لماذا كثر الشانئون ومنكرو الفضل؟ ..حياة خلف الأحمر وجهوده اللغوية والنحوية

شكيب كاظم
2017 / 8 / 6

أصدر الباحث الأكاديمي الدكتور مهدي صالح سلطان (الشمري) كتاباً تولت طبعه إحدى دور النشر ببغداد سنة 2016 ، أوقفه للحديث عن الراوي والنحوي أبي محرز خلف بن حيان الأحمر، المتوفى بحدود سنة 180 للهجرة، الذي يعد من بناة اسس النحو العربي في بواكيره الأولى فضلاً على توثيقه الشعر العربي، معولاً في ذلك على السماع والخروج إلى البوادي، وتلقي الشعر مشافهة وسماعاً. وقبل شيوع الكتابة والتدوين. وإذ كانت قد برزت في عقد الثمانين من القرن العشرين، عندنا في العراق لأسباب معروفة وغير خافية على القارئ فضلاً عن الباحث اللبيب.

محاولة اعادة الشأن لبعض الشخوص الاشكالية

محاولة برزت ظاهرة محاولة إعادة الشأن لبعض الشخوص الإشكالية، وموضع الخلاف في الثقافة العربية الإسلامية فظهر مثلاً كتاب عنوانه (الحجاج المفترى عليه)!. في حين كتب الدكتور فاروق عمر حسين فوزي كتابه (الخليفة المقاتل مروان بن محمد) الذي صدر عن دار واسط للطباعة والنشر ببغداد سنة 1985. الذي يراه الدكتور فاروق مظلوماً، ظلمته روايات مؤرخينا الرواد الذين كتبوا مدوناتهم أيام الدولة العباسية التي قامت على أنقاض دولة الأمويين فإن دراسة الدكتور مهدي صالح سلطان لخلف الأحمر، والتي وضعها في كتاب سماه (خَلَفْ الأحمر بين الريادة ودعوى الانتحال) تقف على الجهة الأخرى إذ يراه هو الآخر مظلوماً، ومفترى عليه، فالدكتور مهدي يرى أن النصوص القديمة التي تذكر سيرة خلف الأحمر، كانت مختصرة اختصاراً مخلاً، وربما مشوّشة أو متناقضة، تظهر عبثه وربما لا نفهم منها دوافع من يتجنى عليه، وتناقض ما يعرض بشأنه. وفقدان الهدف الحقيقي من الوضع الشعري المفترى عليه أو لنقل المبالغ فيه، ذلك الذي لا يتوافق وإبداعه، وأهمية رواياته، وكذلك النسك والصلاح الذي استقرت عليه سيرته تراجع ص 26 من الكتاب.

وإذ يرى الدكتور مهدي صالح سلطان في بحثه هذا أن السبب وراء الاختصار المخل لحياة خلف الأحمر، ناتج عن كونه نأى بنفسه عن الحكام، فضلاً عن قربه من آل بيت النبوة، فأني أرى أن هذه الظاهرة كانت فاشية ومعروفة، ولاسيما مع قلة التوثيق والتدوين، وإلا ما الذي وقف عنده تأريخ الثقافة والأدب إزاء حياة أبي القاسم الآمدي المتوفى بالبصرة سنة 370هـ ؟

التاريخ اغفل الكثيرين

أو ما الذي دونه عن أبي علي الحاتمي، الذي كان معاصراً لأبي الطيب المتنبي، وكتب في ذمه كتاباً عنوانه (الموضحة في مساوئ المتنبي)؟ الذي يصفه الدكتور زكي مبارك في كتابه الرائع (النثر الفني في القرن الرابع) الذي هو في الأصل بحث قدمه إلى جامعة باريس ونال إجازة الدكتوراه بدرجة مشرف جداً في 25/أبريل /نيسان/ 1931، إذ يصفه بأنه من الشخصيات القوية التي غابت أخبارها عن الناس فلم يعرفها منهم إلا القليل تراجع ص 111 ج2.

والأمر ينسحب حتى على المتنبي على الرغم من شهرته المدوية، فهو أبن سقاء يبيع الناس الماء بالكوفة رأيت – كذلك – ان المؤلف الدكتور مهدي صالح سلطان ، وهذا شأن جل الباحثين الأكاديميين، وكأنهم لم يتخلصوا من أيام الدرس، لنيل الماجستير أو الدكتوراه، يستندون، استناداً يكاد يكون كلياً على المصادر، والمراجع، ربما لزيادة التوثيق، وللتدليل على صحة ما يسوقون، فضلاً على أخذ الكثير من الروايات، التي كان يجب الوقوف عندها أو مناقشة ما ورد فيها، من غير أخذها مُسَلَمات لا يرقى إليها الشك والارتياب مثال ذلك ما ورد في الصفحة السابعة عشرة وقيل ” كانت للكميت جدتان أدركتا الجاهلية، فكانتا تصفان له البادية وأمورها وتخبرانه بأخبار الناس في الجاهلية، فإذا شك في شعر أو نثر، عرضه عليهما فتخبرانه عنه، فمن هذا كان علمه” مستندا في نصه هذا على الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني، والأغاني زاخر بالروايات غير الدقيقة، إن لم أقل المكذوبة وهذا الأمر معروف للدارسين. كما أن ثمة رواية متهافتة وضعيفة في مسألة الطلب من الشاعر إذا أريد له تألق شاعريته وزيادة عدته الإبداعية، أن يُطلب منه حفظ مئات الأبيات الشعرية ومن ثم نسيانها،ويبقى ما عَلِقَ في الذهن، يوقد شاعرية الشاعر، ودلالة تمكنه من النظم، وهذه – كما أرى- من المفتريات التي اكتظت بها مظان الأدب، قد يُعقَل ويُقْبَل،

