كالقبعة ثم يرى صديقا له يلبس السروال و أخر السترة .. و كذلك الاسكيمو لا يرون للصائد حقا شخصيا في إمتلاك صيده بل يلزم توزيعه علي أهل القرية جميعا .))
(( وصف كابتن كارفر هنود أمريكا فقال إنهم لا يعرفون في فوارق الملكية شيئا سوى الادوات المنزلية و هم أسخياء بعضهم لبعض غاية السخاء و إذا ما فاض عند احدهم فيض و نقص عند الاخر فلا بد أن يسد الاول بفيضه نقص زميله.
كذلك كتب مبشر ديني يقول إن ما يثير الدهشة العميقة أن تراهم يعاملون بعضهم بعض برقة و مجاملة قل أن تراها عند أكثر الامم تحضرا .. وذلك بغير شك يرجع إلي أن لفظي ملكي و ملكك اللذين قال عنهما القديس كريسوستم أنهما تخمدان في قلوبنا شعلة الاحسان و تشعلان نار الجشع لا يعرفهما هؤلاء الهمج .. و يقول شاهد أخر لقد رايتهم يقتسمون الصيد إذا كان لديهم ما يقتسم لكني لا أذكر مثلا واحدا لتنازعهم أو لتوجيههم النقد لطريقة التقسيم كأن يقولوا أنه غير عادل أو غير ذلك من أوجه الاعتراض إن الواحد منهم ليؤثر أن يرقد علي معدته خاوية هلي أن يتهم بأنه أبي أن يعين المحتاج إنهم يعدون أنفسهم أبناء أسرة واحدة كبيرة )).
لماذا إختفت هذة الروح الانسانية المتضامنة الراقية وإنحسرت الشيوعية البدائية .. هذا هو ما سنتتبعة في الجزء القادم عندما نستمع إلي حيث المؤلف .. و هو يتحدث عن التنظيم الاقتصادى كعنصر اول من العناصر التي تتألف منها الحضارة .
نار التنافس التي لم تخمد حتي اليوم
في إجابته علي سؤال لماذا إختفت الشيوعية البدائيه كتب (سمنر ) (( لانها عقبة في سبيل تنازع البقاء ، و هي لم تحفز الناس ما يكفي لتشجيعهم علي الاختراع و النشاط و الاقتصاد ، وأن عدم مكافأتها للاقدر و عقابها لمن هو أقل قدرة سوى بين الكفايات تسوية تعاند النمو و تعارض التنافس الناجح مع سائر الجماعات ))
أما (لوكسيل ) فكتب عن بعض القبائل الهندية (( إنهم من الكسل بحيث لا يزرعون شيئا لانفسهم بل يعتمدون كل الاعتماد علي إحتمال أن غيرهم لن يرفض أن يقاسموه في إنتاجه و لما كان النشيط لا يتمتع من ثمار الارض بأكثر مما يتمتع الخامل فإن إنتاجهم يقل عاما بعد عام )).
في راى دارون ((أن المساواة التامة بين الفويجيين تقضي علي كل أمل في تحضرهم )).
((نعم الشيوعية طمأنت هؤلاء الذين خلصوا بحياتهم من الجهل و الفقر وما يترتب عليهما من مرض في المجتمع البدائي و لكنها لم تنتشلهم من هذا الفقر إنتشالا .
أما الفردية فقد جاءت بالثراء لكنها جرت معها القلق و الرق .
نعم الفردية حركت في الممتازين من الرجال قواهم الكاملة و لكنها نفخت نار التنافس في الحياة فأشعلتها و جعلت الناس يحسون الفقر إحساسا مريرا مع أن هذا الفقر لم يكن ليؤذى أحد حين إستوى فيه الجميع ))
كما لو كنا نتكلم عن ستينيات مصر بالمقارنة بالثمنينيات من القرن الماضي
((الصائدون و الرعاة ليس بهم حاجة إلي ملك يحتفظون به و لكن لما أصبحت الزراعة صورة الحياة المستقرة لم يلبث الناس أن تبينوا أن العناية بالارض تبلغ أقصاها من حيث غزارة الثمر إذا ما عاد جزاء تلك العناية إلي الاسرة التي قامت بها فنتج عن ذلك بحكم الانتخاب الطبيعي الكائن بين النظم الاجتماعية و الافكار كما هو كائن بين الافراد و الجماعات أن الانتقال من الصيد إلي الزراعة إستتبع تحول الملكية القبلية إلي ملكية الاسرة ))
يتابع المؤلف معنا تطور الملكية و الانتاج الزراعي عبر العصور فمن إستخدام أفراد الاسرة إلي القوة والارغام للغير علي العمل .. ثم التفاوت بين الناس الذى ينتهي إلي إستخدام الضعفاء إجتماعيا بواسطة الاقوياء ثم يتنبة الظافر في القتال أن الاسير الحي أكثر نفعا فتقل المجازر و أكل الناس بعضهم بعضا ليبدأ نظام الرق ويزداد إتساعا
و المؤلف يرى (( إذن فقد تقدم الانسان من حيث الاخلاق تقدما عظيما حين أقلع عن قتل زميلة الانسان أو أكله و إكتفي من إعدائة بإسترقاقهم )).
يتبع هذا تحولا في علاقات البشر .. حين أصبحت القبائل تهاجم جيرانها من أجل إسترقاق العبيد أو كما يقول
((كانت الحرب بادىء الامر عاملا علي نشأة الرق ثم أصبح الرق عاملا علي شن الحروب )).
(( بات الرق جزءا من النظام الذى إستعد به الانسان للقيام بالصناعة .. هذا فضلا عن أنه عمل علي تقدم المدنية بطريق غير مباشر بأن زاد من الثروة مخلقا الفراغ لفئة قليلة من الناس
و لما مضت قرون علي هذا النظام جعل الناس ينظرون إليه كأنه نظام فطرى لا غني عنه بهذا قال أرسطو و كذلك بارك القديس بولس هذا النظام الذى ربما بدى لعينية في عصرة نظاما قضي به الله ))
بحيث إستمر حتي منتصف القرن التاسع عشر حين إعتبر إسترقاق إنسان لاخر وصمة يحب الخلاص منها فمنعته شعوب عديدة فيما عدا بعض من شعوب المنطقة التي لم تتخلي عن أفكار و تقاليد السلف فظلت تزاوله في الخفاء حتي تفضلت داعش و من سار علي دربها بإعادته للوجود في القرن الحادى و العشرين .
(( هكذا أخذت الزراعة و نظام الرق و تقسيم العمل وما يقتضيه من إختلاف بين الناس يستبدل (شيئافشيئا) المساواة التي كانت قائمة في الجماعة الطبيعية بالانقسام و التفاوت بين الناس و ظهور الطبقات .
