لماذا الدعوة لموت النقد الأدبي؟!

شكيب كاظم
2017 / 8 / 4

لماذا الدعوة لموت النقد الأدبي؟!
مناقشة لبعض آراء الناقد عبد الله الغذامي
شكيب كاظم
احترم كثيرا آراء وكتابات الناقد السعودي المرموق الدكتور عبد الله محمد الغذامي، ولقد كنت ومازلت أتابع منجزه المعرفي والنقدي بفرح وحبور، مأتاهما ان الثقافة العربية لتفخر إذ قدمت للعرب والإنسانية مثل هذا المفكر الجاد والصبور والدؤوب، ولقد سعدت حقا وأنا أتابع اللقاء الثقافي المعرفي الجميل الذي أجراه معه الإعلامي اللبناني المثقف جوزيف عيساوي، في ضمن برنامجه الأسبوعي المفيد والمهم (قريب جدا) والذي يقدم كل يوم سبت من خلال إحدى القنوات التلفزيونية الفضائية، ولكم كنت أتمنى لو استغل معد البرنامج ومقدمه ساعتي البرنامج لإفادة المشاهد من الحقل المعرفي الذي أوقف الناقد الغذامي جهده عليه، لكنني وجدت جوزيف قد اذهب وقت البرنامج وأضاعه علينا، بأسئلة سياسية حاول من خلالها إحراج الغذامي، تحتاج الإجابة عليها وعنها إلى حرية واسعة ومجتمعات وسلطات تقبل الآخر ورأيه، مما افقدنا متعة التعرف على زرع الغذامي وحرثه في دنيا النقد والكتابة التي خلق لهما، وما كانت السياسة وخاصة في خطابها الخطير من همه ووكده، كما قرأت شيئا من مقالاته ودراساته في جريدة (عكاظ) السعودية منتصف التسعينات.
الناقد عبد الله الغذامي، في ضمن مشروعه الثقافي المعرفي الذي زاد على الخمسة عشر كتابا، في الكتابة البعيدة عن ثقافة السرب والقناعات النهائية التي تأتي إلى الموضوع مدججة بفهم أحادي ببغاوي، وتكون صدى أجوف للآخر، بل الكتابة القلقة المغايرة والمقدمة لكل ما يحرك الذهن والعقل، أنها كتابات ضد سكونية العقل وكدت أقول بلادته، ولعل عنوانات كتبه ودراساته تفصح عن هذا العقل المغاير الجاد والمثابر، غير القانع والمستتر مثل: (الخطيئة والتكفير. من البنيوية إلى التشريحية) و (الكتابة ضد الكتابة) و(ثقافة الأسئلة. مقالات في النقد والنظرية) و (المشاكلة والاختلاف. قراءة في النظرية النقدية العربية وبحث في الشبيه المختلف).
في كتابة المهم (النقد الثقافي. قراءة في الأنساق الثقافية العربية) الصادرة طبعته الأولى عام 2000، والثانية عام 2001 عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء يُنَظِّر الدكتور الغذامي للنقد الثقافي وضرورته في حياتنا الثقافية كونه يتناول مجالات في الإبداع متعددة، ويدرس ظواهر وقضايا يأنف النقد الأدبي عن الاقتراب منها بله تناولها، فالنقد الأدبي يكاد يكون حكرا على الإبداع القصصي والروائي والشعري والمسرحي، لكن تطور الحياة وتشعبها، وهذا البث التلفازي الفضائي والإذاعي، فضلا على الصحيفة الورقية أو الالكترونية وشبكة المعلومات العنكبوتية، جعل مهمات النقد تتشعب وتتوسع لتشمل الأغنية والفيلم السينمائي والمسلسل التلفازي، بل لم يتورع عن الحديث عن مغنيات ومطربات وممثلي أفلام، فالحياة تتطور وتتغير ويتسارع هذا التطور والتغير، حتى تداخلت المكونات الثقافية وأصبح من الصعب الفرز بينها من ناحية التأثر والتأثير وغدت الكرة الأرضية قرية كونية(Global-Village) كما وصفها عالم الاتصالات الكندي مارشال ماكلوهان (1911-1980) وما عاد بمستطاع احد حجب مجتمعاته عن التأثر والتأثير والبث والاستلام، وإذا كان النقد بمدارسه المتعددة، الانطباعية والنفسية والتاريخية، فضلا على ما