أبجدية اللغة وأبجدية الروح الثقافي

ميثم الجنابي
2017 / 8 / 6

إن الحياة كالتاريخ، كلاهما من جذر واحد ألا وهو الصيرورة المحكومة بالوجود والعدم. أما عدم إدراك هذه الحقيقة أو العجز عن إدراك حقيقتها فانه عادة ما يؤدي إلى البحث عن قوة خارجهما للبرهنة على إنهما مجرد أطراف في معادلة الغيب أو الإرادة الإلهية للقضاء والقدر. ومهما يكن من أمر هذه المعادلة العصية على حدود المنطق وقواعده، إلا أن جذورها عاجزة عن سقي المعرفة العلمية كما هي، من هنا رجوعها، حالما تصطدم بقضية يصعب إدراكها بمعايير التاريخ الثقافي، إلى ما قبل بداية الإدراك العلمي لوجود الأشياء والظواهر، اي إلى عالم الأسطورة والخرافة. وهو عالم عظيم من حيث أصوله وجذوره الأولية بمعايير التاريخ الثقافي، لكنه سقيم من حيث أثره حالما يجري تحويله إلى حكمة مقدسة ومصدر للبدائل المستقبلية. اذ لا قدسية في أحداث الماضي ومجرياته وأفكاره، وذلك لانها جميعا مجرد سريان للزمن ما لم يتحول إلى تاريخ.
فالتاريخ هو ليس سريان الزمن في وجود الأشياء، بل هو إبداع المنظومات العقلانية وتنشيطها الدائم في ترتيب وتنظيم وتحسين الوجود الإنساني على مستوى الدولة والمجتمع والجماعة والأفراد. وهو بهذا المعنى ملازم لوجود الأمم الكبرى، تماما كما أن الحضارات الكبرى لا تصنعها إلا أمم ثقافية كبرى.
إن هذا لا يقلل من قيمة الإبداع التاريخي للشعوب والأقوام الصغيرة، إلا أن نتاجها يبقى في نهاية المطاف محصورا وضيّقا، ولا يجد طريقا له في رسم معالم وحدود المسار العام للتطور التاريخي إلا عبر حياة ومعاناة الثقافات الكونية، اي تلك التي أنتجت حضاراتها الكبرى.
فقد ولدت وماتت حضارات قديمة، بينما بقي البعض منها. وما اندثر منها تحلل إلى عناصر منفية أو ذائبة في الثقافة المحلية أو الكونية. وما بقي منها أمسكته أما أبجدية اللغة أو أبجدية الروح والجسد الثقافي أو كليهما. وليس مصادفة أن تبقى خمس ثقافات كبرى هي الوجود الساري لخمس حضارات تاريخية كبرى هي الصينية والهندية واليونانية والرومانية (اللاتينية) والعربية (الإسلامية). كما يمكننا القول بان استمرارها هو الوجه الآخر لاستمرار وانتشار أبجديتها اللغوية والثقافية.
فهي الحضارات التي مازالت أبجديتها اللغوية والثقافية سارية المفعول، بينما اندثر الآخر أو انحصر ضمن حدود ضيقة قومية أو دينية كما هو الحال بالنسبة للأبجدية العبرية والأرمينية والجورجية وأمثالها. وهذا يدخل ضمن الفكرة القائلة بان لكل شعب وقوم ثقافته الخاصة، ويمكن أن يرتقي بعض منها إلى مصاف ما يمكن دعوته بالحضارة الصغيرة، اي تلك التي تتميز بإبداع خاص ومتميز لكنه لم يرتقي إلى مصاف الكونية من حيث الروية والأبعاد والمرجعيات الفكرية والروحية.
