الحضارة وإشكالية التقديس المزيف

ميثم الجنابي
2017 / 8 / 8

عندما نتأمل تاريخ الحضارة، اي ظهورها ونموها وسقوطها، فإننا نلاحظ ارتباط ذلك بمرحلتين أساسيتين وتأسيسيتين في التطور التاريخي ألا وهما المرحلة الثقافية الدينية والمرحلة الدينية السياسية. وعندما نتأمل مسار التاريخ الثقافي للأمم أو صيرورة الحضارات الكبرى، فإننا نقف أمام حقيقة جلية تقول، بان الحضارة تلازم مرحلة الانتقال إلى الطور الثقافي الديني والطور الديني السياسي. ففي هاتين المرحلتين تتبلور إمكانية نشوء الحضارة، بوصفها احد نماذج تحقق الثقافة الكبرى في منظومات لها مرجعياتها الواضحة والدقيقة والثابتة. الأمر الذي يجعلها واضحة وجلية في كافة مظاهرها. اذ لا يحتاج المرء إلى جهد كبير للتمييز بين الحضارة الصينية والإغريقية والهندية والإسلامية وما إلى ذلك. بمعنى أن وضوحها جلي على مستوى الحس والعقل والحدس.
وتهيمن في الأولى (الثقافية الدينية) وحدة العقل والغريزة، بينما في الثانية (الدينية السياسية) العقل والإيمان. من هنا تباين المصادر والاختلاف في القيم، لكنهما يشتركان في الموقف من المقدّس، بوصفه نموذجا متساميا وملهما للنظر والعمل.
ويتطابق نموذج المقدس في الأولى مع الملهم الأول الذي عادة ما يتخذ صورة أو هيئة البطل الأسطوري بقواه المافوق طبيعية، بينما يتخذ في الثانية هيئة الإله الواحد بقواه المافوق طبيعية. وفِي الأولى تتخذ سندها في الأسطورة، وفِي الثانية سندها في "الوحي الإلهي". من هنا، فان لفكرة المقدس مقدماتها الوجودية والمعرفية، التي تتوافق وتستجيب لمرجعيات الثقافة المميزة لهاتين المرحلتين. بينما نراها تضمحل وتتلاشى في مجرى استتباب المرحلة السياسية الاقتصادية ومرجعياتها الثقافية. وقد صورت الفلسفة الوضعية هذه الحالة بدقة عندما اعتبرت بان المطلق الوحيد الآن هو غياب المطلق. ويكمن سبب هذه الرؤية في منظومة القيم الجديدة التي تجعل من العلم والتجربة العلمية المعيار الوحيد للحقيقة، وما عداها مجرد أحكام ميتافيزيقية لا علاقة لها بالعلم، ومن ثم فهي أما لا علمية أو أسطورية. وتعاملت مع فكرة المقدس بهذه المعايير. مع أن القضية أوسع مما وضعته الوضعية بهذا الصدد، وذلك لان ديناميكية المرحلة السياسية الاقتصادية تلغي وتنفي بصورة دائمة فكرة الثابت والأبدي وما شابه ذلك. بينما تشكل هذه العناصر أساس فكرة المقدس سواء فيما يتعلق بالموقف من الحقيقة والمبادئ أو بالموقف من اصل الوجود نفسه وغاياته.
ذلك يعني أن تعايش المقدس والمزيف في ثقافات الأمم الحضارية، أو في تاريخ الحضارات الكبرى هو جزء ملازم لوجودها التاريخي بوصفها مرحلة من مراحل التطور الطبيعي، اي الملازم لبقاء وهيمنة وقوة الطبيعة في الفعل البشري، أو ما أطلقت عليه عبارة وحدة العقل والغريزة. فعندما ننظر إلى تاريخ الثقافة الإسلامية وصيرورتها الحضارية، فإننا نرى تعايش المقدس والمزيف في كل مفاصل وجودها. وهذا بدوره جزء ملازم لصيرورة الدولة بشكل عام والإمبراطورية بشكل خاص. اذ أن سعة أراضيها وقواها الفاعلة تودي بالضرورة إلى سعة مشاكلها ومشاغلها ومن ثم أساليب صراعها الفكري والسياسي. ومن الممكن رؤية ذلك على نماذج الصراع وأساليبه فيما يطلق عليه ببداية الإسلام الأول، اي ذاك الذي اختزن في الذاكرة التاريخية أبعادا ونماذج جرى تحويلها إلى كائنات متسامية. بينما تكشف أحداث التاريخ الفعلية عن أنها ليست كذلك، بل وبالضد منها. وتكفي الإشارة هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى بدايات الحرب الأهلية التي رافقت وتلت مقتل عثمان بن عفان. فقد قتل المسلمون أنفسهم عثمان بن عفان، الأمر الذي يشير إلى انه لا قداسة في شخصه ولا رشد فيه أيضا. بعبارة أخرى، إن من انتفض ضد سياساته المتعارضة مع مبادئ الإسلام عن الحق والعدالة هم ممثلو الفكرة الإسلامية الأولى ورصيدها الحقيقي.
