الاستبعاد الأسباب والأبعاد

عبد الملك بن طاهر بن محمد ضيفي
2017 / 8 / 5

إذا كان العمران أساس الاجتماع فما بال الهوة بين المحرومين والمترفين آخذة في الاتساع فالأحياء الصناعية والمناطق المهمشة للطبقات الهشة والعمال والأحياء الراقية والمتنزهات للوجهاء ورجال الأعمال وبينهما أحياء لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ما يجعل التطور الديمغرافي مناقضا للتقسيم الجغرافي وبعد عزل المناطق الريفية أصبح الإستقطاب على أشده بين المناطق الحضرية الصناعية التي جعلت من المكان مرجعا في التصنيف السكاني فمحدودي الدخل والتعليم وذوي المهارات المنخفضة يتكدسون في أحياء الحرمان حيث تنعدم أو تكاد أبسط مقومات الحياة الكريمة للإنسان كالتعليم والصحة والإسكان وتنتشر البطالة والجريمة فالقوم متروكون منبوذون مظلومون إذا استنصروا لا يُنصرون وإذا استغاثوا لا يُغاثون ما عمق إحساسهم بالحرمان والغربة داخل الأوطان وجعلهم يصطلحون على لغة لا يفهمها غيرهم وطريقة يساس بها أمرهم ثم انتقلوا من طور الصعلكة إلى طور أخطر وعالم أكبر ألا وهو عالم الجريمة المنظمة مستصحبين قيم الفتوة يجنح بعضهم يسارا يطلب باسم العدالة ترفا ويسارا ويجنح بعضهم يمينا ليصبح باسم الدين اللص أمينا ويراوح البعض مكانه منتظرا منقذا يهبه أمانه متوعدا هذا الآخر الذي نبذه وأهانه هذا الآخر الذي ينعم وجماعته بحياة مستقرة ورفاهية مستمرة إلا أنهم لا ينتسبون إلى العالم المتحضر عندهم تقانة وإتقانا ولا إلى عالمنا ثقافة ووجدانا بهرهم الغرب فقلدوه وجاورهم الشرق فمقتوه لذلك لما أمنوا الإملاق آثروا الانغلاق علت أسوارهم وحجبت أنوارهم فقد بدأت هجرة الحيتان لمستنقع الحرمان منسحبة من العام الذي يجمعها بالعوام مستعيضة عنه بخاص ذا جودة عالية تؤمنه جهات سامية حينها يصبح نظر المترفين إلى المحرومين لا يشبه نظرهم إلى الآدميين بل نظر استعلاء وترفع وازدراء يعاملونهم على أنهم كم مهمل مكدس ينتقون منه من يصلح لخدمتهم يستخدمونهم ثم يستبدلونهم ليبقى هذا الكم المهمل تحت السيطرة والتحكم
والغريب أن كلا الفريقين يعاني من أعراض متشابهة لأمراض متباينة كالتفكك الأسري وانتشار ظاهرة الأمهات العازبات فضلا عن حمل المراهقات وتفشي الأمراض الجنسية والإدمان كما يتقاسمون عدم الإحساس بالأمان
وما هذا إلا ثمرة فعل أرعن اختاره فاعله وعُدمت بدائله
ولا بد في رصد هذه الأنْماط الاجتماعية القائمة
لتصحيح الأعراف السائدة وتقليل الْمشاكل الْمتوقعة من تتبع دقيق لِمراحل التغير الإجتماعي وتأثيرها في تشكيل الوعي الْجماعي وبإخضاع نتائج الرصد العلمي للنقد والتحليل يُجاب عن أهم سؤال ما هي أنْجع الوسائل في تَحصيل البدائل وكيف يُمكن إيجاد هذه الوسائل الْمفقودة لتحقيق الوضعية الاجتماعية الْمنشودة التي لا تنجح إلّا في بيئة خالية أو تكاد من الأنانية والعدوانية اللتين يُمثلهما الاستثمار القائم على الاستئثار ولا حل إلّا بالْحب والإيثار وهذه ليست طوباوية حالِمة ولا مثالية تفتقد للمنهجية العلمية بل هي حلول علمية جد عملية
-وأول ذلك بتعميم مواصفات الْخاص الذي تفر إليه الأقلية على العام الذي تُكره عليه الأغلبية
