(دون كيخوته) هل كتبها ثربانتس أم العربي الأندلسي سيدي حامد بن الجيلي؟

شكيب كاظم
2017 / 8 / 8

(دون كيخوته)
هل كتبها ثربانتس أم العربي الأندلسي سيدي حامد بن الجيلي؟
شكيب كاظم
ثمة كثير من الظواهر والشخوص والأحداث، كانت موضع اخذ ورد وصولا إلى الحقيقة بسبب الغموض الذي اكتنفها والتأويلات التي صاحبتها، من ذلك شخصية المسرحي والشاعر الانكليزي وليم شكسبير هل هو شخصية حقيقية ام متوهمة؟ نسبت إليها هذه الأعمال وتلك الكتابات هل هو انكليزي أو عربي عراقي من الزبير حسب رأي الباحث الدكتور صفاء خلوصي طيب الله ثراه؟ وما زال الناس في حيص بيص في أمره على رغم مرور القرون العديدة علوفاته؟ والأمر يثار – كذلك – إزاء ليوناردو دافنشي مبدع لوحة العشاء الأخير للسيد المسيح، وما فيها من رموز وكنايات وتوريات، أفاض فيها وأطنب الروائي دان براون، في ملحمته الروائية (شفرة دافنشي) التي أثارت الكنيسة الكاثوليكية ضده وخاصة سر الكأس الأخيرة التي شرب منها السيد المسيح في عشائه ذاك، وحواريوه، كأس (الجرال) المقدس وما نسج بشأنه من أساطير هو الذي احتفظ به يوسف الراعي بقطرات من دم السيد المسيح، وكانت شفيعة له وحافظة أيام سجنه اليهود، فكانت تخفف عنه أذى العذاب حتى انه لم يشعر بالسنوات الأربعين التي مرت عليه في السجن اليهودي ثم انتقال الكأس إلى بريطانية، وشغف ملوكها بالمحافظة عليه، مما أفاض فيه دان براون في روايته مستندا إلى وثائق التاريخ، وكذلك مبدع لوحة الجيكوندا او الموناليزا، أتراها شخصية حقيقية أم متوهمة؟ والأمر انسحب على مبدعها دافنشي، واللغظ الذي أثير بشأنه، وتدخل في خصوصياته وحتى حياته الجنسية والأمر ينسحب على ميغيل دي ثربانتس سابدرا (Miguel de cervantes saavedra) المولود عام 1574 والمتوفى سنة 1616 مبدع الرواية البكر، في حقل الكتابة الروائية عالميا، أي أنها من أوائل ما كتب في هذا اللون الكتابي على مستوى العالم (دون كيخوته) باختلاف الترجمات إذ هناك من يترجمها إلى (دون كيشوت) التي عُدَّتْ رابعة أربع من أعاظم إبداعات القرائح وهي: الإلياذة لهوميروس والكوميديا الإلهية لدانتي، وفاوست جيته ترى أهي لمبدعها ثربانتس أم شاركه فيها سيدي حامد بن الجيلي العربي الأندلسي؟ إذا نجد إشارات كثيرة إلى ما كتبه هذا الجيلي، او الايلي حسب ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي لهذا السفر الإبداعي الثر، وبدوي مولع بالمخالفة، وله رأيه الخاص في النقل والترجمة.
إذ من المعروف للباحثين إن المؤلفات القديمة قد تنوزعت من العديد من المؤلفين خاصة من يعثرون على بعض هذه المخطوطات فيضيفون إليها شيئا من عندياتهم، وينسبوها – أحياناً – لأنفسهم خاصة إذا كان المؤلف غير معروف على مستوى الكتابة ولم يشتهر فضلا على عزوف بعض المؤلفين عن نسبة مؤلفاتهم إليهم، أما زهدا وعزوفا عن طلب الشهرة، أو خوفا من المجتمع أو خشية من العادات والتقاليد وطقوس الدين، وهذه الظاهرة ما زالت متوارثة حتى أيامنا هذه، فكثيرا ما سطا شعراء على إبداعات الشاعر المدهش عبد الأمير الحصيري، عندما يثمل ويتعتعه السكر، مادين أيديهم نحو جيبه المملوء بالشعر والقصائد والخالي من الفلوس فينشرونها ممهورة بأسمائهم أو كان هو يبيعها في ساعة انتشاء وساعة خلو جيب!!!