بينما نرى أوجه وأساليب المغامرة والمؤامرة التي تلت ذلك، والتي شارك بها صحابة كبار كطلحة والزبير وقادتها عائشة بنت أبي بكر. لقد طالبوا بدم عثمان وهم أكثر من كان يؤلب عليه. وفِي سلوكهم نعثر على نفسية وذهنية المغامرة والخيانة. بينما يمكننا العثور في سلوك عائشة على أبعاد شخصية وعائلية. فهي الحالة الوحيدة والاستثنائية في تاريخ الإسلام التي تنتقل بها امرأة من الحجاز إلى العراق لقيادة القتال ضد احد أعظم وأنبل الشخصيات الإسلامية على امتداد تاريخه، وضد خليفة انتخبه المجتمع للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ الإسلام. الأمر الذي يشير إلى التربية الداخلية والعائلية التي كانت تكن العداء لعلي بن أبي طالب بشكل خاص! بينما استكمل معاوية والأموية هذه النفسية والذهنية. فقد كشف القائد العسكري الإسلامي الكبير عمرو بن العاص عورته لتجنب القتال والقتل، ورفعوا القرآن على الرماح كوسيلة للخديعة. وتحتوي كتب التاريخ (مثل كتاب الطبري وكتاب الإمامة والسياسة وكثير غيرها) المدونة لأحداث تلك المرحلة على آلاف الشواهد الرذيلة في الحياة والسلوك والسياسة العملية لخلفاء وصحابة وتابعين. كل ذلك يشير إلى طبيعة الشخصيات وأسباب سلوكهم المحكومة بمصالح ضيقة وأخلاق رديئة.
إن هذه الظواهر والمفارقات عادة ما تلازم اكتمال الحضارة، بمعنى "تهذيبها وتشذيبها" شبه التام للمتناقضات، أي العثور في إبداعها وقيمها وسلوكها العملي على نماذج "أصيلة" للخير والشر، للصدق والكذب، للأمانة والخيانة وما إلى ذاك. وذلك لان صيرورة الحضارة تتسم بقدر هائل من الصراع المتعدد الأوجه والأشكال والمستويات. من هنا تهذيب وتشذيب القدرات والأساليب المستعملة في المواجهة والصراع بين الخصوم والأعداء. كما أن بداية الحضارة ونهايتها يحتويان بالضرورة على كافة هذه المتناقضات وذلك لان المسار التاريخي للحضارة هو مسار طبيعي، اي انه يلازم الحالة الطبيعية لوجود البشر، مع ما فيها من عقل وغرائز. ومن وحدتهما يتولد كل شيء، الفضيلة والرذيلة، المحبة والكراهية، باختصار كل القيم التي تلازم تفتح وتطور الأبعاد الطبيعية في الإنسان.
وحالما نضع هذه الفكرة ضمن سياق القضية التي أتناولها، فإنها تشير أولا وقبل كل شيء إلى إشكالية الانفصام الهائل بين وقائع التاريخ الفعلي والعقائد الدينية التي ترتبت عليها لاحقا. وهي عقائد متنوعة، منها ما كان مبنيا على أساس الاجتهاد الفكري كما هو الحال في بعض تقاليد علم الكلام، ومنها ما كان مأجورا للسلطة، ومنها ما كان مبنيا على مصالح عابرة، ومنها ما كان مبنيا على نفسية المذاهب، ومنها ما كان تجسيدا فجًّا للغش والخداع وانعدام القيم الأخلاقية الرفيعة.