ففي الجماعة البدائية لا ترى (علي وجه العموم ) فارقا بين حر و عبد و لا تجد فيها رقا و لا طبقات ثم لا تدرك من الفوارق بين الرئيس وتابعية إلا قدرا ضئيلا ..
و بالتدريج إزدادت الالات و الصناعات تعقيدا فعمل ذلك علي إخضاع الضعيف العاجز إلي مشيئة القوى الماهر و كلما ظهر إختراع جديد أصبح سلاحا مستجدا في ايدى الاقوياء فزاد من سلطانهم علي الضعفاء و إستغلالهم لهم .. ثم عمل نظام التوريث علي إتساع الهوة بأن أضاف إلي الامتياز في الفرص السانحة إمتيازا في الامتلاك فقسمت المجتمعات التي كانت في يوم ما متجانسة إلي عدد لا يحصي من الطبقات... و احس الاغنياء و الفقراء بغناهم و فقرهم إحساسا يؤدى إلي التشاحن و أخذت حرب الطبقات تسرى خلال عصور التاريخ كأنها خيط أحمر مما أدى هذا التناحر إلي قيام الدولة )).
في إستعراض لماح أخرجنا المؤلف من البدائية إلي التحضر علي أكتاف العبيد و العمال ..و جعل الصراع قوة دافعة للتغيير و أشار بأن الدولة بمؤسساتها التي سيناقشها في الايام التالية .. هي التي حفظت و حافظت علي إستمرار حضارة البشر وعدم إفناؤهم . بعضهم لبعض . إلي باكر.
القهر بالحكومة ،الدولة و القانون
كلما تقدمت في قراءة المجلد الاول الذى خصصة ديورانت لتتبع مسار إنتقال الانسان من هذا الحيوان الهمجي إلي ما أصبح علية في زماننا..إندهشت أننا لا زلنا نحمل بداخلنا ( دون أن ندرى ) بصمات البداية و إن إلتحفت ببردة المعاصرة .
(( وهكذا ترى الفارق بين الانسان البدائي و الانسان الحديث ضيقا صغيرا في بعض جوانب الحياة و أن تاريخ المدنية لقصير )),
الاحساس المعادى الذى أشعر به منذ شبابي و حتي اليوم ..تجاه الدولة و مؤسساتها و رجالها ..يبدو أنه ليس جديدا
(( فالرجل من الناس وحشي في صميمه يتصدى للعالم كله تصدي العدو لاعدائه بكل ما يتطلب ذلك من بطولة ، فلو قد جرت الامور علي ما يشتهي الانسان المتوسط لكان الارجح الا تقوم للدولة قائمة بل إنك لتراه في يومنا هذا يمقت الدولة مقتا و لا يفرق بين الموت و جباية الضرائب ويتحرق شوقا لحكومة لا تحكم في أموره إلا أقلها ))
(( فالصائدون البدائيون لا يميلون إلي قبول التقنين إلا حين ينضمون إلي جماعة الصيد او الحرب )).
(( قبيلة البوشمن و أهل إستراليا الفطريين لا يقبلون التنظيم السياسي إلا مؤقتا حتي إذا ما فرغت مهمته إنتشروا من جديد في أسرات كل قائم بذاته )).
(( الفيديون من سكان سيلان إنقسموا جماعات علي أساس الروابط القبلية و لم يكن لهم حكومة ))
(( كانت القبيلة أول صورة للنظام الاجتماعي الدائم .. فإذا ما إتحدت القبائل تحت رئيس واحد تكونت العشيرة ..أى أن العشيرة هي الخطوة السابقة لتكوين الدولة )).
(( لكنها الحروب هي التي تخلق الرئيس و تخلق الملك و تخلق الدولة .. كما أن هؤلاء جميعا هم الذين يعودون فيخلقون الحرب .)).
إذا تطورت العلاقة بين البشر لتأخذ شكل الجماعة فالاسرة فالقبيلة فالعشيرة فالدولة التي مهمتها في النهاية خوض الحروب .
فإذا ما تابعنا تكوين الدولة علي مر الزمن سنجد أن ((العنف هو الاداة التي خلقت الدولة ))
(( يغزو جنس من الناس جنسا أخر و يقول أوبنهيمر إنك لترى اينما وجهت البصر قبيلة مقاتلة تعتدى علي حدود قبيلة أقل منها إستعدادا للقتال ثم تستقر في أرضها مكونة جماعة من الاشراف فيها ومؤسسة لها دولة )) ..
(( إن الدولة نتيجة الغزو هي قيام الظافرين طبقة حاكمة علي المهزومين ))..
(( إن الدولة نتيجة القوة و هي تظل قائمة بسند من القوة و هذا الاخضاع العنيف إنما يقع عادة علي جماعة زراعية مستقرة من قبيلة من الصائدين و الرعاة )).
(( كأنها ضرب أخر من مطاردة الصيد لا تكاد تزيد عن المطاردة في خطرها فإذا ما نضب معين الغابات أو قلت القطعان فإن رجال الصيد و الرعي ينظرون بحسد إلي حقول القرية و سرعان ما ينتحلون تبريرا للهجوم )).
هل تختلف الدولة في بلادنا عن تلك النماذج البدائية غيرأن المغيرين بالقوة ضباط من أبناء المكان ينقلبون علي سابقيهم .
(( فإذا ما نشب القتال كانوا يختارون أشجع مقاتليهم فيولونه القيادة و يطيعونه طاعة عمياء حتي إذا ما فرغوا من قتالهم نزعوه و أرجعوه إلي عمله السابق بمعني هذه العبارة الحرفي ))
(( في فترات السلم كان اكثر سلطة و نفوذ الكاهن او رئيس السحرة ))و أندهش لماذا إحتفظنا حتي الان بالثانية ولم نتمسك بفضيلة الاولي في بلادنا !!
عندما تجمعت و ظائف الاب و المقاتل و الكاهن في يد واحدة أصبح هناك جماعات (( تحكمها الكلمة في السلم و السيف في الحرب ))..
الحروب لدى البدائيين لم تنقطع (( فالصائدون كانوا يقاتلون من أجل المصائد العامرة .. و الرعاة في سبيل مراعي جديدة و الزارعون ليستولوا علي التربة العذراء و كل هؤلاء و أولئك كانوا يتقاتلون حينا بعد حين ليثأروا او ليجددوا الحياة الرتيبة أو يظفرون بغنيمة يسلبونها أو أسيرة يخطفونها و قليلا ما حارب هؤلاء و أولءك من أجل الدين )).
المدهش ما رصده ديورانت(( فعينوا ساعات بعينها أو أياما أو أسابيع أو أشهر لا يجوز للهمجي الكريم النفس أن يقتل أحدا خلالها )) بمعني أشهر حرم
(( كذلك حددوا بعض القواعد التي لا يجوز عصيانها و بعض الطرق لا ينبغي أن يعتدى عليها و بعض الاسواق و المستشفيات لا ينشب فيها قتال )) اى همجي متمدن !!