كما إن هناك مؤلفات جاءت ألينا تطوي الزمان غير منسوبة لمؤلف معين ومنها كتاب (ألف ليلة وليلة) إذ تجد فيه أجواء بغدادية وبصرية وأخرى مصرية فضلا على أجواء شامية مما يؤكد رحيل هذا الكتاب في صورته الأولى نحو تلك الأصقاع ووقوعه بيد من أضاف إليه وزاد.
في رواية (دون كيخوته) لثربانتس التي نقلها للعربية القامة الثقافية الفارعة الدكتور عبد الرحمن بدوي عن الاسبانية مباشرة، المنقولة إليها عن اللغة القشتالية التي كتبت بها اصلا، هو الذي كان يحذق لغات عدة: الانكليزية، الفرنسية، الألمانية، الايطالية، وتقع في ألف ومئة وخمس وثلاثين صفحة، ترد إشارات إلى سيدي حامد بن الجيلي، بوصفه احد كتاب (دون كيخوته) وما عزز شكي وتسآلي عن حقيقة كاتبها ما قرأته في كتاب مهم وممتع من كتب الأديب الأرجنتيني البرتو مانغويل الموسوم بـ(يوميات القراءة. تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة) الصادر عن دار المدى سنة 2008 وقام بنقله إلى العربية المترجم العراقي المغترب عباس المفرجي، إذ ترد في الكتاب الذي عنوانه يفصح عن محتوياته وهي قراءات المؤلف ومطالعاته خلال سنة ترد إشارات إلى سيدي حامد بن الجيلي مما يزيد قناعتي بصدق شكوكي عن حقيقة مؤلف دون كيخوته وهل شاركه الجيلي في كتابتها وانه ليس المؤلف الوحيد لهذا السفر الإبداعي الرائع؟
فمن المعروف للباحثين، المنقطعين في محراب الدرس انه شاعت في اسبانيا إبان القرن السادس عشر وما سبقه وتلاه ظاهرة أدب الفروسية، أو الأدب الرعوي على حد وصف عبد الرحمن بدوي، أي الأدب الذي تجري أحداثه في المراعي والحقول والأرياف، لكن هذا الأدب حورب من لدن الكنيسة الكاثوليكية لحجج شتى وكانت وصمة تعاطي السحر، تهمة تورد صاحبها موارد العطب والهلاك، وكان كل من يراد قتله والتخلص منه لأسباب شتى يوصم بهذه الوصمة، السحر، والهرطقة وفي كتاب (التجديف على الإسلام والآيات الشيطانية) للباحث البريطاني ريتشارد وبستر، تفصيل في هذه الأساليب الكنسية في مواجهة الخصوم، أو ما يحسبونهم خصوما، لذا فأنهم يتوجهون إلى بيت دون كيخوت لتفتيش مكتبته وحرق ما فيها من كتب الفروسية، بعد أن أوغرت ابنة أخيه صدر القسيس والحلاق قائلة لهما: اعلم يا اسطى نقولا (وكان هذا اسم الحلاق) انه وقع مرارا ان يقضي في قراءة هذه الكتب المنحوسة الرهيبة يومين متتاليين بلياليهما (الصحيح: بليلتيهما) وعند نهايتهما يقذف بالكتاب فجأة ويمسك بسيفه ويبدأ في منازلة الجدران (...) لكن الغلطة كلها غلطتني انا التي لم تخبرك بغرائب عمي وسيدي لتعالجها قبل ان يستفحل الداء كما استفحل ولتحرق هذه الكتب الملعونة، وكم منها يستحق ان يحرق كما احرق أصحاب البدع.
