التعايش الثقافي: من يمسك بجلباب الشرع ؟!

سامي عبد العال
2017 / 8 / 4

وسط تداعي ( مشكلات الافتاء ) يهمنا إثارة قضية التعايش الثقافي داخل المجتمعات العربية. وما إذا كانت الفتاوى تمس تعايشاً تاريخياً يصعب النيل منه أم لا. فتلك الخطوة (الافتاء العام ) لا تقف عند حدود بعينها. إذ خرجت للعلن كما في مصر، حتى أضحت في سياقٍ ما يخالف خصوصيتها. ولعلَّها بذلك تثيرُ اشكالية الشرع، القانون، وصناعة المشاهد السياسية.

بالتالي: ما مبرر وجود الافتاء في الفضاء العام ؟ ... هذا السؤال منطقي لكنه حاد كحد السكين. نظراً لوجود هؤلاء المشايخ الذين صنعوا جلباباً من الشريعة يغطي الحياة. وجعلوا الله جسداً يناوئ العالم واقفين بكتفيه لاصطياد الشاردين. فالمبرر ليس خاصاً مثلما يطرحه الفقهاء. من كون الفتاوى تشرح جوانب الدين وتحُول دون الأخطاء وتوجِّه الأفراد. كلُّ المبررات المذكورة تنحاز لفئة من المجتمع دون الفئات الأخرى. وتحدد ما على الإنسان فعله في دائرة عامة دون هذا الباب من عدمه.

إنَّ الافتاء آلية لجماعة الديانة الإسلامية لا ليوضح قضاياها ولا ليمنع الانحراف عنها فقط. لكنه قد يطرح وجود الدين كحائط عالٍ أمام أية اتجاهات أخرى. فهناك تجاهل لعناصر المجتمع، تجاهل أخطر من التعدي عليها. يقول الافتاء ضمناً إنَّ تنوعاً ثقافياً ودينياً لن يستمر إلى نهايته. وإنَّ الدين الغالب يؤكد سيادته على كافة الأديان. ولا مانع من مزاحمتها في الواقع عن طريق الفتاوى. وبخاصة أنَّها وسط خطابات دينية تتحرك بكل مخالف في الآراء فما بالنا بمخالفي المعتقد.

لهذا كان طالبو الفتاوى بمصر يتساءلون: هل يجوز مصافحة الأقباط؟ هل سيدخل أحد من الأقباط الجنة مثل الأطباء والمهندسين؟ هل إلقاء السلام على المسيحي يشوش مزاج المسلم؟ هل للمرأة أن تتولى مناصب عامة ؟ هل لمس المسيحيين ينقض الوضوء(باعتبارهم نجس) وبالتالي هم مشركون؟

ثم جاءت الإجابات أكثر مكراً: أنَّ نجاسة المسيحيين ليست مادية بل معنوية!! فأي ذهنية تمسك بهذا الجلباب. في واقعة استبدال لفضاء الدولة بالآراء الدينية. وكأنَّ هناك حروباً نصية قديمة بين الدولة والفقهاء قد أتت من سحيق الزمان. وأخذت في الانتقام منها ضرباً على نسيجها الحي. فالنجاسة المعنوية توعز إلى عدم الاقتراب من المسيحي ابتداء. وتعنى عدم الاعتراف بالحياة الاجتماعية التي تحتويهم بين جنباتها. وإذا كان ذلك كذلك فإن السياسة لن تبتعد عن الفتوى.

ولنلاحظ اقتران المرأة بالمسيحيين في صيغ الفتاوى. والسائل المنتظر خلفها ليس فرداً بالتأكيد بل روحاً لجماعة وظيفية قابعة داخل اللغة. فالمجتمعات العربية ترمي مثل هذه الأسئلة الاقصائية. لأنَّ موضوعي السؤال ( المرأة والمسيحيون ) عامان بما فيه الكفاية. بحيث لا يُعنى فردٌ واحد بمصيرهما. من هنا فإن خطورة نصوص الفتاوى تكمل بعضها البعض خارج حدودهما.

فلئن كان الافتاء حول المسيحي سلوكاً تجاه طرفه الأخر المسلم، فإن المسيحية هي الموضوع المقصود للفتوى. ليدخل الإسلام وجهاً لوجه في الدائرة التي قد يدخل فيها أي دين. وتصبح المرأة قرينة هذا الرفض تجاه المغاير دينياً. وهنا ايعاز بتماثل الاختلاف الديني مع الاختلاف الجنسي. وتكمل الثقافة الداعية إلى احتراب هذه العناصر اقصاء الطرفين المذكورين.