أنتجته الحداثة من بنيوية وتفكيك وشكلانية، قد أدى دوره وقدم منجزاته، وظلت هذه المناهج تتعايش وتتلاقح، وتؤثر في بعضها بعضا وتتأثر، تأخذ وتعطي والبقاء للأصلح والأدوم والابقى والافيد، وإذا كانت مناهج نقدية قد أعلنت سطوتها على ساحات الإبداع، فإنها أذنت بالانحسار والغربة لأنها أدخلت نفسها والقارئ في متاهات ودهاليز، وحاولت حجب المبدع عن إبداعه، وتأكيد سلطة النص أو الخطاب وهيمنته على القارئ، كما لدى البنيويين، رولان بارت وجاكوبسن وتودوروف مثلا في حين كان التفكيكيون على الضفة الأخرى من نهر النقد، لقد اعلوا من سلطة القارئ ومهيمناته على النص، كونه المنتج الحقيقي للنص الإبداعي، كما لدى جاك دريدا مثلا، فضلا على آراء الشكلانيين الروس التي برزت في موسكو عام 1915 من خلال حلقة موسكو اللسانية، لكنها جوبهت بالرفض والوأد من قبل دعاة الواقعية الاشتراكية الذين وثبوا على السلطة عام 1917 وكذلك جهود جماعة براغ النقدية.
كل هذه المناهج النقدية تعايشت وقدمت منجزها المعرفي، وسيزول من يزول، وسيبقى الذي يبقى-كما قلت آنفا- لان غربال الزمن النقدي، هو المعول عليه، أولاً وأخيراً، فلقد ظهرت الكثير من الحركات الفكرية والإبداعية وتركت آثارها الواضحة على مسيرة الحياة والفكر والسياسة وهناك من استلمت السلطة لعقود طويلة من الزمن وتبناها أكثر من حاكم، المأمون مع الفكر المعتزلي مثلا، لكنها رحلت وأذنت بالأفول لأسباب عديدة، وظلت ذكراها في بطون المتون والكتب، لكن ان نأتي مدججين بالدعوة إلى منهج جديد، لم تختبره الحياة وتثبت صلاحيته ونأتي من الجهة الأخرى مدججين بالدعوة لموت منهج نقدي آخر، فهذا مما لا يأتلف مع طبائع الحياة والبحث العلمي والأدبي.
الدكتور عبد الله الغذامي يدعو للنقد الثقافي وهذا من حقه وشأنه، فالحياة في تغير وتطور ونحن بحاجة إلى توسيع مجالات الدرس والبحث، أما ان نطالب بموت المنهج النقدي الآخر (النقد الأدبي) الذي يعني شطب كل انجازات الإنسان النقدية منذ مئات السنين، منذ ان أبدع اليونان نقدهم وحتى زمننا المعاصر، فهذا غير مقبول ولا معقول.
يقول الغذامي: وما يتراءى لنا جماليا وحداثيا في مقياس الدرس الأدبي، هو رجعي ونسقي في مقياس النقد الثقافي (...) وبما ان النقد الأدبي غير مؤهل لكشف هذا الخلل الثقافي فقد كانت دعوتي بإعلان موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه (...) وليس القصد هو إلغاء المنجز النقدي الأدبي، وإنما الهدف هو تحويل الأداة النقدية من أداة في قراءة الجمالي الخالص وتبريره وتسويقه بغض النظر عن عيوبه النسقية إلى أداة في نقد الخطاب وكشف أنساقه، وهذا يقتضي إجراء تحويل في المنظومة المصطلحية...ص8
لم يترك الدكتور الغذامي دعوته إلى موت النقد الأدبي من دون تعليل وتسبيب، ولكنه وهو المدجج بكره النقد الأدبي، ما ترك منقصة إلا والصقها بهذا النقد، لا بل جعله سبب الكثير من البلايا التي نعانيها، ذلك لان النقد هذا اهتم بالجمالي الخالص، وخاصة في الشعر ولان العرب امة شعر، والشعر ديوانهم فانه هاجم الشعر وخاصة أغراضه الشائعة المديح والهجاء والفخر، جعل شعر المديح، والشاعر المداح سببا في إنتاج الدكتاتوريات والزعيم الأوحد والقائد الذي لا يقبل النقاش ورأي الآخر ولا أقول الرأي المغاير وخصص فصلا هو الرابع لمناقشة هذه المسألة وسمه بعنوان (تزييف الخطاب/صناعة الطاغية).