فقال القسيس:
- وهذا رأيي أيضاً ولن يمضي غد من دون أن نلقي بها طعمة للنار ونحكم عليها بالإعدام إحراقاً حتى لا تثير في نفوس من يقرأها ما أثارته في نفس صديقنا المسكين. ص51 – ص52
ويقوم القسيس والحلاق بتفتيش مكتبة صاحبنا النبيل العبقري دون كيخوته لتُجرْى أقسى عملية لإحراق الكتب، وحتى لو حاول الكاهن الاطلاع على محتويات الكتاب قبل الأمر بحرقه، إذ من يدري لعل فيها ما لا يستحق عذاب النار!! فأن ابنة أخيه كانت توغر صدورهم لمواصلة عملية الحرق لهذا تناولت سبعة أو ثمانية من المجلدات كتلة واحدة، وألقت بها من النافذة. وعملية حرق الكتب هذه تذكرني بما سبق أن قام به يوسف بن يعقوب تاشفين 580هـ - 595هـ بإحراق كتب أصحاب المذاهب الأربعة وأمر بالعودة إلى الأصول، القران والسنة، وترك الفروع وما جاء به الأئمة الأربعة، وعدم التقليد لأي منهم مما يؤكد قِدَمَ النزاع بين المشارقة والمغاربة الذي يذكي أوراها في زمننا الحاضر، الدكتور محمد عابد الجابري في نقده لفكر المشارقة وعد فكرهم فكر النقل، إزاء فكر المغاربة، فكر العقل، وتستمر عملية التفتيش حتى يعثر على كتاب (غلاطية) تأليف ميغل دي ثربانتس، وهنا يجب ان نقف عند هذا النص : (فقال القسيس: منذ عدة سنوات وثربانتس هذا من أصدقائي وانا اعلم انه اعرف بالمصائب منه بالشعر. وكتابه لا يخلو من حسن الاختراع لكنه يقترح ولا يستنتج شيئا. أننتظر الجزء الثاني الذي وعدنا به فلعله لو أصلح من شأن نفسه لظفر بالشفقة التي يحرمونه منها اليوم. والى أن يتم هذا، يا سيدي الصديق، احتفظ به قابعا في بيتك) ص64، ويشرح الدكتور عبد الرحمن بدوي ذلك بهامشه الثالث ليقول: نشر ثرفانتس القسم الأول من غلاطية في القلعة سنة 1585، ومات قبل أن يخرج القسم الثاني ص64، لكن وأنا ارجع إلى كتاب (يوميات القراءة. تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة) لألبرتو مانغويل، أجد رأيا جديرا بالمناقشة والوقوف عنده (عندما كان القس والحلاق ينقبان في مجموعة دون كيخوته من اجل تطهيرها من الكتب (الشريرة) وقعا بالمصادفة على (لاغاليتا) بقلم المدعو ميغيل دي سرفانتس. (كان هذا الشخص سرفانتس صديقا حميما لي عدة سنوات) قال القس: (وأنا اعرف انه حاذق في المصائب أكثر من الأغاني، لكنه لم ينه شيئا) فيما يخص لاغلايتا تعني لم ينه شيئا، ان سرفانتس لم يكتب أبداً الجزء الثاني، والأمر نفسه يقال عن دون كيخوته، لكن السبب أقوى: (دون كيخوته لم ينه شيئا..)