المدهش أيضا (( و لم يكن للنتائج المترتبة علي الحروب نهاية تقف عندها فقد كانت عاملا لا يرحم في إقتلاع شعوب ضعيفة و القضاء عليها فرفعت مستوى الانسان من حيث الشجاعة و العنف و القسوة و الذكاء و المهارة و حفزت الانسان علي الاختراع و أدت إلي صنع الات أصبحت فيما بعد أدوات نافعة )).
ينهي ديورانت هذا الفصل بمقولة (( الدولة أمها الملكية و أبوها القتال )) .
(( عشت مع جماعات الهمج في أمريكا الجنوبية و في الشرق فلم أجد بينهم قانونا و لا محاكم سوى الراى العام الذى يعبر عنه اهل القرية تعبيرا حرا )). (( ولكن هذه الصورة يجب أن تعدل فالجماعات الفطرية تتمتع بحرية نسبية من قيود القانون لانها محكومة بعادات هي في صرامتها و في إستحالة الخروج عنها تصبح مأى قانون ثم أن جرائم العنف كانت تعتبر مسائل خاصة يقضي فيها بالثأر الشخصي الذى تسفح فية الدماء ))
عندما أفكر أن مصر كانت فيها العدالة ربه و القانون مكتوب فإستبدلنا هذا الرقي بالتقاليد و الاعراف البدائية والمجالس العرفية مكان المحاكم العادلة و تفشي بيننا الثأر بدلا من المطالبة بالحقوق و كلما إصطدمنا بأحكام كبير العائلة وأخلاق القرية ..أرى كيف تدهورنا . إن النفور الذى أشعر به تجاة سلوكيات و طقوس البداية يقودني دائما لنقطة اللا إلتقاء مع من تحوصلوا و تقوقعوا في مرحلة البداوة بعيدا عن معطيات العصر
التقاليد ، العادات ، الاعراف الاجتماعية عند البدائي أعلي من القانون (( فإذا أضيف الي هذا تأمين من السماء عن طريق الدين و أصبحت تقاليد آبائنا هي كذلك ما تريده الالهة من سلوك .. عندئذ تصبح التقاليد أقوى من القانون ويبعد الانسان عن حريته البدائية بعدا جوهريا )).
هذا الفصل الممتع بقصصه و أمثلته و مقولاته لا أريد أن أثقل به عليكم و إن كانت خاتمة (ديورانت) له بمقولة كالشعر تستحق أن تقتبس .
(( إن الحقوق لا تأتينا من الطبيعة لان الطبيعة لا تعرف منها إلا الدهاء و القوة إنما الحقوق مزايا منحتها الجماعة للافراد علي إعتبار إنها تؤدى إلي الخير العام ولذا ...فالحرية ترف إقتضاه إطمئنان الحياة ...و الفرد الحر ثمرة أنتجتها المدنية و علامة تميزها .))
الرجل و المرأة و تعدد الزوجات
(( جاء الزواج الفردى نتيجة لرغبة الرجل في أن يسترق لنفسة رقيقا بثمن رخيص ، و نتيجة لرغبته عدم توريث ملكة لابناء غيرة من الرجال. ظهر من صور الزواج صورة تبيح للعشير أن يتعدد عشراؤة.. فإتخذت صورة تعدد الازواج للزوجة الواحدة كما هي الحال في قبيلة (تودا ) و بعض قبائل التبت و إنما تظهر هذه العادة حيثما زاد عدد الرجال علي عدد الاناث زيادة كبيرة .. لكنها عادة سرعان ما تنتفي علي يد الرجل القوى الغلاب ولم نعد نفهم من نظام تعدد العشراء للعشير الواحد إلا إحدى صورتيه ألا وهي تعدد الزوجات للزوج الواحد و لقد ظن رجال الدين في العصور الوسطي أن تعدد الزوجات نظام إبتكره محمد إبتكارا لم يسبق إليه لكنه في الواقع نظام سابق للاسلام بأعوام طوال لانه النظام الذى ساد العالم البدائي و هناك من الاسباب عدة عملت كلها علي تعميم هذا النظام و نشره أولها أن حياة الرجال في المجتمع الاول كانت أشد عنفا و أكثر تعرضا للخطر بسبب إضطلاعهم بالصيد و القتال و لذا زاد الموت في الرجال عليه في النساء و إطرادالزيادة في عدد النساء يضع أمام المرأة إختيارا بين حالتين فإما تعدد الفزوجات للرجل الواحد و إما عزوبية عقيمة ليس عنها محيص لبعض النساء .
لكن مثل هذه العزوبة للمراة لا تنظر لها بعين الرضي شعوب تريد نسبة عالية من الولادة تقابل بها نسبة عالية في الوفاة )).
نحن هكذا أمام فكر لمجتمع ما .. لا يكف عن فقد رجاله في الصيد او الحرب .. و نساء عوانس غير منتجه في مجتمع يشجع علي زيادة المواليد ليعود الفقد .. وهي أمور لا علاقة لها بالشعوب المستقرة التي لا تتعرض للخطر .. و وهكذا عندما يطبق التاني سلوكيات الاول .. فإنه يصل لكارثة زيادة السكان مع ثبات الامكانيات .
(( لذا نرى أمثال تلك الشعوب تزدرى المرأة العانس و المراة العقيم .. )) (( الرجال أيضا يميلون إلي التنوع فالامر كما عبر عنه زنوج أنجولا أنهم :" إذا لم يكن في وسعهم أن يأكلوا دائما طعاما واحدا كذلك يحب الرجال أن تكون عشيراتهم في سن الشباب و النساء يكهلن بسرعة في المجتمعات البدائية ))
هل هذة الجملة تحتاج إلي توضيح أن هذا كان حال بدو الجزيرة مع مطلع الدعوة المحمدية .
((بل أن النساء أنفسهن كن أحيانا يحبذن تعدد الزوجات حتي يباعدن بين فترات الولادة دون أن ينقصن عند الرجل شهوته و حبه للنسل .. و أحيانا ترى الزوجة الاولي وقد أبهظها عبء العمل تشجع زوجها علي الزواج من إمرأة ثانية حتي تقاسمها مشقة العمل ..و تنسل للاسرة أطفالا يزيدون من إنتاجها و ثروتها فالابناء عند هؤلاء الناس كسب إقتصادى و الرجل بمثابة من ينتفع بالزوجة إنتفاعه براس المال يستولدها الابناء الذين يقابلون الربح في راس المال ففي الاسرة الابوية لا تكون الزوجة و أبناؤها إلا بمنزلة العبيد لراس الاسرة الرجل و كلما إزداد الرجل زوجات و أولادا إزداد مالا و قد كان الفقير يتزوج من زوجة واحدة لكنه كان ينظر إلي ذلك نظرته إلي وصمة العار )).