فعندما نتأمل ظهور وزوال عشرات الحضارات القديمة، فان أسباب زوالها في الأغلب ثلاثة وهي، أما لانها أولية بمعايير الزمن التاريخي كما هو الحال بالنسبة لحضارات العراق القديم ومصر وفارس، أو لانعزالها النسبي كما هو الحال بالنسبة لحضارة المايا، أو لانها لم تستطع التفتح الكامل لسبب ما من الأسباب كما هو الحال بالنسبة لجميع الأقوام والأمم التي تشكلت ذاتيا بمعايير الدولة والإثنية المتميزة أو حتى الإمبراطوريات الكبرى كما هو الحال بالنسبة للمغول والتتر والسلطنة التركية (العثمانية) والقيصرية الروسية. فالسلطنة العثمانية لم تستطع إبداع حضارة تركية ولا توسيع وتعميق وتحقيق مرجعيات الحضارة الإسلامية. لهذا حالما أرادت بناء ذاتها القومية الحديثة، فإنها وجدت بالانسلاخ عن أبجدية الحضارة الإسلامية والانفصام التام عن تراثها الثقافي الأسلوب الأمثل لذلك. الأمر الذي يشير إلى هشاشة أبجديتها اللغوية والثقافية. وفيهما يكمن سر العجز التاريخي للتحقق الذاتي بهيئة حضارة مستقلة أو التطوير التلقائي للثقافة لإسلامية وحضارتها التاريخية. بينما لم تتفتح الثقافة الروسية عبر إبداع مرجعياتها الثقافية الخاصة بعد أن حرف بطرس الأول مسارها الذاتي صوب بوصلة التقليد الشامل للثقافة الأوربية. وكما لم ينتج الروس أبجديتهم اللغوية، لم ينتجوا أبجديتهم الثقافية التأسيسية. الأمر الذي يفسر اغلب إشكاليات الوعي الذاتي القومي والثقافي الروسي الحالي.
كل ذلك يكشف عما في علاقة الأبجدية بالثقافة من أبعاد عميقة ومؤثرة بالنسبة للحضارة وإشكالاتها، كما يمكن أن تلعب دورا غاية في الأهمية بالنسبة لبلورة الوعي الذاتي القومي بوصفه وعيا صميميا.
فالعلاقة الوجدانية العميقة بأبجدية اللغة الثقافية هي علاقة منطقية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وذلك لانها تصب في مسار منطق الروح الثقافي للأمة. فعندما أثير الجدل حول علاقة اللغة بالمنطق والتي ينقل أبو حيّان التوحيدي بعض حيثياتها في (الإمتاع والمؤانسة) فإننا نعثر فيها على جدل الحرف والعبارة، واللغة ومضمونها، والمنطق المجرد ومنطق الثقافة. وبغض النظر عن اختلاف الروية والمناهج والاستنتاجات بهذا الصدد، إلا أنها كانت تصب في توسيع المعنى الوجداني والمنطقي لعلاقة أهل العلم والمعرفة والأدب (المثقف المبدع) بأبجدية اللغة الثقافية و"رسالتها" المعنوية، اي الأبعاد الفكرية والروحية لما يمكن دعوته بميتافيزيقيا الوجود الثقافي للأمم. وليس مصادفة أن تهتم الثقافة العربية الإسلامية حتى بالحرف بحيث تجعل منه محور اهتمامها الفلسفي والصوفي، اي المنطقي والروحي كما هو جلي على سبيل المثال عند الفارابي وابن عربي.