ص158، وأرجو من القارئ أجراء مقارنة بين ترجمتي بدوي وعباس المفرجي لهذه الفقرة الدون كيخوتية، كما إن (لاغاليتا) التي فسرها مانغويل بأنها تعني لم ينه شيئا والتي ترجمها الدكتور بدوي إلى (غلاطية) ولم يقف عند مرموزها وتأويلها، لأنه جاء اللغة الاسبانية من العربية، أي لم يكن من أهلها والمتحدثين بها الكاتبين، أي انه لم يكن من أهل مكة الذين هم أدرى من غيرهم بشعابها، فلم يسبر غور هذه الكلمة (لاغاليتا) التي تعني انه لم ينه شيئا، أي تركه دون إتمامه، ومما يؤكد أن القسم الثاني من رواية دون كيخوته لسيدي حامد بن الجيلي، ان سرفانتس الملول العجول ما أتم غلاطية، بل مات قبل ان يخرج القسم الثاني منها، وما أتم دون كيخوته، بل كتب القسم الأول الذي ظهر للناس عام 1615 أي قبل سنة من وفاته وكتب القسم الثاني سيدي حامد بن الجيلي، وهو ما دونه سرفانتس في الفصل التاسع من القسم الأول، إذ ينسب للحظ والبخت ومعاونة السماء عثوره على القصة التي دونها سيدي حامد بن الجيلي، مكملا ما وصل إليه سرفانتس مختتما سرده بالمعركة الرهيبة التي جرت بين (الفتوة) البشكونتي وبين الشجاع المنتشاوي دون كيخوته، ولو لم يعثر على هذا النص الذي كتبه سيدي حامد لبقي العالم محروما من المتعة التي يمكن أن يتذوقها من يحرص على قراءتها ويؤكد بأن دون كيخوته جدير بإطراء دائم يبقي ذكره وأنا- أي المؤلف ثرفانتس كما يقول- خليق بأن لا احرم من هذا الإطراء نفسه من اجل ما تحملته من مشقة وجهد للعثور على هذا الجزء من الرواية ثم يسرد لنا كيف اكتشف هذا النص قائلا: (كنت ذات يوم في درب القناة في طليطلة فشاهدت صبيا أتى تاجر أقمشة ليبيعه كراسات قديمة وأنا شديد الولع بالقراءة، حتى بقراءة قصاصات الورق التي يقذف بها في الشارع، فدفعني هذا الميل الطبيعي إلى تناول إحدى الكراسات التي كان الصبي يعرضها للبيع، فوجدتها مكتوبة بحروف عربية. ولما كنت لا اعرف قراءتها، وان استطعت تمييز ما هي ففكرت فيما إذا كنت استطيع العثور على عربي متنصر (أي العربي الذي لم يغادر الأندلس فأجبر على ترك دينه، الإسلام والتنصر، وهم الذين عرفوا بالمورسكيين morisco) يمكن أن يقرأها لي (...) وأخيراً ساق لي القدر مترجما أعربت له عن رغبتي وناولته الكراسة (...) فالتمست منه أن يقول لي ما فيها فقال (...) هذا هو المكتوب في الهامش: دلثنيادل توبو سو، الذي يرد ذكرها كثيرا في هذه القصة (....) فلما سمعته بقيت حيران مدهوشاً إذ تصورت في التو أن هذه الأوراق تتضمن تأريخ دون كيخوته (...) فقام هذا العربي المتنصر يترجم من العربية إلى الاسبانية قائلا: إن العنوان معناه هكذا: (تأريخ دون كيخوته دلامنتشا، تأليف سيدي حامد بن الايلي المؤرخ العربي) فتذرعت بالكثير من الحذر حتى اخفي ما أحسست به من غبطة (...) واشتريت من الغلام كل هذه الكراسات القديمة (...) وسرعان ما ابتعدت ومعي العربي المتنصر واقتدته الى رواق الكاتدرائية ودعوته الى ان يترجم هذه الكراسات كلها إلى الاسبانية، أو على الأقل ما يتعلق منها بدون كيخوته (...) لكن لهفتي (...) وحرصي (...) جعلتاني اقتاد هذا العربي المتنصر إلى بيتي، فأتم ترجمة هذا التأريخ كله على النحو الذي أوردناه هنا. ص86-ص87