وقد جرت كل هذه "الاجتهادات" في مجرى الصيرورة المعقدة لثقافة الخلافة، وفِي ظل بلورة الأصول الإسلامية الأولى - القرآن والسنّة. وفِي هذا كانت تكمن أولوية الأساس الديني للأصول، الذي جرى استكماله لاحقا بإدخال أصول العقل والإجماع، اي إدخال الفكرة السياسية. ومن ثم تكامل المسار التاريخي للمرحلة الدينية السياسية. فالعقل هو تفسير وتأويل، والإجماع كان على الدوام جزئيا أو محصورا بما لا يخالف الخضوع لأولياء الأمر(السلطة) فيما يتعلق بالقضايا الكبرى للدولة والمجتمع. وبالتالي فإنهما كلاهما، اي العقل والإجماع، يكملان ويتكاملان في البنية الثقافية التي أبدعها الإسلام آنذاك.
فقد أفرزت هذه البنية القرآن لحاله بوصفه صورة الوحي المقدس، وحاولت على مثاله إدخال السّنة والحديث. ولم تتورع من حشوهما بالدس والغش والكذب، بوصفه جزء من الصيرورة التاريخية للدولة والثقافة. ذلك يعني، انه جرى إدخال احد الأصول (السنّة) المليئة بالغش والكذب في منظومة المرجعيات الفكرية والروحية. أما المحاولات المستميتة للثقافة العلمية والورعة من اجل تذليل هذه الظاهرة، فإنها لم تفلح بسبب طابعه الأصولي. أما السؤال عن انه كيف يكذب على النبي محمد من يجعل من نفسه ممثلا لسنته في العلم والعمل؟ ولماذا يظهر هذا الغش المقدس؟ فالجواب عليه لا يتسم بالتعقيد. لقد كان المطلوب تقديس الفكرة من اجل المصالح والأهواء. وقد بدء ذلك زمن عثمان وتكامل زمن الخلافة الأموية. فقد كان عثمان نموذجا للاستحواذ على المال والجاه والسلطة. أما الأموية فقد دفعت بهذا الأسلوب حتى نهاياته التامة! اذ جرى الاستحواذ على ثروات الأمة، والتخلي عن الشريعة وأحكامها، وإشاعة الجبرية في العقيدة الدينية والسياسية، ومن ثم محاربة فكرة الحرية والإرادة الحرة، وفكرة العدالة والمساواة. كما أنها أول من وضع فكرة العقائد الدينية السياسية كما نعثر عليها في الدفاع عن الجبرية اللاهوتية والسياسية، وتطويع الدين لخدمة السلطة، بحيث نرى معاوية بن أبي سفيان يدخل في صلاة المسلمين سبة الإمام علي وشتيمته من على المنابر!
كل ذلك وكثير غيره يكشف عن أن الأحداث التاريخية الملازمة لصيرورة الدولة والإمبراطورية والحضارات الكبرى لا تخلو من كل تناقضات الوجود. وبالتالي لا قدسية في اي منها. بعبارة أخرى، أنها مجرد أحداث لكل منه أثره ومآثره الخاصة.
أما محاولة جعل الماضي كيانا مقدسا، ومن شخصياته وقيمه وبعض أفكاره ونظرياته مبادئ مقدسة وعقائد لا يخامرها الشك، فهو مجرد تعبير عن مصالح خاصة أو أهواء أو جهل مرّكب. فتحويل العقائد إلى أشياء مقدسة هو نموذج للتركيب الثقافي والسياسي للمصالح والأهواء والجهل. والمقصود بالجهل هنا ما أطلقت عليه الثقافة الإسلامية، وبالأخص عند المتصوفة مصطلح الحجاب. بحيث نراهم يتكلمون عن حجاب المعرفة والعقل والله، اي أن تحجبه المعرفة عن حقيقة المعرفة، والعقل عن حقيقة العقل، وان يحجبه الله بالله الذي هو على قدر تفصيله إياه.