لقد هاجم الناقد المفكر الدكتور عبد الله الغذامي الشعر، ومن قبل الغذامي هاجمه وسفهه الدكتور علي الوردي، من خلال مناقشته المطولة مع الدكتور عبد الرزاق محيي الدين-رحمه الله- على صفحات الجرائد منتصف الخمسينات، والتي جمعها ونشرها في كتابه (أسطورة الأدب الرفيع) لقد هاجم الغذامي الشعر، وجعله شماعة علق عليها كل إخفاقاتنا وتأخرنا وبلايانا ولم يقف عند الشعراء القدامى والمبرزين منهم: بعض شعراء العصر الجاهلي والمتنبي وأبو تمام بل امتد إلى شعراء زماننا هذا واقفا عند نزار وادونيس ولم يسلم حتى اسمه من الفحص والتفسير وكيف انه ترك اسمه الأول المركب (علي احمد سعيد) إلى اسمه الإبداعي المتعالي ادونيس (وهو تحول له دلالته النسقية، حيث هو تحول من الفطري والشعبي إلى الطقوسي، وهو هنا يختار مسمى سيكون علامة ثقافية فاصلة تتضمن الفحولية الجديدة، حيث هو اسم مفرد، كبديل عن الاسم المركب وهو اسم يحمل مضامينه الوثنية التفردية والمتعالية، ويحمل هيبته الأسطورية وعلوه المهيب. في ذاكرة تسلم بالمطلق وتخضع للأب وتنصاع للتعليمات، ومسمى ادونيس الأسطوري يؤكد هذه الدلالة ويعززها، ومن التحول من الاسم الشعبي المركب إلى الاسم الأسطوري المفرد، يتحول الفتى ليقول شعرا ويشبعه بالتنظير، وكل ذلك في خطاب ينضح بالنسقية والفحولية).ص272
مؤكدا فحولية الشاعر العربي، في مواجهة الأنوثة، عادا الفحولة ضد العقل وهي اللفظ في مواجهة الأنوثة التي تعني العقل والمعنى.
أنا لست في موضع الدفاع عن الشعر والشعراء، فأنا لي موقفي الخاص من الشعر والشعراء الذي يقترب من الوصف القرآني لهم، ولولا أداة الاستثناء الواردة في النص الكريم، لذهب الشعر أدراج الرياح، والذي تعزز من خلال دراسة حيوات العديد منهم، من القدماء والمحدثين، وانك لتعجب من البون الشاسع والواسع بين القول والفعل، هم الذين يقولون ما لا يفعلون، وقديما طردهم أفلاطون من جمهوريته، لأنه ما كان بحاجة إلى جمع من العاطلين والمتورمين بالانوية المتعالية التي لا ترى غيرها، وفي حياتنا نجد الجواهري الكبير على جلالة قدره ومنجزه، كيف يحيا ويتصرف واقرب مثال ألينا ما كتبه عنه الشاعر جابر الجابري، فكنت تعجب من هذا التصرف الذي لا يتماشى مع السن المتقدم والمنجز الشعري الثر، مع قناعتي الراسخة بوجود الطفل في أهاب كل منا، فنحن مهما أنجزنا وكبرنا يظل الطفل المخبوء في جوانحنا يطل علينا بين آونة وأخرى.