كأنني أستمع لوالدى و هو يقول (أنت و ما تملك لابيك )
((ولا شك أن تعدد الزوجات لاءم حاجة المجتمع البدائيفي ذلك الصدد أتم ملاءمة ...لان النساء فيه يزدن علي الرجال و لقد كان لتعدد الزوجات فضل في تحسين النسل أعظم من فضل الزواج من واحدة الذى نأخذ به اليوم لانه بينما ترى أقدر الرجال و أحكمهم في العصر الحديث هم الذين يتأخر بهم الزواج عن غيرهم و هم الذين لا ينسلون إلا أقل عدد من الابناء ترى العكس في ظل تعدد الزوجات الذى يتيح لاقدر الرجال أن يظفروا (علي الارجح ) بخير النساء و أن ينسلوا أكثر الابناء و لهذا إستطاع تعدد الزوجات أن يطول بقاؤة بين الشعوب الفطرية كلها تقريبا )).
(( في البلاد الزراعية المستقرة التي حدت من عنف الحياة التي يحياها الرجال وقللت من أخطارها فتقارب الجنسان عددا وفي هذه الحالة أصبح تعدد الزوجات المكشوف ميزة يتمتع بها الاقلية الغنية وحدها أما السواد الناس فلا يجاوزون الزوجة الواحدة ثم يخففون وطأة ذلك علي نفوسهم بالزنا بينما ترى أقلية أخرى أثرت العزوبية راضية أو كارهه فعادلت بهذا الامتناع ما يستولي علية الاغنياء من زوجات كثيرات .))
و اخد بال حضرتك من حكاية الزنا التي يطلقها ببساطة ..
(( كلما إقتربت أعداد الجنسين من التعادل زادت الغيرة في الرجل علي زوجته و الحرص من الزوجة علي زوجها لأنه لما كان العدد قريبا من التساوى تعذر علي اقوياء الرجال أن يعددوا زوجاتهم لانهم في مثل هذه الحالة لا يجدون كثرة من الزوجات إلا إذا إغتصبوا زوجات الاخرين او من سيكن زوجات للاخرين و إلا أساءوا الي زوجاتهم ... بمعني إنه في مثل هذه الحالة يتعذر تعدد الزوجات بحيث لا يستطيعه إلا أوسع الرجال حيلة ..و للحفاظ علي توريث الثروة للابناء فلا يصيب الواحد منهم إلا قدر ضئيل أثر هؤلاء أن يفرقوا بين الزوجات فزوجة رئيسيه و محظيات حتي لا يقسم الارث إلا علي أبناء الزوجة و ليث الزواج علي هذه الحالة في أسيا حتي عصرنا الذى عاصرناه بجيلنا )).
(( المسيحية حين دخلت عاملا جديدا فجعلت نظام الزوجة الواحدة في اوروبا بدل تعدد الزوجات هو النظام الذى يرتضيه القانون و هو الصورة التي تظهر فيها العلاقة الجنسية لكن نظام الزوجة الواحدة شأنه شأن الكتابة و نظام الدولة نظام صناعي نشأ و المدنية في وسطي مراحلها و ليس هو بالنظام الطبيعي الذى يتصل بالمدنية في أصةل نشأتها )).
يختم ديورانت هذا الفصل الشيق والذى كنت أود أن أستعيره بكامله بالعبارة التالية .
(( الزواج عنده شركة تدر ربحا لا ضرب من ضروب الدعارة الخاصة و نه طريقة تجعل الرجل و المراةإذا ما تعاونا في العمل أنجح في الحياة منهما مستقلا عن زميله ..فحيثما وجدت في تاريخ المدنية مرحلة لا تكون فيها المراة كسبا إقتصاديا في زواجها للرجل فإعلم أن الزواج قد إنهار بناؤه و أحيانا تنهار المدنية بإنهياره )).
كم تبلغ قشرة الحضارة من الرقة و الوهن
(( التقاليد و القوانين التي هي قوام المجتمع المتعددة الجوانب إنما هي من صنع مئات الاجيال و بلايين العقول و لا يجوز لعقل واحد أن يتوقع لنفسه فهمها في مدى الحياة القصيرة (دع عنك مدى عشرين سنة ) فيحق لنا إذن أن نختم بقولنا .. الاخلاق نسبية لكنها ضرورة لا غني عنها )) .
فلنتتبع نسبية الاخلاق التي يتكلم عنها المؤلف
((و أما العفة فهي الاخرى مرحلةجاءت متأخرةفي سير التقدم فالذى كانت تخشاه العذراء البدائية لم يكن فقدان بكارتها بل أن يشيع عنها أنها عقيم فالمراة إذا ما حملت قبل زواجها كان ذلك في معظم الحالات معينا علي الزواج أكثر منه عائقا لان ذلك الحمل يقضي علي كل شك في عقمها و يبشر بأطفال يكسبون لوالدهم المال ، بل إن الجماعات البدائية التي قامت قبل الملكية كانت تنظر إلي بكارة الفتاة نظرة إزدراء لان معناها عدم إقبال الرجال عليها . حتي كان العريس في قبيلة كامشادال إذا ما وجد عروسه بكرا ثار ثورته و طفق يسب أمها سبا صريحا لهذه الطريقة المهملة التي قدمت بها إبنتها إليه )).
(( في حالات كثيرة كانت البكارة حائلا دون الزواج لانها تلقي علي الزوج عبئا ثقيلا علي النفس وهو أن يخالف امر التحريم الذى يقضي عليه بألا يريق دم أحد من أغضاء قبيلته فكان يحدث أحيانا أن تسلم البنات أنفسهن لغريب عن القبيلة ليزيل عنهن هذا العائق الذى يحول بينهن و بين الزواج .. ففي التبت تبحث الامهات في جد عن رجال يفضون بكارة بناتهن وفي ملبار ترى الفتايات أنفسهن يرجون المارة في الطريقأن يؤدوا لهن هذه المكرمة )).
(( و عند بعض القبائل تضطر العروس أن تسلم نفسها لاضياف العرس قبل دخولها لزوجها )).
(( وعند البعض يستأجر العريس رجلا ليفض له بكارة عروسه وقبائل أخرى في الفلبين يقوم موظف خاص يتقاضي راتبا ضخما تكون مهمته أن يؤدى هذا العمل نيابة عن من إعتزموا الزواج من الرجال )).
(( فما الذى غير النظر إلي البكارة بحيث جعلها فضيلة بعد أن كانت حطيئة ؟ بحيث أصبحت عنصرا من عناصر التشريعات الخلقية في كل المدنيات العالية ؟
لاشك إنها الملكية حين قام بين الناس نظامها .. هي التي أدت إلي هذا التحول فالعفة الجنسية بالنسبة للبنات قبل الزواج جاءت إمتدادا للشعور بالتملك الذى أحسه الرجل إذا زوجته بعد أن أصبحت الاسرة أبويه يراسها الزوج و إزدادت قيمة البكارة لان العروس في ظل نظام الزواج بالشراء كانت تشترى بثمن أغلي إن كانت بكرا من ثمن أختها التي ضعفت إرادتها.