إنَّ تاريخ الفتاوى الدموية تحديداً كان مليئاً باستباحة ساحة الطرفين. فالمسيحي مهدور الدم، ممنوع من الصرف بلغة النحو، مهمش، يتحسس مصيره بين الفينة والأخرى. جرى ذلك بالعراق وسوريا ومصر وتونس. وتأكدت الحالة أثناء الربيع العربي وعواصفه. فالمسيحي كان أول من تمت التضحية برقابه وتهجيره وهدم كنائسه.

أما المرأة فهي مهدورة الارادة، ملحقة بالرجل، لا قيمة لها إلاَّ كلاماً، مقبورة سلفاً في براقع لا تنتهي. من بيت أبيها إلى بيت زوجها إلى قبرها الأخير. ما بين هذه المراحل لا قدرة لها على الاستقلال والحرية. وتذهب إلى المجال العام عرضاً تحت ما يسمى بالكوتة الانتخابية (أي اختيار عناصر نسائية من قبل السلطة ) للبرلمانات أو تنصيب امرأة كاستثناء وسط الرجال. وليس مصادفة أن أغلب المؤسسات يتم اختيار عناصر نسائية ومسيحية في مناصبها العامة بهذا الشكل غير الديمقراطي. لأن الديمقراطية غير موجودة أصلاً خلال تزاحم الافتاء مع فاعلية القوانين ومجتمع المواطنة والعدالة.

وهنا لأول مرة ربما في تاريخ الفتاوى أن تصبح النصوص الفقهية وجوداً مادياً( أكشاك الفتوى). ليمثل الرأي الديني طبيعة ليست طبيعته. أي دخل حيزاً خارج ذاته في إطار أوسع بشكل ملموس. في تلك اللحظة لن يكون معتبراً إلا في مجالات ليست له كما السياسة والاخلاق والثقافة.

وبخاصة أن الممسكين بجلباب الشرع يفصلُّون الأقمشة لكافة الأحجام. واسعة، ضيقة، طويلة، قصيرة. كيفما تشاء السلطة الحاكمة. بينما بإمكان المجتمعات تمزيق الأزياء الدينية بسهولة. فهي كيانات كلية- أو هكذا يفترض- تسير خلال التاريخ. لكن عادة ما ينسي هؤلاء الممسكون بالجلباب تلك الحقيقة. فالتاريخ يغير محتوياته ولا يثبت. يُحوِّل ولا يقنن فقط. ويدمر ما كان راسخاً بخلاف الصورة النمطية عنه. التاريخ يرث – بمعناه البكتيري- جميع افرازات المجتمع. فهو الجاري بالتحلل لأية تراكمات صلدة. وبخاصة تلك التي تعلو – بالقيمة مثل الفتاوى والجماعات الروحية والدينية - فوق مساراته الزمنية.

وليس أقل فهما لطبيعة التاريخ من الاتجاه نحو الخروج منه. فالإفتاء لا تاريخي دون ريب. لكونه يقتاد مجموعات بشرية تساق بآراء ونصوص. دون اعتماد راهنية المجال الذي يوجدون فيه. والنسيان هو آفة التاريخ الكبرى. تلك الآفة التي تقرض كالجرذان حيويته. وستكون لعناتها هي الجانب الذي يحتِّم تكرار مآسيه.

فالدواعش والجماعات الاسلامية هم نتوءات كارثية نتيجة تجاهل التاريخ. فيبدو العقاب فورياً بهذا الكم من القتل وسفك الدماء. فلو كان العرب يجيدون قراءة التاريخ ما كان ليكابدوا الويلات تلو الويلات من اعادة انتاج العنف. ويبدو أن تاريخنا السياسي مازال مقبرة لإفراز هذا الانتاج. ومن أسف أن المقبرة تشمل جميع أطياف الواقع السياسي. مهما تكن عناوينها الدينية والسياسية. حتى الدولة ذاتها غدت تمارس عنفاً محتكراً وبنفس الكم المتاح لدى الجماعات الأخرى. سواء أكان في اعلامها ومناهجها الدراسية التي تقمع التمرد والتحرر تحت أسماء التنميط أم من خلال الوظائف السياسية التي تكرر أعمال السلطة وخططها الاجتماعية والاقتصادية.