أقول أنا لست في موضوع الدفاع عن الشعر والشعراء، فلهم ألسنتهم الحداد، التي يدافعون بها عن أنفسهم كما ان عداوتهم بئس المقتنى، على لغة المتنبي لكني لا أكاد اتفق مع الناقد الغذامي بجعل أسباب أدوائنا عائدة إلى الشعر وبسببه، إذن ما أسهل علينا ان ننفي الشعر من حياتنا، لتتفتح أبواب الحياة الرخية العذبة أمامنا، ان من التبسيط المخل ان نجعل السبب كامنا في علة واحدة، وبألغائها تنحل كل عقدنا في التخلف والتأخر!!.
(هذه كلها –يقول الغذامي- من المورثات النسقية التي اخترعها الشعر وغرسها في النسق الثقافي، حتى صارت سمة للمؤسسة النخبوية الثقافية والرأسمالية ومن ثم فان شعرنة القيم هي الناتج الثقافي لقبولنا بالنموذج الشعري بنمطه المدائحي المتمثل للقيم الشعرية في حالتها المزيفة والكاذبة والاستعلائية، وفي تشرب المؤسسة الثقافية لهذه القيم وتبرير تصرفها من المدخل الجمالي المتعالي والمُنْبَتْ عن النظر العقلاني والمنطق الفعال،وهذا هو الرفث الثقافي الذي ورثناه من الشعر، بعد ان تزيف على ايدي المداحين، وصار الابلغ هو الاكذب وهو الاظلم وهو الأكثر ذاتية وأنانية وتعاليا على الآخر وعلى قيم العمل والفعل، وهذه هي الخلاصة النسقية التي تحل العقل الصنيع محل العقل الذاتي..)ص189.
كما وجدت الناقد الدكتور عبد الله محمد الغذامي في مواضيع عديدة من كتابه المهم هذا يحاول، يحاول لَيَّ النصوص وكسر رقاب المرويات التاريخية لتكون في خدمة الفكرة التي يريد تسويقها وتسويغها واني لأعجب كيف يعتمد روايات مهلهلة جاءت في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني أو في (مروج الذهب) للمسعودي ليبني عليها جبلا من المفاهيم الجليدية، التي تذوب أمام أول سطوع لشمس حقائق الحياة والأشياء منها قوله نقلا عن المسعودي، ان عيسى بن علي ذكر ان المنصور كان يشاورهم في جميع أمره حتى امتدحه إبراهيم بن هرمة في قصيدة قال فيها:
إذا ما أراد الأمر ناجَئ ضميره
فناجى ضميرا غير مختلف العقل
ولم يشرك الاذنين في سر امره
اذ انتقضت بالاصبعين قوي الحبل
تغير المنصور من رجل يستشير في كل أمره إلى رجل مستبد ومطلق، غيره بيت من الشعر وهو ليس بيتا مفردا ومعزولا، انه نسقي يحمل دلالة تمثل فيها وظيفة الشعر ببعده السلبي- تراجع ص156.
وقائع التاريخ والحياة تؤكد ان المنصور لم يغيره بيتا شعر لإبراهيم بن هرمة بل الذي أراه ان المنصور لم يعد يستشير أعمامه،عيسى وسليمان وعبد الله، منذ ان خرج عبد الله عليه، حتى إذا فشلت حركته اختفى عند أخيه (سليمان بن علي) والي المنصور على البصرة، لكن المنصور ظل يطلب عمه ويتطلبه لمعاقبته وأخيراً لم يجد سليمان بدا من ان يسلم أخاه عبد الله إلى ابن أخيه المنصور، بعد أن طلب من ابن المقفع كتابة وثيقة الأمان له.