إن البكر يبشر ماضيها بالامانة الزوجية التي أصبحت عندئذ قيمة كبرى في أعين الرجال الذين كان يؤرقهم الهم خشية أن يورثوا أملاكهم إلي أبناء سفاح .))
(( و أما الرجال فلم يدر في خواطرهم قط أن يقيدوا أنفسهم بمثل هذا القيد و لا تجد جماعة في التاريخ كله قد أصرت علي عفة الذكر قبل الزواج بل لن تجد في أى لغة و اللغات كامة معناها الرجل البكر )) .
((إن كل الجماعات البشرية تقريبا تكاد تتفق لإي عقيدة كل منها بأن سائر الجماعات أحط منها ، فالهنود الامريكيون يعدون أنفسهم شعب اللة المختار خلقة (الروح الاعظم ) خاصة ليكون مثالا يرتفع إليه البشر .
و قبيلة من القبائل الهندية تطلق علي نفسها ( الناس الذين لا ناس سواهم ) و أخرى تطلق علي نفسها ( الناس بين الناس ) و قال الكاربيون ( نحن وحدنا الناس ) و كان الاسكيمو يعتقدون أن الاوربييين إنما إرتحلوا إلي جريلندة لينقلوا عنهم طرائق العيش الصحيحة و الفضائل .
و نتيجة ذلك أن الانسان البدائي لم يكن يدور في خلده أن يعامل القبائل الاخرى ملتزما نفس القيود الخلقية التي يلتزمها في معاملته لبني قبيلته )).
كما لو كان ديورانت يتحدث عن جيراننا في إسرائيل- فلسطين أو أصدقائنا في الجزيرة العربية
((إنك في معاملتك لحشد من النساء علي أقل تقدير أو معاملتك لاى مجموعة من الناس إجتمعت كما إتفق لا تستطيع بالفلسفة أن تؤثر فيهم ، إنك لا تستطيع أن تؤثر فيهم بالعقل أو تقنعهم إقناعا بضرورة الوقار و الورع و الايمان كلا ، بل لا بد لهم من الخوف الديني أيضا و لا يمكن إثارة هذا الخوف إلا بالاساطير و الاعاجيب ، فالصواعق و الدروع و الصولجانات و المشاعل ورماح الالهه كل هذه الاساطير و كذلك منها اللاهوت القديم من أوله إلي أخره ..لذلك مؤسسي الدول حرصوا علي هذه الاشياء بإعتبارها عفاريت يفزعون بها السذج من الناس و لما كانت هذه طبيعة المثيولوجيا، ثم لم إحتلت مكانتها في تاريخ الوقائع الملموسة فقد تمسك القدماء بنظمهم في تربية أطفالهم و طبقوها حتي سن النضوج وآمنوا بأنهم بواسطة الشعر أن يهذبوا أية فترة من فترات الحياة عند الناشيء أما اليوم و بعد أن مر زمن طويل أصبح التارسخ و أصبحت الفلسفة في مقدمة ما يربي به النشء مع أن الفلسفة لا تصلح إلا القليل بينما الشعر أصلح منها للشعب )).
(( إن تاريخ المدنية ليعلمنا في كل خطوة من خطوات سيره كم تبلغ قشرة الحضارة من الرقة و الوهن و كيف تقوم المدنية علي شفا جرف فوق بركان لا يخمد سعيره من وحشية، بدائية و خرافة و جهل مكبوت )).
أديان البداية و بدء التدين
((كانا نسمع عن (مولوخ) الذى كان الفينيقيون و القرطاجيون و غيرهما من الشعوب السامية حينا بعد حين يقدمون له القرابين من أطفال بني الانسان وربما كان منشأ هذه العادة ان أكل البدائيين للحوم البشر فظنوا أن الالهه تستمرىء من الطعام ما يستمرئون ولما كانت العقيدة الدينية أبطأ تغيرا من سائر العقائد ثم لما كانت الشعائر الدينية أبطأ تغيرا من العقائد نفسها فقد إمتنع الانسان عن أكله للحم الانسان وبقي التقليد قائما بالنسبة للالهة
ومع ذلك فقد تغيرت حتي هذه الشعائر الدينية بفضل تطور الاخلاق بحيث طفق الالهة يقلدون عبادهم في الزيادة من اصطناع الرقة و إستسلموا للوضع الجديد فقبلوا لحم الحيوان بدل لحم الانسان فضحي بغزال بدل التضجية بافجينيا( الاسطورة اليونانية ) كما ضحي بكبش بدلا من التضحية بإبن إبراهيم و مضي الزمان في تقدمة فحرمت الالهه حتي هذا الحيوان لان الكهنة آثروا أنفسهم بالطعام و يأكلون الاضاحي ثم يهبون الالهة علي مذبح القربان أمعاء الضحية و عظامها )).
(( لما تعددت طقوس الدين و تعقدت لم يعد الرجل العادى بقادر علي إستيعابها أو الالمام بها جميعا ومن هنا نشأت طبقة خاصة أنفقت معظم وقتها في مهام الدين و محافله و أصبح الكاهن بإعتباره ساحرا بما له من قدرة علي الذهول الروحي و تلقي الوحي و توجية الدعاء المستجاب أقرب صلة بإرادة الارواح أو الالهه بحيث يستطيع تحويل تلك الارادة إلي ما ينفع الانسان .
ولما كان هذا الضرب من العلم و المهارة هو في راى البدائيين أهم ضروب العلم و المهارة جميعا ثم لماتصوروا أن القوى الخارقة للطبيعة لها أثرهافي حياة الانسان فقد أصبحت قوة رجال الدين مساوية لقوة الدولة و جعل الكاهن منذ أقدم العصور إلي أحدثها ينافس الجندى المقاتل في سيادة الناس و الامساك بزمامهم حتي لقد راح الفريقان بتناوبان ذلك )).
((إن الكاهن لم يخلق الدين خلقا لكن إستخدمه لاغراضة فقط كما يستخدم السياسي ما للانسان من دوافع فطرية و عادات .
فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو الاعيب كهنوتية إنما نشأت من فطرة الانسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع و خوف وقلق وأمل وشعور بالعزلة.. نعم إن الكاهن قد أضر الناس بإبقائة علي الخرافة وبإحتكاره لضروب معينةمن المعرفة لكنه مع ذلك عمل علي حصر الخرافة في نطاق ضيق و كثيرا ما كان يحمل الناس غلي إهمال شأنها )).