بينما كل أحداث الماضي وإبداعه في مختلف المجالات هي تجارب تاريخية لا قداسة فيها. ومع أنها ظاهرة جلية كما يقال لذوي العقول النقدية والأفئدة الحية، إلا أنها ظلت وما تزال خارج التحليل العلمي والثقافي. وقد يكون هادي العلوي الوحيد أو من بين القلة القليلة التي وجهت جهودها الفكرية ووظفتها بهذا الاتجاه، بمعنى تحرير العقل من ثقل القداسة عبر إرجاعها إلى أصولها بوصفها أحداث وشخصيات واقعية، إضافة إلى كشف الأبعاد الأخرى أو الأوجه الأخرى لمختلف مظاهر الخديعة والقتل والتعذيب وسائر صنوف الرذيلة التي رافقت صيرورة الدولة الإسلامية الأولى. بعبارة أخرى، انه سعى إلى نزع القداسة والنظر إلى الماضي كما هو بوصفه تجارب، ونزع القداسة عن شخصياته. بل ونراه يطبق ذلك على نقده للواقع المعاصر بنفس الروح والنفس الذي حلل وانتقد به تجارب الماضي. ووجد ذلك انعكاسه في نقده للأحزاب الشيعية التي عايشها في الشام، بل نراه يتعدى ذلك إلى نقد أهل العراق ككل. اذ كان يتألم مما اعتقده حقيقة وهي شكوكه بان يقيم أهل العراق الحق لأهله! وهو العراقي الأصيل! وتقدم أحداث العراق الحالية أمثلة تؤيد هذا الانطباع العقلي الوجداني المميز لرجال الحقيقة المخلصين. اذ يكفي النظر، على سبيل المثال لبطولة وتضحيات الحشد الشعبي وعراك أزلام السلطة حول فتات المزابل، لكي يؤيد هذه الفكرة والاستنتاج. وهـي حالة فيما يبدو ليست غريبة، اذ نعثر عليها في تقاليد التوبة والثأر منذ زمن المختار الثقفي وحتى الآن. إلا أنها مع ذلك تبقى فكرة وجدانية خالصة ومخلصة، لكنها لا تفسر إشكاليات هذه القضية المعقدة. وقد تناولتها في كتبي (هادي العلوي- المثقف المتمرد) و(المختار - فلسفة التوبة والثأر). وعموما أن القضاء عليها يفترض القضاء على أصولها وجذورها عبر تنقية العقل الفردي والاجتماعي والثقافي من كل أدران العقائد المقدسة المزيفة.
وذلك لان التاريخ ليس عقائد. على العكس أن العقائد جزء من تاريخ الثقافة والوعي. أما المطابقة بينهما والتي عادة ما تميز الوعي الديني السلفي والمأجور، فإنها تجعل من التجارب التاريخية عقائد وترفعها إلى مصاف المقدس. من هنا رفض الرؤية النقدية وتجريمها. وهنا أيضا يكمن سر انعدام الحرية وهيمنة التقليد المزيف والمدعوم بعنف السلطة بوصفه أسلوب إدامة القهر والسيطرة المطلقة. وقد بدء ذلك في التاريخ الاسلامي مع المرحلة الأموية، رغم أن جذور الأموية تكمن فيما يسمى بمرحلة خلافة الراشدين، وبالأخص منذ خلافة عثمان بن عفان.