وهو لم يقف عند المنصور في هذه القضية بل يعود إليها مؤكدا (وتتضح العلاقة العضوية بين المثال الشعري والسلوك عبر المثال الشعري واستدعائه ليكون سندا في اتخاذ القرار مع الخصوم فالسفاح والمنصور والرشيد والمأمون مثلا كانوا يجدون في الشعر مصدرا للرؤية ونظاما في الحسم وما من قرار اتخذه السفاح إلا وكان رديفه بيتا من الشعر وكان المنصور يشاور رجاله حتى مدحه شاعر وصفه بفحولة القرار حتى لا يحتاج إلى معين، فقطع عادة التشاور استجابة وتحقيقا للشرط الشعري والرشيد اتخذ قراره ضد البرامكة حينما ترنم مغن بأبيات لعمر بن أبي ربيعة تحثه على الحسم وقتل وسجن أعوانه الذين ما كانت نفسه ترتاح لوجهاتهم بإزائه..ص218
وارى أن النظر إلى مثل هذه الأمور الحساسة في تاريخ الدولة والخلافة بهذا التسطيح والتبسيط مما لا يأتلف مع أصول البحث العلمي والأكاديمي فليس لبيت شعر، مهما عظم الشعر أو قائله يكون سببا في تغيير سياسة الدولة وحاكمها ولقد بينت آنفا السبب وراء ترك المنصور استشارة أعمامه، بعد ان تمرد احد الأعمام عليه، وخبأه العم الآخر واليه على البصرة عنده حتى إذا ألح في طلبه والحف، سلمه بعد كتابة وثيقة الأمان التي حبرها عبد الله بن المقفع وكانت – كما أرى سببا في مقتله- للاستزادة تراجع مقالتي (من قتل عبد الله بن المقفع؟ شخصية حاذقة في روايات متناقضة) صفحات ألف ياء جريدة (الزمان) العدد الصادر يوم الأحد 17/أيلول/2006.
أما الرشيد الذي كان يدبر بليل، مسألة إزالة التأثير البرمكي على مقدرات الدولة، وقد اختمرت الفكرة في رأسه بعد زيادة تجاوزاتهم، ما كان بيت من الشعر تغنيه جارية أو مغن سببا فيه، الجارية التي تنشد قولا للشاعر عمر بن ابي ربيعة:
ليت هندا انجزتنا ما تعد
وشفت انفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة
انما العاجز من لايستبد
ومن اجل ان يؤكد مقولاته في هيمنة الشعر والشاعر على مقدرات الحياة العربية، فقد رأينا الدكتور الغذامي، يقبل مرويات أخرى ضعيفة بشأن ظاهرة الإقواء في الشعر، الذي قال الرواة أنهم دفعوا بجارية لتغني أبياتاً للنابغة الذبياني كي تظهر له الإقواء الذي وقع فيه، ولكن كما يقول الغذامي من يجرؤ على مواجهة الفحل، ويل لرأس من جرؤ لسانه على ذلك-ص211
وما أظن ان هناك من خوف يمنعهم من البوح بذلك للنابغة ومِمَ يخافون؟ ولم؟ ولكن الغذامي من اجل تأكيد فحولة الشاعر وهيمنته على أذواق ومقدرات الناس قَبِلَ الرواية على علاتها وفسرها على الوجه الذي يخدم آراءه وأفكاره، والبيت الذي أقوى فيه النابغة الذبياني قوله:
امن ال مية رائح او مغتدي
عجلان ذا زاد وغير مزود
زعم البوارح ان رحلتنا غدا
وبذلك خبرنا الغراب الاسود
وفي رواية وبذلك ينعاب الغراب الأسود.
فالروي – هو الحرف الأخير من بيت الشعر – مجرور وفي البيت الثاني مرفوع، ويكون النابغة قد أقوى، والإقواء عيب من عيوب الشعر، إذ يجب أن يأخذ الروي حالة إعرابية واحدة في كل أبيات القصيدة: رفعا أو نصبا أو جرا.
وإذا كان الغذامي في ظاهرة الإقواء الذي ارتكبه النابغة قد استند إلى مرويات تاريخية أو أدبية فانه استند إلى مرويات شفاهية يؤكد هو وصفها بالتراث الشعبي، حينما يورد شطر بيت مشهور لامرئ القيس: مِكَرٍ مِفَرٍ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معا، ولم يستطع امرؤ القيس إكمال البيت، تصور هذا الشاعر المفوّه، الملك الضليل، صاحب اليوم خمر وغدا أمر لا يستطيع إكمال عجز بيته ولكن يأتي إكماله عن طريق جارية خائفة!!