ولنضرب لذلك مثلا بالصحة والتعليم إذا شُملا بِهذا التعميم أصبح العلم متاحا لكل طالبيه والعلاج في متناول كل مستحقيه بالْمجان وفي كل مكان وهذا ليس شعارا فضفاضا ولا نظرية رخوة لأن الْمُبلغ عنا يَجب أن يكون نابعا منا ولا يتم ذلك إلا إذا كان العلم لسان لغتنا والعافية سِمة جَماعتنا وهذان لا يعممان إلا إذا كانا بالْمجان وليس هذا من قبيل الأماني بل هو أقرب إلى الامتحان لِيخطو الْمجتمع أول خطوة في سبيل تحقيق العدالة الإجتماعية تتبعها خطوات لا تقل أهمية أولها المساواة فالكرامة فالحرية وحينها يتسق الإيقاع ليخلو القاع لأن تحقيق الإندماج والإدماج من أهم مقدمات تكافؤ الفرص على كافة الصعد والمشاركة الفعلية في التفاعلات الْاجتماعية المبدئية لتقابل بالاستجابات الانفعالية السوية وحينها فقط تنتقل العدالة الاجتماعية من طورالنظرية إلى الممارسة الفعلية لتسم المواطنة الممارسة اليومية فيغيب بحلولها الاستعلاء والدونية وينتظم التطور الاجتماعي نسق الحياة الجماعي لا يستثني ولا يستبعد فالكل يُسهم ويستلهم يفيد ويستفيد فيؤنسن المجتمع وتعولم قيمه في ظل خصوصية مرنة وهوية متفتحة لشخصيته المتسامحة وهذا مقام مداره على المعرفة العلمية لا مكان فيه للارتجال أو الاستعجال ليكون التغيير المجتمعي سلسا مضطردا من غير هز للاستقرار أو تهديد بالإنهيار وللأمان في هذا الطور فعل السحر في القضاء على الحرمان والفقر لتغيب عن الخارطة المجتمعية تلك البؤر الإجرامية التي يُحظر دخولها أو الخروج منها فهي بمثابة السجن المفتوح ما يجعلنا نقرر جازمين أنه لن يتحقق الأمان الجماعي إلا بالتضامن الاجتماعي الذي يلغي المناصب والمناسب ويقرب الرتب والرواتب كأن يكون الأجر الأدنى لا يقل عن عشر الأجر الأعلى فإذا كان الأول 500د فلا يزيد الثاني 5000د فإذا أردنا ترفيع الأجر الأعلى إلى 30000د ما يعادل راتب رئيس الدولة عندنا لزم من ذلك ترفيع الراتب الأدنى إلى 3000د ويُقتطع العشر وجوبا من رواتب العاملين لصالح المحتاجين والمعطلين حينها تُهدم أسوار العزل ويبدأ مشوار الإلحاق والاستيعاب والاحتواء والدمج والإدماج في دورة الإنتاج وتنتهي مرحلة الانغلاق الاجتماعي والهروب الجماعي إلى مكانين متناقضين ولا مكان في هذا الإصلاح للاشتراكية أو الرأسمالية بل مداره على المنظومة القيمية الراقية للمجتمعات التضامنية وعصبها الجماعات التكافلية والمؤسسات غير الربحية
ليستمتع كلا الفريقين باستقلال لا يعزله وتميز لا ينبذه
فتتقارب المسافات بين الغني المرتاح والفقير الذي يشعر بالإرتياح
ويغيب التشرد الطوعي والتشريد القصري
وتقل ثم تنعدم مظاهر السفاح الإختياري والبغاء الإضطراري
وتختفي البطالة بنوعيها ما دامت الفرص متاحة والمستويات متقاربة
لأن موارد الأسر والأفراد ما هي إلا روافد لموارد المجتمع والدولة فتصبح كل مشاركة فاعلة وكل فعل لبنة في هذا البناء وكل نقد بناء
فالفرد محترم
والأسرة راعية
والمجتمع داعم
والقومية معززة
والهوية جامعة
فلا سعادة ولا رفاه للفرد في بيئة يلفها الْحزن والبؤس
وهنا يلزمك الإختيار إما أن تكون هويتك دالة على ماهيتك وإما أن تبحث عنها في غربتك وقبل أن تُجيب هلا عرفتنا من يُشكل هويتك التي تعكسها شخصيتك غيْر لغتك وجَماعتك؟