روايات متهافتة وضعفة

أن نطلب ممن يروم أن يصير شاعراً، نطلب منه حفظ الشعر، لصقل موهبته ومقدرته، لكن كيف يعقل أن نطلب منه النسيان، نسيان الذي حفظ، كي لا يترك هذا المحفوظ ظلاً مؤثراً على شاعريته الموعودة. ثم هل ذاكرة الإنسان شريط صوتي فنمسحه؟. لاريب ان هذه الروايات من المفتريات المكذوبة المصنوعة التي تحتاج إلى مناقشة وتوضيح وإجلاء، لذا لا أكاد أقبل ما أورده المؤلف الدكتور مهدي صالح سلطان، نقلاً عن مختار الأغاني- وكان راضياً ملء جفونه عن شوارده ولم يحاججه ويناقشه وصولاً للحقيقة ضالة الباحث- ما نصه: وكان خلف الأحمر قد وجّه أبا نؤاس إلى الأخذ بقاعدة حفظ المئات من المقطوعات الشعرية والأراجيز، ومن ثَمَّ لزوم نسيان هذا المحفوظ، وكان أبو نؤاس قد أستأذنه في نظم الشعر، فقال له لا آذن لك في عمل الشعر إلى أن تحفظ ألف مقطوعة من الشعر، ومئة أرجوزة…. فغاب عنه مدةَ وحَضَرَ إليه، وقال له: أنشدها فأنشد أكثرها في عدة أيام، ثم سأله ان يأذَنَ له في نظم الشعر، فقال له: لا آذن لك إلا أن تنسى هذه… فقال هذا أمر يصعب عليَّ، فإني قد أتقنت حفظها، فقال له لا آذنُ أو تنساها… ثم حضر إليه فقال: قد نسيتها، كأن لم أكن قد حفظتها، قال: الآن فأنظم الشعر!! وهنا أتساءل فوق أسئلتي آنفاً، ما معيار صدق أبي نواس هنا في زعمه نسيان ما حفظ، وكيف تأكد خلف الأحمر من صحة زعمه، ثم كيف وثق بهذا الزعم أو القول، وليس بين يديه ما ينفي أو يثبت قولة أبي نواس، مما يزيد في تهافت هذه المروية، وكثير أمثالها، والريبة فيها؟

العرب لا يحبذون التكرار

من المعروف للدارسين والقراء الجادين، إن الذائقة النقدية العربية لا ترغب في التكرار، تكرار اللفظة، ومراجعة مفلية لكتب النقد القديمة، وبين يدي كتاب (العمدة. في محاسن الشعر وآدابه ونقده) لأبي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (390-456هـ) وفيه يدون القيرواني ما يفيد ذلك، ففي باب خصّصه للتكرار، يقول: وللتكرار مواضع يحسن فيها ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ، دون المعاني، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإذا تكرر للفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر إسماً إلا على وجه التشوق والاستعذاب (…) ولما أنشدوا للصاحب أبي القاسم بن عبّاد (326-385هـ) قول أبي الطيب المتنبي

عَظُمْتَ فلما لم تُكَلَّمْ مَهابةً تواضعْتَ، وهو العظم عظماً عن العظم

قال: ما أكثر عظام هذا البيت” تراجع ص73-75 من المصدر آنفاً. طبعة دار الجبل. بيروت الطبعة الرابعة1974.

لذا فأنا أكاد أقف موقف الشاك المرتاب في الرواية التي يذكرها المؤلف الأستاذ الدكتور مهدي صالح سلطان، استناداً إلى كتاب دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني (400-471هـ). الواردة على الصفحة 66 من الكتاب، إذ تقول الرواية نقلاً عن الأصمعي (121-216هـ) إذ كان يزور الشاعر بشار بن برد (96-168هـ) مع أبي عمرو بن العلاء (68-154هـ) وخَلَفْ الأحمر، فيسألانه عن جديد شعره ولاسيما قصيدته في سَلَمِ بن قتيبة (ت200هـ) وما فيها من كثرة الغريب، فقال نعم، بلغني ان سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورِدَ عليه ما لا يعرف (…) فأنشدهما:

بَكّرا صاحبي قبل الهجير إن ذاك النجاح في التبكير

حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان

إن ذاك النجاح في التبكير – بكرا فالنجاح في التبكير.

كان أحسن، فقال بشار: إنما أردتها أعرابية وحشية (….) ولو قلت بكرا فالنجاح… كان هذا من كلام المولدين))

وبهذا سيكون بيت الشعر حسب رأي خلف الأحمر

بكرا صاحبي قبل الهجير بكرا فالنجاح في التبكير

وعلى هذا فسيكون بيت الشعر المقترح، هو الخذلان بعينه، فقد تكرر اللفظ والمعنى جميعاً، وسنقول ، كما قال الصاحب بن عباد في كثرة عظام بيت المتنبي، ما أكثر بكور هذا البيت البشاري المقترح، مما يؤكد أو يعزز الأرتياب في صحة الرواية، وهذا ما كان يجب ان تناقش وتحاور.

وبعد: إن ما يذكر لهذا الكتاب الاستقصائي الذي خصصه مؤلفه الباحث الدكتور مهدي صالح سلطان، لدراسة خلف الأحمر، وإزالة ما علق بسيرته من لبس وتجن- كما يراه 0 توثيقه للمسائل اللغوية المنسوبة لخلف الأحمر، وانتزاعها من مكان ثوائها في بطون المظان، وجعلها بين يدي القراء والباحثين، فضلاً عن تزيين كتابه هذا بالفهارس، التي ليست بمكنة إلا من أوتي حظاً وافراً في المصابرة والمجاهدة فعملها لا يتأتى إلا لذوي الأيد والقوة.