ودائما يؤكد الغذامي ظاهرة الخوف، لتكون متوائمة مع نسق الفحولة والسطوة التي عليها الشعراء، جاءت راكضة التي سيدها صارخة لتقول: سيدي لقد جاء الذئب من الخلف مسرعا ومباغتا كجلمود صخر حطه السيل من عل، وهنا لقنت سيدها تمام البيت دون ان تعرض نفسها للخطر ص211، ولم الخطر؟ وعلى الرغم من ان الرواية ما جاءت في مصادر تاريخ الأدب فان الغذامي يقبلها كونها متوائمة مع ما يريد البرهنة عليه مؤكدا ان هذه القصة من التراث الشعبي وقد سمعتها من والدي – رحمه الله – ولم أتمكن من العثور عليها في المدونات ولكنها من الواضح أنها تحمل دلالة نسقية تتطابق مع الشرط النسقي، كما وضحناه ص212 وهكذا يكون الدرس الأكاديمي، قبول حتى المرويات الشعبية البعيدة عن دواعي البحث العلمي لأنها تحمل دلالة نسقية يريد الغذامي البرهنة على صحتها بكل الوسائل والسبل!!
في الفصل الخامس الموسوم بـ(اختراع الصمت: نسقية المعارضة) من كتابه المهم هذا، يناقش الدكتور الغذامي، مسألة الصمت والحض عليه والحث، إذ يزاوج بين ظاهرة الفحل الشعري، إزاء اسكات الآخر، ومن اجل ان يظهر-كما قلت- هيمنة الشعر وسطوة الشاعر على الحياة العربية، فانه يقتبس من التراث رواية مهلهلة ضعيفة لا تكاد تقوى على الوقوف امام ضياء الحقيقة ولقد عجبت من قبوله هذه الروايات التي يجب ان يخضعها لمعايير النقد ومسباره، وهو الناقد الكبير والأستاذ الأكاديمي لكننا – للأسف – نكون انتقائيين اختياريين عندما يكون هذا المُختار مهما كان ضعيفا، مؤيدا لأقوالنا وتوجهاتنا، وما نريد البرهنة عليه وإلا كيف جَوَّزَ لنفسه قبول رواية (صحيفة المتلمس) التي وصفها بالصحيفة النسقية، التي فحواها ان طرفة بن العبد وقد سمع شعرا لعبد المسيح بن جرير المعروف بـ(المتلمس) جاء فيه وصف للجمل باستعارة أوصاف الناقة فاعترض طرفة بقولة ذهبت مثلا وظلت تضرب في أسماع الزمن (لقد استنوق الجمل) أي أصبح الجمل ناقة فقال المتلمس ويل هذا – وأشار إلى رأس طرفة – من هذا.. وأشار إلى لسانه – أي ويل لرأسك من لسانك والكلام يحمل معنى التخويف من النطق والإفصاح والتزام فضيلة الصمت التي لا تطيح بالرأس، وحدث ان طرفة هجا عمرو بن هند، فوصل الهجاء إليه، ومن اجل ان يَسْتَرضياه ذهبا المتلمس وطرفة إلى الملك عمرو بن هند ليمدحاه، وبدل ان يكرمهما أعطى لكل منهما كتابا موجها إلى عامله في البحرين لمكافأتهما مع ان في كلا الكتابين أمراً لواليه بقتلهما!!.
في الطريق يعرض المتلمس كتابه على فتى قارئ، فيفهمه فحوى الكتاب فينجو، لكن طرفة وقد اخبره المتلمس بفحوى الكتاب يركب رأسه فيذهب الى البحرين مسلما كتابه مؤملا النفس بأعطيات الوالي، فيقتله!!
هذه الرواية الركيكة المتهافتة التي لا يقبلها العقل، يقبلها الغذامي ليتوصل إلى ما أقام كتابه عليه من ان فحولة الشاعر المهيمنة، لم تقبل اعتراض الشاعر الشاب طرفة على الشاعر الفحل المتلمس، فادى الاعتراض، القول إلى مقتله ثم تأكيد مقولته بسيطرة ظاهرة المطالبة بالصمت على الخطاب العربي، فلو سكت طرفة لما قتل ولو لم يعترض على ظاهرة استنواق الجمل لما قتل وهو الذي حذره من الكلام ويل لهذا من هذا ويل رأسك من لسانك!!