لكن الدكتور عبد الرحمن بدوي وهو يشرح اسم سيدي حامد بن الجيلي، يتمحل ويتوقل دون ان يصل إلى الحقيقة، فهو إذ يصف رأي المستشرق ليوبولدو أجيلاث اي ينجواس بالتفسير المتكلف المبتذل واللامبرر له، فأنا أرى رأيه كذلك في تفسير معنى كلمة (Benengeli) معتمدا على رأي المستشرق خوسيه انطونيو كوندو وأورده كلمنثين في شرحه إذ يقول بدوي: في النص (Cide Hamete Benengeli) ولا صعوبة في الكلمتين الأوليين (سيدي حامد) وإنما في الكلمة الأخيرة (Benengeli) وخير تفسير لهما ما قاله المستشرق خوسيه (..) هو ان الكلمة معناها (ابن الايل) وهي ترجمة عربية لاسم ثرفانتس نفسه اذ (cervantes) من ciervo تعني ايل، وعل، ولست بحاجة إلى ذكر رأي المستشرق ليوبولدو الذي وصفه بدوي بالمتكلف المبتذل إذ نسب الجيلي إلى الباذنجاني التي حرفت التي البرنجاني وهذا يحيلني إلى تسمية المصريين في وقتنا الحاضر الباذنجان بـ(البرنجان) وكيف انتقلت اللفظة من الأندلس إلى مصر ومتى؟!!.
وارى أن صحة الاسم هو الجيلي وليس الايلي كما يترجمه بدوي اذ ورد الاسم في كتاب مانغويل آنف الذكر، وهو اقرب إلى الاسبانية من بدوي لأنها لغته القومية بخلاف بدوي، الذي تعلمها ودرسها.
ثم يبدأ سرفانتس في الجزء الخامس عشر من روايته، بذكر ما يصفه بالحكيم سيدي حامد بن الايلي وما رواه عن دون كيخوته في المغامرة الأليمة التي غامرها ضد بعض الينجواسيين الأشرار قائلا: (روى الحكيم سيدي حامد بن الايلي ان دون كيخوته لم يكد يودع ضيوفه والحاضرين (..) حتى دخل الغابة حاملا سلاحه..) ص139.
ثم يرد مرة أخرى ذكر سيدي حامد بن الجيلي في الفصل السادس عشر الذي يتحدث عن البَغَّال أي صاحب البغال الذي نزل في فندق على الطريق وحاول إغواء ابنة صاحب الفندق إغراءها لتمضية ليلة حمراء معها، خاصة لأنه يعرفه معرفة وثيقة، بل يؤكد البعض انه كان يمت إليه بصلة القرابة وقد كان سيدي حامد بن الايلي مؤرخا واسع الاطلاع شديد الاستقصاء والتدقيق في كل شيء.) ص153.
ويعلق العلامة بدوي على هذا المقبوس كان معظم البغالين في اسبانيا من الينجوشيين أو من العرب المتنصرة ولما كان المؤلف عربيا متنصرا وهو سيدي حامد بن الايلي بحسب ما يزعم ثرفانتس فليس بمستبعد إذن ان تكون ثمة قرابة.
وفي الفصل الأول من القسم الثاني من الرواية الذي حمل عنوان (في كيف كان تصرف القسيس والحلاق مع دون كيخوته إبان مرضه) يروي سيدي حامد بن الايلي في القسم الثاني من هذه القصة (وبدوي او ثرفانتس هنا لا يميز بين الرواية والقصة نقديا ويظل يطلق صفة القصة على روايته) الذي يتضمن الخرجة الثالثة لدون كيخوته) ص207.