(( الدين دعامة الاخلاق بوسيلتين أساسيتين هما الاساطير و المحرمات فالاساطير هي التي تخلق العقيدة فيما وراء الطبيعة ثم يكون من شأن هذه العقيدة أن تضمن بقاء أنواع من السلوك يريد المجتمع (او الكاهن ) بقاءها فما يرجوه الفرد من السماء من ثواب و ما يخشاه لديها من عقاب يضطره إضطرارا أن يذعن للقيود التي يفرضها عليه سادته أو جماعته فالانسان ليس بطبعة مطيعا رقيقا طاهرا و لا شيء مثل(الضمير القائم علي ) الخوف من الالهه يخضع الانسان لهذه الفضائل .. وهكذا فأنظمة الملكية و الزواج تتوقف إلي حد ما علي العقوبات الدينية.. اما المحرمات التي أطلق أهل بولنيزيا عليه كلمة (تابو)) فقد كان عددها كبيرا جدا فكلمات معينة و أسماء معينة ما كان لها قط أن تنطق و أيام معينة وفصول معينة كانت من المحرمات بمعني أن القتل لم يكن يؤذن به فيها))
((و كانت المراة أهم ما إتجه إليه التحريم عند البدائيين فالاف الخرافات نشأت عن المرأة لتجعلها آنا بعدآن محرمة اللمس خطرة (نجسة ) إن منشئي الاساطير في أنحاء العالم لم يكونوا أزواجا موفقين لانهم متفقون جميعا علي أن المرأة اساس الشر كله فلم يقتصر هذا علي الديانات الابراهيمية بل جاوزها إلي مئات من الاساطير الوثنية ,أدق التحريمات البدائية كان خاصا بالمراة إبان حيضها فكل من لمسها أو كل ما لمسها في هذه الفترة فقد فضيلته إن كان إنسان و ضاعت فائدته إن كان غير ذلك .
الماكوزى من أهل غينيا البريطانية علي نسائهم أن لا يستحممن إبان حيضهن خشية أن يسممن الماء كما حرموا عليهن الذهاب للغابة حتي لا تعضهن الثعابين غراما بهن .. ليس فقط في أيام الحيض بل كذلك أثناء الحمل و الرضاعة .. بحيث راحت تشعر بالعار في حيضها و في حملها فنشأ الحياء و نشأ الشعور بالخطيئة و النظر إلي العلاقة الجنسية علي أساس أنه نجاسة و كذلك نشأ التقشف و عزوبة الرهبان و نشأ إخضاع النساء )).
((ليس الدين أساس الاخلاق لكنه عونا لها .. فقد يمكن تصور الاخلاق بغير دين و ليس بالامر النادر أن تتطور الاخلاق في طريقها الي التقدم بينما يبق الدين لا يأبه لها بل يقاومها مقاومة عنيدة و الدين بصفة عامة لا يرعي الخير المطلق (إذ ليس هناك خير مطلق ) بل يرعي معايير السلوك التي وطدت نفيها بحكم الظروف الاقتصادية و الاجتماعية ، و هو كالقانون يلتفت إلي الماضي ليستمد منه أحكامه و هو قمين أن يتخلف عن الطريق كلما تغيرت الظروف و تغيرت معها الاخلاق .. العوامل الارضية هي التي تسود آخر الامر و الاخلاق تتوائم بين نفسها و بين المستحدثات الاقتصادية شيئا فشيئا ثم يتحرك الدين كارها فيوفق بين نفسه و بين الاخلاق الجديدة إن الوظيفة الخلقية للدين هي أن يحافظ علي القيم القائمة أكثر مما يخلق قيما جديدة )).
((من هنا كان من علامات المراحل العليا في كل مدنية أن يحدث التجاذب بين الدين و المجتمع .
يبدأ الدين بمدد من السحر يقدمة للناس في حيرتهم وإرتباكهم ثم يصعد إلي قمة مجده بمدد من وحدة الاخلاق و العقيدة يقدمها للناس فتجيء هذه الوحدة معينة أكبر العون للسياسة و الفن ثم تنتهي بقتال فيه فناء المنتحر دفاعا عن قضية الماضي الخاسرة ذلك لانه كلما تقدمت المعرفة تغيرا متصلا إصطدمت بالاساطير واللاهوت اللذين يتغيران تغيرا بطيئا لا يحتمل و عندئذ يشعر الناس برقابة رجال الدين علي الفنون والاداب كأنها أغلال ثقيلة و حائل ذميم و يتخذ التاريخ الفكرى في مثل هذه المرحلة صبغة النزاع بين العلم و الدين )).
شكرا مستر ول- ديورانت لو كانت موسوعتك لم يكتب بها(1935) إلا الجزء الاخير لكانت كافية لتجعل متخلفي زماننا والبلهاء و المنومين يفهمون .
علي أعتاب العصر الحجرى القديم
وهكذا تحرك بنا ديورانت خلال مائة الف سنة عابرا الفيافي و الغابات و الجبال و السهول متتبعا مسير الانسان البدائي حتي وقف بنا علي أعتاب العصر الحجرى حيث البشر يتجمعون في قبائل و قرى .. لديهم لغة يتحدثون بها .. و يحاربون و يتاجرون و يغنون و يرقصون و لديهم أواني فخار مزينة بالرسوم و ثماثيل صغيرة و منازل أو عشش يحيطها سور يعيش داخلها النساء و الاطفال و الدواجن و صغار الحيوانات و مزروع حولها ..
و قف بنا هناك حيث الساحر مسيطر و بدايات الاديان تخرج كهنة .. و القبيلة أو القرية تنتظم في القتال عند أى بادرة هجوم عليها .. و الدولة قد قاربت علي الانبثاق حول أودية الانهار ..
في ذلك الوقت كان الانسان ينقل تجربته للابناء عن طريق التربية و القص ..و التقليد و كان الطفل يصبح مسؤلا عن نفسة في سن العاشرة و قد يتزوج ويصبح له كوخة الخاص
(( أعظم هذه المزايا التي لالفاظ اللغة بعد توسيعها للفكر هي التربية فالمدنية ثروة زاخرة تجمعت علي الايام من الفنون و الحكمة والوان السلوك و الاخلاق ومن هذه الثروة يستمد الفرد في تطوره غذاء لحياته العقلية ولولا أن هذا التراث البشرى لم يهبط من جيل بعد جيل لماتت المدنية موتا مفاجئا فهي تدين بوجودها إلي التربية )).
(( لم تكن التربية البدائية تنتفع بالكتابة إلا قليلا أو لم تكن تنتفع بها إطلاقا فلم يدهش الانسان الفطرى لشيء دهشته لاستطاعة الاوربيين أن يتصل أحدهم بالاخر وبينهما مسافة بعيدة (بواسطة خطوط سوداء تخط علي قطعة ورق )..أما القبائل الساذجة التي تعيش معظم حياتها عيشا منعزلا بالنسبة لسواها و تنعم بالسعادة التي تنجم عن جهل الانسان بتاريخه الماضي فلا تحس بالحاجة إلي الكتابة إلا قليلا ولقد قويت ذاكرتهم بسبب إنعدام المخطوطكات التي تساعدهم علي حفظ ما يريدون الاحتفاظ به فتراهم يحفظون و يعون ثم ينقلون ما حفظوه و ما وعوه إلي أبنائهم بتسميعهم إياه و إنما هم يحفظون ويعون و يسمعون كل ما يرونه هاما في الاحتفاظ بحوادث تاريخهم و في نقل تراثهم الثقافي ... ولاشك أن إختراع الكتابه قد صادف معارضة طويلة من رجال الدين علي إعتبار أنها علي الارجح ستؤدى إلي هدم الاخلاق و تهور الانسان .