إن لهذه القضية مقدماتها الخاصة بالنسبة للثقافة العربية الإسلامية، كما أن لها مرجعياتها المتسامية في برزخ الوعي المنطقي للثقافة الإسلامية نفسها. فقد كانت اللغة العربية الملكية الوحيدة المشتركة بين عرب الجاهلية. وفيها ومن خلالها تراكمت أبجدية شعرهم وشعورهم ومشاعرهم وأمثالهم وحكمتهم وشعائرهم. وبالتالي لم يكون ظهور القرآن بوصفه قراءة جديدة للوجود أمرا عرضيا أو صدفة طارئة. كما انه ليس مصادفة أن يتحول القرآن إلى المصدر الجوهري للأبجدية الثقافية والروحية الجديدة للعرب، بحيث أصبح هو مع مرور الزمن لغة العرب المادية والمعنوية، والفكرية والروحية، والطبيعية والماوراطبيعية. فقد أسست اللغة القرآنية لمرجعيات جديدة في الوعي عبر الكلمة والعبارة. اذ جرى استمداد كل شيء منه - القانون والحق والحقيقة والبلاغة وقواعد اللغة وإعرابها وصرفها ونحوها. وما وراء كل ذلك تحول إلى الأصل الجوهري لتحديد الصيرورة التاريخية للفكرة الثقافية الإسلامية ومرجعيات الثقافة ككل. الأمر الذي أعطى لمن استسهل هذه العملية الدرامية المعقدة الاستعجال بالحكم على طابعها "الإلهي" و"الرباني" والبحث فيها عن معجزة الإسلام وإعجازه اللغوي.
أما في الواقع فقد كان هذا الحكم اللغوي لغوا لاهوتيا لا علاقة له بحقيقة العربية وأبجديتها الثقافية التي أرسى الإسلام أسسها الجديدة وبنى مرجعياتها الفكرية والروحية الكبرى. فقد كانت اللغة العربية قبل الإسلام وفِي مجرى انتصاره واستحكامه في كل مفاصل الوجود، الصفة التي أجمعت الثقافة اللاحقة على جعلها صفة العرب الخاصة، اي تميزهم بقوة اللغة والبلاغة والبيان. وضمن هذا السياق يمكن فهم القوة الساحرة في عنوان (البيان والتبيين) للجاحظ. لكن القوة الأشد سحرا لهذه الظاهرة تقوم في بلورة فكرة المعجزة والإعجاز اللغوي للقرآن، اي بلورة الفكرة التي تجمع في ذاتها أبجدية اللغة والروح الثقافي. اذ لا أعجاز حقيقي في الإبداع ولا معجزة يمكنهما العيش والتعايش خارج إطار هذه العلاقة. وبالتالي، فان الإبداع الكبير هو نفي لفكرة المعجزة بحد ذاتها وذلك لأنه يذلل العجز في مجال البحث عن الحق والحقيقة عبر تحقيقهما في الوجود التاريخي للثقافة. حينذاك تصبح "المعجزة" مجازا لحقيقة المعاناة الملازمة لكل إبداع حي.
بينما وجد البعض الآخر في العربية لغة الإنسان الأول والآخر، ولغة مقدسة، ولغة أهل الجنة (والنار؟)، إن كل هذه الصيغ هي مجرد تعبير لاهوتي عن الأبعاد الميتافيزيقية في لغة القرآن. وبما أنها عربية الأصل، من هنا محاولات الربط بينها وبين القدم والأبد كما نعثر عليها في قضايا علم الكلام (قضية قدم القرآن، أو كلام الله) التي أزهقت أرواح وأهانت رجال وسجنت وأبعدت من اعترض وخالف، وقربت من قربت إلى الخليفة المأمون وحكمة الروح العقلي. لقد كان في الموقف منها إفراط وتفريط بمعايير العقل والسياسة، وفيما لو جرى دفعها بنجاح لأربعة أجيال من الخلفاء بعد المأمون، لكان مسار الإسلام والدولة العربية (الخلافة) قد غير مسار التاريخ الفعلي للعالم، ولأصبحت أبجديته اللغوية والثقافية قاطرة كونية. لكن التاريخ لا يعرف لو! غير انه يوضح بأنه لولا هذه الهزيمة لما انهزم عالم الإسلام آنذاك والعرب الآن. فالتلاحم التاريخي بينهما هو تلازم طبيعي وماوراطبيعي سواء جرى النظر إليه بمعايير السياسة أو الثقافة، اي بمعايير الروح والمنطق. فقد كان بإمكان الثقافة أن تنتج عشرات ومئات من شخصيات الكلام كالعّلاف والنظّام والجاحظ والجبائي والقاضي عبد الجبار والكندي والفارابي وابن سينا وابن باجه وابن رشد وابن خلدون وابن عربي. بينما فرخت بأثر الهزيمة حنابلة تنابلة في ميدان العقل، ومقاتلة في ميدان التكفير والتحريم والتجريم للعقل والحريّة والنزعة الإنسانية.