لكن العّلامة عبد الرحمن بدوي يستدرك على مؤلف الرواية – وأنا هنا أنأى بنفسي عن نسبتها لثربانتس – بعد تكاثر الشكوك وقتامة الظلال التي اكتنفت كتابتها فأقول يستدرك الدكتور بدوي بملاحظة ذكية مفادها: لم يشأ ثربانتس ان يذكر لنا أين وكيف وجد هذا القسم الثاني من كتاب سيدي حامد بن الأيل، ذلك انه في الفصل الثاني والخمسين من القسم الأول قال: ان المؤرخ العربي سيدي حامد لم يستطع الحصول على معلومات عن أعمال دون كيخوته في خرجته الثالثة، وفي الرواية الكثير من هذا الخلط وهذا السهو في الأحداث وسرودها وسهو عن وقائع بعينها من ذلك ان ثربانتس يورد ذكر حمار سنشو ناسياً انه ورد في سرده سرقة حمار سنشو مما يؤكد تعاور أكثر من شخص على كتابة هذه المرواة.
وما يؤكد شكوكنا في صحة نسبتها إليه أو شاركه في كتابتها أكثر من شخص ما يذكره البرتو مانغويل في كتابه آنف الذكر إذ بعد ثلاثة فصول – كما يقول مانغويل، يخبرنا سرفانتس انه لا يستطيع ان يذهب إلى ابعد من هذا الحد وقد أدرك ألان بأنه لم يعد يعرف كيف ستسير مغامرة فارسه. (صدفة) عُرضَتْ عليه رزمة أوراق مربوطة لشرائها ولأنه قارئ نهم يقرأ حتى مزق الأوراق الملقاة في الطريق ترجم بدوي هذه الفقرة إلى: وأنا شديد الولع بالقراءة حتى بقراءة قصاصات الأوراق الملقاة في الطريق ويواصل مانغويل قائلا، فأنه يتصفح هذه الرزمة فيرى أنها مكتوبة بالعربية وبدافع الفضول لما تحويه هذه الصفحات فأنه يذهب للبحث عمن يترجمها له.
اكتشف أن المخطوطة ليست إلا تسجيلا لوقائع مغامرات دون كيخوته، مكتوبة بقلم المؤرخ العربي سيدي حامد بن جيلي – والذي اتضح انه إلى جانب سرفانتس بين المؤلفين الذين يضمهم الجزء الخاص بالفرسان في مكتبتنا وتحت اسم – سرفانتس أيضاً-.
منذ تلك اللحظة، نابض حق التأليف أصبح دوارا: الرواية التي قرأنا يُزعم أنها مترجمة من العربية، ولم يعد سرفانتس هو الأب لكنه مجرد عراب في الجزء الثاني من دون كيخوته كانت الشخصيات قد قرأت الجزء الأول، فصححت ونقحت من أخطائها الواقعية (...) عن هذه النقطة يتساءل القارئ: من اخترع من؟.
معظم الكتاب لهم وجود تاريخي ليس الأمر كذلك مع سرفانتس فهو في ذاكرتي شخصية من دون كيخوته أكثر منه رجل حقيقي (...) سرفانتس يبدو لي ابتدع من خلال كتابه (...) زرت بيت سرفانتس في بلد الوليد (...) الحديقة، حجرة الدرس، غرفة النوم (....) كل هذا يبرز عالم دون كيخوته أكثر مما يبرز عالم مبدعه (...) يبقى سرفانتس غير حقيقي. ص 155 – ص157.
إذن نحن إزاء أكثر من شخصية تتنازع ملكية هذا السفر الروائي النفيس، ثرفانتس، سيدي حامد بن الجيلي، وثالث هو الراهب السفاح الذي تولى وظيفة تلقي اعترافات الملك فيليب الثالث واسمه الأخ لويث الياجا LUIZ وهو صاحب القرار القاسي الذي أرغم المسلمين على ترك دينهم أو مغادرة اسبانية والى هذا الراهب السفاح – كما يقول بدوي – (...) ينسب تأليف الجزء الثاني من دون كيخوته الذي نشر عام 1614 ونمسك عن مزيد من الكلام في هذا الباب لأننا نتناول هذه المشكلة في مقدمة الجزء الثاني (ويقصد بدوي هذا القسم الثاني) من دون كيخوته، لكن كما كان ثربانتس نسَّاءً، كثير النسيان في سرده الروائي فقد انسحب هذا النسيان على مترجم الرواية الدكتور بدوي، اذ ترجم القسم الثاني ولم يتناول هذه المشكلة ومن يعاشر ثربانتس النسَّاء، صار مثله!!!