تروى أسطورة مصريةأنه لما كشف الاله تحوت للملكتحاموس عن فن الكتابة أبي الملك الطيب أن يتلقي هذا الفن لانه يهدم امدنية هدما وقال في ذلك إن الاطفال و الشبان الذين كانوا حتي الان يرغمةن علي بذل جهدهم كله في حفظ ما يتعلمونه و وعية لن يبذلوا مثل هذا الجهد إذا ما دخلت الكتابة ولن يروا أنفسهم في حاجة إلي تدريب ذاكرتهم )).
ما هو أول إنطباع يتبادر إلي ذهنك بعد التعرف علي رأى ديورانت في موضوع الحفظ و الذاكرة القوية التي كانت للاقوام البدائية .. نعم إنه نفس ما تبادر لذهني !!
في راى المؤلف أن النساء قد قمن بدور أساسي في التربية و نقل المعارف من جيل لاخر فهن من إكتشفن الاعشاب و المزروعات التي تعالج الامراض التي كانت في تصورهم كائمات غير منظورة لابد من إخافتها و مضايقتها لتخرج من جسد المريض بالسحر و الطقوس المختلفة التي منها الضرب و الاصوات العالية و الماسكات المخيفة .. وهن اللائي إبتكرن أساليب الزراعة و تدجين الحيوانات بالتجربة و الخطأ و قد يكن البادءات بالحديث و الكلام أى أنهن مع بعض التجاوز كن عالمات ذلك الزمن أما الرجال فقد إهتموا بالفلك و حركة النجوم و الكواكب ثم بالتنجيم
(( فالتنجيم ربما دام وجوده علي الرغم من ظهور علم الفلك ذلك لان النفوس الساذجة أكثر إهتماما بالكشف عما يخبئها له الغيب منها بمعرفة الزمن فنشأت الاف الخرافات عن تأثير النجوم في خلق الانسان ونصيبه المقدر و لا زال كثير منها مزدهرا حتي اليوم )).
(( بهذه الوسائل خلق لنا البدائيون السابقون لعصر الحضارة صور الحضارة و اسسها ، فإذا ما نظرنا إلي الوراء نستعرضهذا الوصف الموجز للثقافة البدائية وجدنا هناك كل عنصر من عناصر المدنية إلا عنصرين الكتابة و الدولة فكل الاوضاع الاقتصادية وضعت لنا أصولها في هذه المرحلة الصيد ، السماكة ،الرعي ، الزراعة ، النقل و البناء ، الصناعة و التجارة و شئون المال .. كذلك كل الانظمة السياسية البسيطة نبتت جذورها في هذه المرحلة العشيرة ، الاسرة ،القرية ، الجماعة ، القبيلة .. كذلك نرى الحرية و النظام هذان المحوران المتضادان اللذان تدور حولهما المدنية كلها قد تلائما و توافقا لاول مرة في هذه المرحلة ..فبدأ حينئذ القانون و بدأت العدالة و قامت أسس الاخلاق . و تدريب الاطفال و تنظيم الجنسين و تلقين الشرف و الحشمة و قواعد السلوك و الولاء كذلك وضعت أسس الدين و إستخدمت آماله و مخاوفه في تأييد الاخلاق و تدعيم المجتمع و تطور الكلام إلي لغات معقدة و ظهرت الجراحة و ظهر الطب و بدت بوادر متواضعة للعلم و الادب و الفن و فوق كل هذا كانت هذه المرحلة صورة لعهد تم فيه إبداع عجيب فنظام يخلق من فوضي و طريق بعد طريق يشق من حياة الحيوان لينتهي إلي الانسان الحكيم فبغير هؤلاء (الهمج ) وما أنفقوه من مائةالف عام في تجريب و تحسس لما كتب للمدنية النهوض .
نحن مدينون لهم بكل شيء تقريبا كما يرث اليافع المحظوظ أو إن شئت فقل كذلك إنه اليافع المتحلل كما يرث هذا اليافع سبيله إلي الثقافة و الامن و الدعة من أسلاف أميين ورثوه ما ورثه بكدحهم الطويل )).
النياندرتال والكرو- مانيون يتصارعان علي أرض أوروبا
نحن مدينون لهؤلاء العلماء و الفلاسفة و الباحثون و المنقبون بالعرفان أن أزالوا الغمام عن أعينا و جعلوا الانسان المعاصر قادر علي أن يمد بصره بثقة إلي الخلف فينظر ما كانت علية أرضنا منذ 125000 سنة عندما كانت تمر بين عصرين جليدين ( المرحلة الثالثة و الرابعه ) و كانت مناطقها المعتدلة (حاليا ) تغطيها ثلوج كثيفة .
في هذا العصر كان كوكب الارض كوكبا مأهولا بالعديد من الحيوانات و منها أجداد لنا كانوا يدورون في الاصقاع و الغابات متنقلين بحثا عن أسباب الحياة و مقاتلين بعضهم بعضا بأسلحة بدائية مصنوعة من الحجر و العاج و العظم.و محتمين ليلا في كهوف بعيدة عن الكواسر بضوء النار الموقدة للتدفئة و لابعاد الحيوانات الدخيلة .
حوالي سنة 40000 ق.م كان هذا الكائن قد أتقن صناعة أسلحته و تكلم و أصبح له تاريخ و تقاليد و قوانين و فنون .. لقد أصبح بشرا فيما أصطلح علي تسميته (إنسان نياندرتال ) نسبة إلي مدينة المانية قرب دوسلدورف وجد بها بقاياة عام 1857 .
(( يقول العلماء أن عصرا بأسره ساد أوروبا فيه إنسان النياندرتال حول 40000 سنة و كان هؤلاء قصارا و لكن لهم جماجم سعة الواحدة 1600 سم مكعب أى أنها أكبر من جمجمة الرجل في هذا العصر بمائتي سم مكعب ))
في زمن تال حوالي 20000 سنة ق.م (( حل جنس جديد إسمه ( كرو - مانيون ) محل السكان الاقدمين في أوروبا كما تدلنا الاثار التي كشف عنها عام 1868 في مغارة بهذا الاسم )).
((الاقوام الجديدة جاءت من أسيا الصغرى مارة بإفريقيا حتي بلغت أوروبا شاقة طريقها فوق جسور من اليابس يقال أنها كانت عندئذ تربط إفريقيا بإيطاليا و أسبانيا )).