ومما يقدح في صحة هذه المروية ان الملك عمرو بن هند وقد مدحاه المتلمس وطرفة أما كان الأجدر ان يكافأهما ويصفح عنهما بدل ان يكتب لواليه في البحرين كي يقتلهما؟!!
لماذا لم يسألاه عن السبب؟!! وإذا خافا ان يسألاه اما كان الأجدر ان يسألا نفسيهما؟!! وإذا وجد المتلمس في نفسه شكا، فعرض كتابه على قارئ من اجل ان يظهر سطوة الشاعر الفحل الذي لا يذل فانه اثر قتل الشاعر الشاب طرفة بن العبد، الذي كان لسانه سببا في مقتله!! ومع ان الغذامي يؤكد انطواء المروية هذه على حزمة من المتناقضات النسقية فانه يقبلها – كما قلت- على عللها وعلاتها لتأكيد مقولاته في فضيلة الصمت!!
لقد عرفت ظاهرة الاستطراد الأدبية العربية أيام فجرها وبداياتها ولقد كانت هذه الظاهرة بادية وفاشية في كتابات الجاحظ ابي عثمان عمرو بن بحر (150-255هـ) ومعاصريه واللاحقين ابن قتيبة (ت في 276 هـ) في (عيون الأخبار) أو المبرد (ت 285هـ) في كتابه (الكامل) مثلا وارى انها بسبب قلة التراكم المعرفي الإنساني يوم كانت المعارف في بدايتها ولم يكن هناك ذلك الخزين المعرفي الواسع فضلا على إنها من الجهة الأخرى – تعبير عن إمكانات المؤلف وكثرة معارفه الذي يضرب في مجالات متعددة، والكاتب حريص على إبهار المتلقي وإظهار تميزه ومعلوماته وهذه من الفِطَر التي فطر اللهً الناس عليها من العجب بالنفس أما حينما كتب الجاحظ كتبه المتخصصة مثل: (الحيوان) او (البخلاء) او رسائله فقد خفتت ظاهرة الاستطراد لكن الناقد الغذامي يتساءل من اجل ان يؤكد ان كتابات الجاحظ كانت خروجا على المتن أو طردا له بوصف ذلك اساليب المعارضة المخاتلة!!
(في حالة الجاحظ) يحق لنا أو ربما يجب علينا ان نتساءل عن أيهما الأصل الكتابي عنده، اهو المتن أم الهامش؟ وهل كان الجاحظ يستطرد خروجا على المتن، أم ان المتن عنده كان وسيلة يتوسل بها كي يخرج إلى الهامش من تحت المتن، ومن ثم لا يكون المتن إلا قناعا يتوسل به لغرض ابعد من مجرد تسلية القارئ؟ لقد كان الجاحظ يقول في علنه انه يستطرد لكي يسلي القارئ ويزيل عنه الملل، غير إننا نجد من المبررات ما يكفي لكي نتساءل عن وظيفة الاستطراد عنده، وعما إذا كان الهدف ابعد من الدعوى المعلنة؟ ص234.
ولا أرى ان ذلك مطابق لوقائع التاريخ والبحث، فالجاحظ المعتزلي، كان نتاجا لفكر السلطة التي تبنت فكر الاعتزال وأعلت من شأنه، وخاصة أيام المأمون (170-198/218هـ) وأخيه المعتصم (179-218/227هـ) لذا فلا حاجة كي يستخدم الاستطراد لأهداف ابعد من الدعوة المعلنة لأنه ما كان يخاف من البوح وتناول المسكوت، والمغضي عنه.
ان حديثي هذا أرجو ان لا يفسر قدحا بإمكانات المفكر عبد الله الغذامي، الذي اُجِّلَ كتاباته واحترمها، بل هو مناقشة لبعض ما لا اتفق فيه معه، والاحترام لا يعني التوافق التام فاختلاف الآراء والتفسيرات جبلة جَبَلَ اللهُ البشرَ عليها.