ان ما يزيد الشك في صحة نسبة هذه الرواية إلى ثربانتس، كثرة الأغلاط حتى في تقسيم فصول الكتاب، وكثرة السهو الذي يقع فيه السارد، ومن يقرأ هذا السِفر المهم يعثر على العديد من الهنوات والهفوات، التي أشرت إلى إحداها سابقا والتي تجعلنا أمام أمرين أما أن الرواية كتبها أناس عديدون ولم يكتبها ثربانتس وحده، وهي هنا تقترب من ألف ليلة وليلة، أو انه كان كثير السهو والنسيان، الأمر الذي أوقعه في هذا الخلط واللبس، لكن لِمَ هذا الاحتمال وقد دون ثربانتس بقلمه اسهامة العربي الأندلسي سيدي حامد بن الجيلي في كتابتها فضلا عن ثالث هو الراهب السفاح؟ ومن اجل ان لا نبخس الناس أشياءها فأرى أن القسم الأول كتبه ثربانتس، وكان القسم الثاني بقلم الأندلسي العربي الجيلي، لابل أني أتطرف فأقول أن كاتبها هو السيد الجيلي، وقد نسبها إلى ثربانتس، ربما خوفا أو لقاء مال، أو أي سبب من أسباب الحياة شديدة القسوة والوطء على أصحاب العقول والضمائر، وفي التاريخ هناك الكثير ممن نسبوا كتبهم للمشهورين والأغنياء يعرف ذلك من اختلاف أساليب الكتابة، أو سطو هؤلاء المشهورين على أفكار المغمورين أو أهدوها لهم، وهل ننسى (كتاب ألصاحبي في فقه اللغة) الذي ألفه اللغوي العربي المعروف احمد بن فارس (329 – 395هـ) وأهداه إلى الصاحب بن عباد أو كتاب (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده) لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني الازدي (390 – 456 هـ) وقد صنفه كعادة أكثر العلماء في ذلك الزمان لأبي الحسن علي بن ابي الرجال الكاتب رئيس ديوان الإنشاء لابن باديس الصنهاجي احد الملوك المعروفين بالمغرب، الذي يصفه ابن رشيق بـ(زعيم الكرم، وواحد الفهم الذي نال الرياسة، وحاز السياسة، وانفرد بالبسط والقبض، واتحد في الإبرام والنقض).
ولعل ما يؤكد توصلاتي، ما قرأته مؤخرا عن قيام الباحثة الاسبانية وأستاذة الدراسات العربية والإسلامية (دولوريس اوليفر) بتأكيد نسبة ملحمة (السيد) للشاعر والفقيه العربيابي الوليد الوقاشي، والتي نظمها لسرد وتخليد مآثر البطل القشتالي (دون رودريكو دياث دي فيفار) مقابل التزام القشتالي هذا باحترام تعاليم الدين الإسلامي والتقاليد العربية في مدينة (بالنثيا) التي غزاها دون رودريكو القشتالي ايام الوجود العربي الإسلامي في الأندلس (92 - 897هـ ، 711 –1429م) وأنها بدأت تكتشف ان متن ملحمة (السيد) نتاج قريحة عربية وفي طول بحث ومقارنة وتنقيب وتنقير توصلت الباحثة (اوليفر) إلى نتيجة حاسمة مفادها: هذا النص كتبه شاعر عربي من اجل سيد قشتالي، ودونت آراءها هذه في كتاب عنوانه (ملحمة السيد: عربية المنشأ والتأليف).
تُرى أليس من حقي ان أقول: ان نص (دون كيخوته) كتبه أديب عربي أندلسي من اجل ثربانتس؟.