(( وكانوا قوم ذوى قوة عظيمة و قوام فارع يتراوح بين خمسة أقدام و عشرة بوصات (175 ) سم إلي ستة أقدام و أربعة بوصات (190 ) سم ولهم جماجم سعة 1715 سم مكعب )).
النياندرتال و الكرو- مانيون كانوا يعرفون بإسم (سكان الكهوف) ويبدو أنهم قد لبثوا قرونا في قتال عنيف للسيطرة علي الارض و كانت النتيجة ((زال إنسان نياندرتال و عمر اوروبا الكرو - مانيون الذى أصبح السلف الاساسي الذى عنه جاءت اوروبا الغربية الحديثة و هو الذى وضع أساس المدنية إلي أن إنتهت لايامنا )).
(( و لقد كشف بمبليسنة 1907 لإي (أناو ) جنوبي التركستان عن خزف و آثار أخرى تدل علي ثقافة قديمة أرجعها إلي 9000 سنة ق.م ، وربم أسرف في تقديره هذا فزاد أربعة الاف .. و ها هنا نجد زراعة القمح و الشعير و الذرة و إستخدام الناس و إستئناس الحيوان و زخرفة الفخار بزخارف بينها من التشابه في قواعد الرسم ما يدل علي أنهم كانوا قد جمعوا تقاليد و بطانة من الفنون لعدة قرون سلفت
و الظاهر أن ثقافة تركستان سنة 5000 ق.م كانت قد قطعت أشواطا و ربما كان بينهم إذ ذاك مؤرخون يضربون في أعماق ماضيهم عيثا للبحث عن أصول المدنية و فلاسفة يندبون بعبارات فصيحة ما أصاب الجنس البشرى إذ ذاك من تدهور كان يؤدى به إلي الموت .
ولو إهتدينا بالخيال حيث يعز علينا العلم الصحيح لقلنا إنه من هذا المركز هاجر الناس يلوذون فرارا مما أصاب أرضهم من جفاف في المطر و جفاف في تربة الارض فساروا في إتجاهات ثلاثة يحملون معهم ما لهم من فن ومدنية فبلغت فنونهم (إن لم يبلغوا بفصيلتهم ) أرض الصين و منشوريا و امريكا الشمالية من جهة الشرق ، وبلغت شمال الهند في سيرها إلي الجنوب ،ثم أدركت في طريقها نحو الغرب بلاد هلام (فارس) و سومر (مابين النهرين ) و مصر .. ومنها لايطاليا و اسبانيا ))
هل نتكلم هكذا عن الكرو- مانيون
(( أخذ المخترعون في العصر الحجرى شيئا فشيئا يوسعون و يحسنون آلتهم و أسلحتهم فها هنا نرى بين مخلفاتهم بكرات و روافع و مرفهات و مغارز و ملاقط وفؤوسا و معازيق و سلالم و أزاميل و مغازل و مناسج و مناجل و مناشير و أشصاص السمك و قباقيب إنزلاق علي الثلج و إبر و مشابك صدر و دبابيس ثم فوق هذا كله نرى العجلة وهي مخترع أخر من مخترعات الانسان الرئيسية وضرورة متواضعة من ضرورات الصناعة و المدنية فهي في هذه المرحلة من العصر الحجرى كانت قد تطورت إلي قرص و أنواع أخرى من العجلات ذوات الاقطار كذلك إستعملوا جميع صنوف الحجر حتي العصي منها كالحجر الزجاجي الاسود فطحنوه و ثقبوه و صقلوه ))
(( ليس في وسعنا أن نقدر ما أداه الانسان فيما قبل التاريخ تقديرا تاما لاننا من جهة لا ينبغي أن ننساق وراء الخيال في تصوير حياتهم بحيث يجاوز ما تبرره الشواهد ، لكننا نشك من جهة أخرى أن الدهر قد محا آثارا لو بقيت لضيقت مسافة الخلف بين الانسان الاول و الانسان الحديث .
ومع ذلك فما قد بقي لنا من أدلة علي خطوات التقدم التي خطاها إنسان العصور الحجرية يكفي وحده لتقديره : فحسبنا ما تم في العصر الحجرى القديم من صناعة الالات و إكتشاف النار و تقدم الفنون .. وحسبنا ما ظهر في العصر الحجرى الحديث من زراعة و تربية حيوان و نسج و خزف و بناء و نقل و طب و سيادة الانسان علي الارض سيادة لم يعد منازعا فيها و التوسع في عمرانها بأبناء الجنس البشرى .
و هكذا وضعت للمدنية أساسها .. كل شيء قد تم إعداده للمدنيات التاريخية إلا المعدن و الكتاب و الدولة ، فهيأ للانسان سبيلا لتسجيل أفكاره و أعماله بحيث يمكن نقلها آمنة من جيل إلي جيل . )).
قصة نشأة الحضارة تنتهي بثلاث أشياء قبل أن تسلم الراية للتاريخ المدون
1- بإكتشاف النحاس(3500 ق.م ) و إستخدامه ثم البرونز(2800 ق.م ) ثم الحديد المأخوذ من النيازك و الشهب و الحديد المستخرج من المناجم (2100 ق.م )
2 - إبتكار الكتابة و التي بدات كوسيلة يقتضيها تبادل السلع و التفاهم بين تجار الاقاليم المختلفة بمعني (( أن الادب إشتق أصوله من فواتير الحساب و شحنات المراكب )) .. و ((ما جاءت 3600 ق.م حتي كانت علام(فارس ) و سومر و مصر قد طورت مجموعة من الصور التي يعبرون بها عن أفكارهم )).
3 - وباسئلة غامضة عن حضارات مجهولة قد تكون قد سبقتنا وتركت أثارها في جزر المحيط الهادى تماثيل ضخمة في جزيرة (إيستر) أو حكايات عن قارة محاطة بالماء ثم ضاعت بين يوم و ليلة حين إرتجت الارض فإبتلع اليم قارة (أطلنطس) ...
و هكذا جاءت نهاية الرحلة مع المجلد الاول من قصة الحضارة (لول -ديورانت) عن نشأة هذه الحضارة و أصبحنا علي أعتاب التاريخ المكتوب علي ألواح الطين و الجدران و ورق البردى لنحكي قصة الشرق الادني و جواهرة اللامعة سومر ومصر وبابل و أشور ثم دور اليهود و فارس.. حتي الاسكندر الاكبر ... صعود و قوة وعطاء و فكر و فلسفة و أديان و إنتصارات و إخفاقات و إنحسار الضوء ...فإنحطاط .. و نسيان.. حتي يكتشف عالم مدقق معني الكتابة المسمارية أو الديموطيقية .. فيعلم الاحفاد .. كم كان يعيش علي الارض التي يتحركون عليها قوم كانوا من بناة الحضارة و التمدن .