بالمقابل يفترض أنَّ الإنسان كائن تاريخي، لا حقيقة له سواه. وهو الذي يتعلم منه كيف يوجد، كيف يعيش بحرية. فإذا فقد خطاه فسرعان ما يفقد هذا الوجود. لأن الكائنات الأخرى لا تتذكر مثلما يفعل البشر. جميع لحظاتها حاضرة بحكم فاعلية الإنسان أيضاً. أما الأخير فينظر إلى ماضيه بوصفه حاضراً بل مستقبلاً بأحيان كثيرة.

وهنا سؤال تالٍ: ماذا لو تحدثت الفتوى عن طبيعة هذا الفضاء العام؟ إنها الخطوة التالية المنتظرة دوماً... هنا تكون الفتوى في مواجهته مباشرة. والحقيقة أنها ستفعل ذلك طالما دخلت المعترك. لأنها لا تتم كفتاوى إلا بافتراض اتباع كل الناس بما تقول. وهذا الافتراض ليس اعتباطاً بل بدلالة وجود الإفتاء في مساحة من عمل الدولة والمجتمع والثقافة.

إذن المبررات المطلوبة وراء الافتاء يجب أن تستمد من طبيعة الفضاء العام وإلاَّ فلا مبرر لها. ويعتبر خطأ منطقياً في صلب الدولة إذا كانت ذات طابع نوعي. لأنها تتعارض وهذا الفضاء من نقطة الانطلاق. كما أنها تصر على تجزئته بحكم شخصانية التوجه والنتائج الدينية.

وتبدو الفتاوى مدفوعة بتسيس معين. حتى أن جماعات الارهاب الديني كثيراً ما اعتمدت على تأثيرها المسيس هذا. وهم يعلمون أنه لا يوجد ما يكسر ظهر الدول الرخوة أكثر من الفتاوى التي تنخرها من الداخل. إن تكالب الدواعش على المجتمعات العربية كان بفضل فتاوى تكفر هذه المجتمعات. حيث تعلن ارتدادها عن الدين وأنها أولى بالمحاربة قبل مواجهة الأعداء.

وبالمناسبة مهما تكن الأيدي التي تمسك بالشرع فإنها ستتلاعب بهذه الوفرة خارج الدين لصالح أيديولوجيا الدين. فلا تخلو فتوى من إمكانية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبينما لا يوجد في السياسة هذا الشيء نظراً لانعدام معايير الصحة والخطأ لأنها بدائل وتجارب، فإنّ ذهنية الافتاء تؤكد إلزام الأمر معروفاً ومنكراً. أي في نفس الوقت الذي قد يأخذ فيه الناس بالمعروف وينكرون المنكر فإن السلطة الوليدة هنا تتصادم بالضرورة مع سلطة القانون والتعايش. حتى وإن كان الاثنان( الفتوى – القانون) صحيحين.

فسلطة الافتاء تنتمي إلى جلباب الشرع. وهو خاص مهما يكمن كبيراً. بفضل توقفه على الإيمان وانتقاء المواقف والأعمال. وطالما كان ثمة سلطة ضمنية فإن هناك قفزة ضمنية أخرى باتجاه تديين الدولة. أي انزالها من كونها شخصية اعتبارية إلى مستوى الترديد اليومي بفتاوى الفقهاء. وتلك المرحلة الأخطر لأن الدولة ستتجرد من عموميتها لكل المواطنين وإلباسها ثوباً خاصاً. وهذا حلم كل جماعة دينية تسير في ذات الطريق. وأيضاً هذا بخلاف طبيعة الديانة الإسلامية التي لم تؤهل أية جماعة كهنوتية للتحدث باسمها. ولم ترشح فقهاء لالتهام مجال عاجزين عن إدارته.
إنَّ الفتاوى القائمة ابتداء على التصنيف ضد منطق التعايش الثقافي. لأن هذا الشيء ينمو بفضل ممارسات المجال العام. فالتعايش يعني اعتراف واجراءات وحوارات وتقاطعات بين جميع عناصر المجتمع ومكوناته. ليس مهما فيه الأحجام النوعية بقدر ما يكون المجال متاحاً للتعبير عن الوجود والنشاط بكل حرية واختلاف وتمرد. وأنه المجال الذي يحمي عناصره بذات الوقت الذي يعطيهم تكافئاً لارتياد كافة الأفاق دون تناقض.