الأمر الذي يكشف عما في هذه القضية من إشكاليات أرهقت الثقافة العربية الإسلامية آنذاك لكنها أزهقت باطل الغلو فيها أيضا كما نعثر عليه على سبيل المثال لا الحصر في كتاب (الخصائص) لابن جني. وهي ذات القضية من حيث الجوهر التي واجهها ويواجهها العالم العربي وثقافته الحالية، بدا من "عصر النهضة" وانتهاء بحالة الانحطاط الحالية. ولكنها لم تعد محصورة بإشكاليات العقل والنقل أو الإيمان والعقل النقدي، بل تعدتها، بأثر التخلف والانحطاط والانقطاع التاريخي للنمو التلقائي للعالم العربي، بأثر اندثار مراكزه السياسية الثقافية، إلى مجال الكينونة الثقافية ذاتها للعالم العربي. بحيث أنتجت ما يمكن دعوته برعيل النقد المقلد، أو ما أطلق عليه عنوان عقلانيات الفطام والانفصام الثقافي الذي نعثر عليها عند اغلب ممثلي "عصر النهضة" والتيارات الدنيوية المختلفة من ليبرالية ووضعية ووجودية وماركسية وكثير غيرها مما أنتجته الثقافة الأوربية الحديثة والمعاصرة.
فقد "ساهمت" هذه التيارات جميعا في سحق ما تبقى من أبجدية الروح الثقافي العربي. ولم يكن نقدها للماضي والحاضر والتراث أكثر من ترديد مسطح للفكر الأوربي النقدي، واستعمال أشد تسطيحا لمناهجه في التحليل والتقييم والمواقف. وعليه أيضا جرى بناء هالة من التقديس لفكر لا تفكير فيه، ولشخصيات لا شخوص فيها وعندها لمعاناة الإبداع الحر بمعايير التجربة الذاتية كما هو جلي على سبيل المثال لا الحصر في كتابات طه حسين وسلام موسى وأمثالهم من "كلاسيكي" الكسل العقلي والخذلان المعرفي والتبجح الساذج بأنانية لا أنا للحق فيها.
بحيث أصبحت الثقافة العربية الحديثة مقبرة تتجول فيها أشباح الثقافة الأوربية وترقص على عظام وحطام إرث هائل لم يدركوا من قيمته الثقافية شيئا، وذلك بسبب كمية ونوعية الاستلاب الثقافي الهائل والذي افرغ شخصياتهم من كل شيء باستثناء الإثارة والاستثارة المميزة لمن دعتهم الثقافة الإسلامية فيما مضى بأهل الرسوم من العلوم، اي ما يعادل الآن معنى أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وهي حالة مخزية ومأساوية بقدر واحد وذلك لما فيها من غرابة تقوم في أن النقاد هم اصل البلية في التقليد!!
وهذا في كله ليس معزولا عن فقدان الارتباط الصميمي بأبجدية الروح الثقافي العربي، الذي جعل زكي الارسوزي يتلوى ويتألم من اجل البحث في حروف العربية ونغمات كلماتها عما ادعوه بأبجدية الروح الثقافي، اي كل ما وضعه في أساس فكرته عن "عبقرية اللغة العربية" بوصفها معاناة حية للفكرة القومية على خلاف شخصيات التقليد المتبجح بالولع المزيف عن "عبقريات" مصطنعة ومفتعلة كما نراها في "الشخصيات العبقرية" التي دبجها محمود عباس العقاد. والفرق بينهما هو ذات الفرق والافتراق بين نزوع فكري ومعاناة حقيقة لإدراك القيمة الحية والمستقبلية لأبجدية اللغة وروحها الثقافي وبين أبجدية اللغو الفارغ!
***