الأمر الذي يضع مهمة إعادة النظر بكافة المفاهيم مثل خلافة الراشدين، والصحابة، والتابعين، والعشرة المبشرين بالجنة، التي تفوح منها رائحة صكوك الغفران! فقد كان شعار صعاليك الوهابية الأولى "هبت هبوب الجنة وينك يا باغيها"! وكذلك مفهوم الأفضلية بين الخلفاء حسب التسلسل الزمني لتوليهم الخلافة وما ترتب عليه من فكرة الفاضل والمفضول، بمعنى اختيار الأقل فضلا مع وجود من هو أفضل منه عند الضرورة، وكذلك فكرة إمام ظلوم ولا فتنة تدوم، مع أن الفتنة هي من حيث الأساس نتاج الإمام الظالم ولا تظهر لحالها من لا شيء. اذ تكشف التجربة المعاصرة للفتنة والحروب الأهلية في العراق وليبيا واليمن ومصر وتونس وسوريا عن أنها نتاج الأنظمة الظالمة اي غير الرشيدة التي راكمت كميات هائلة من الخراب الداخلي والقيح المعنوي في كل مسام الوجود الاجتماعي. وحالما تفجرت برزت كل قبائحها. وكذلك الترحم على الخونة والمستبدين والظالمين لاعتبارات مزيفة أو بصورة أدق لارتباط ذلك بالسلطة، الذي حوّل هذا النوع من المواقف مع مرور الزمن إلى "عقائد". فقد ظل سب الإمام علي بن أبي طالب في الصلاة في المناطق النائية من مركز الخلافة، لفترة طويلة جدا بعد القضاء على الخلافة الأموية. وينطبق على الترحم والرضا "الإلهي" عن مجرمين بمعايير الفكرة الأخلاقية والسياسية، مثل عبارة "معاوية رضي الله عنه" وأمثالها. ومن غير المعروف لماذا ينبغي لله أن يرضى عنه؟ فبالعرف الاسلامي كان معاوية مغتصبا للسلطة وفاقدا للأخلاق الإسلامية ومحرفا لمبادئ الإسلام الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية. انه قطع طريق التطور الطبيعي للدولة والسلطة والنظام الاجتماعي الرشيد واستبدله بسلطة القوة والقهر والابتزاز والرشوة، وقضى على فكرة الحق والحقوق والعدالة، كما قضى على فكرة العقد الاجتماعي الاسلامي، وحوّل النظام السياسي إلى وراثة، وادخل الدولة والأمة في صراعات دموية دائمة، ودمر القوى الحية للمجتمع، ووضع أسس الاستعباد السياسي، وقضى على فكرة الحرية والإرادة الاجتماعية للإصلاح والتغيير كما في مخاطبته أهل العراق "لقد جرأكم ابن أبي طالب على السلطان! فسرعان ما ستفطمون عنه"!
لقد كان معاوية والأموية نتاجا معقدا للصيرورة الإسلامية التي شارك في خطئها وخطيئتها الأولى النبي محمد ولاحقا عمر بن الخطاب واستكملها عثمان بن عفان. فقد أعطى النبي محمد لآل سفيان شرعية أخلاقية في إعلانه عن أمان كل من دخل بيت أبي سفيان. لقد كان هذا فعلا سياسيا مؤقتا لكنه أدى إلى نتيجة تاريخية مدمرة للإسلام نفسه ومسار تطوره اللاحق. اذ كان ينبغي إلغاء وإزالة الشخصية الأموية التي كانت من حيث أصولها وسلوكها أشد المعادين للإسلام وأكثرهم تربصا به. بينما كان سلوك عمر في انتخاب الشورى فعلا سياسيا يهدف إلى إبعاد علي بن أبي طالب عن السلطة وليس لتأمين أو تأسيس فكرة الشورى. وذلك لان هذه الشورى فئوية وليست منتخبة ولا تمثل المجتمع. تماما كما أن صعود عمر إلى السلطة كان تعيينا وردّ الجميل على ما قام به تجاه أبي بكر. وبالتالي كانت تحتوي على مغامرة ومؤامرة ليس صعود الأموية اللاحق سوى احد نتائجها. أما سلوك عثمان السياسي فقد كان في كلّه يمثل انحرافا شاملا عن مبادئ الإسلام الأول واستعادة للقبلية، التي شكلت السلطة الأموية اللاحقة بشخصية معاوية نموذجها التام.
وقد امتلأت الحضارة الإسلامية من حيث بقاياها في الذاكرة ومؤلفات القدماء التي يجري إعادة إنتاجها والقبول بها، بأثر هيمنة الذهنية اللاهوتية والتقليد والعقائد، بمفاهيم وأفكار ومصطلحات وعبارات وكلمات مخربة للوعي العقلي والعقلاني والإنساني. من هنا مهمة نقدها العام والخاص عبر قراءة نقدية علمية وعقلانية لكل ما فيها، ولكل من فيها من اجل تنقية العقل والذهنية العربية المعاصرة ونقلها صوب الطور السياسي الاقتصادي في الوعي الفردي والاجتماعي والقومي.
***