في الخلاص السياسي

سامي عبد العال
2017 / 7 / 31

أظهرت الأزمات المتعاقبة على أوطان العرب هذا البحث الفوضوي عن مُخلِّص. وهو بحث تكمُن داخله نوازع ( دينيةٌ مؤكدةٌ ) تدفع نحو أية قوى وإنْ كانت مدمرّةً. أي أنَّ الوضع قد فاق حدود التمييز بين التعاون والتآمر على الذات. وبات الخلاصُ خارجياً ميتافيزيقيا حول من يستطيع الوقوف بجانب الدول العربية خيراً وشراً، بناءً وتدميراً. وهذا كان أساس التبعية والانسحاق أمام مجتمعات الغرب طوال عقود. مما جرَّ سياسات اقتصادية ريعية تخدمُ من أدناها إلى أعلاها مصالح الدول الكبرى. لأنَّ دورات الأموال – ومعها دورات السياسة – تُعَمَّد في ذات البئر بصرف النظر عن قضايا الشعوب والتنمية الداخلية للمجتمعات.

وفلسفة الأخلاق تفتقد إلى أي ميدانٍ نقدم فيه هذا التوصيف. إلاَّ حينما تتسع المذاهب الكلبية لمثل هذا النوع من التيه الغريزي الأخلاقي والسياسي. لأنّه غير مفهوم على مستواه الواضح. كما أنَّ هناك عوامل وحالات تتداخل في تكريسه استعصاءً على الحل. مثل افقار الشعوب بفعل فاعلٍّ، ومثل استخدام وسائل الاعلام للتلاعب بمشاعر الجماهير وتوظيفها. ومثل بناء جدار عازل حول السلطة من الأغنياء وأصحاب الحظوة أحال دون تداولها.

وبالتالي تمثل هذه الدول اسماء هلامية دون محتوى حقيقي. مما جعل الشعوب بلا وظيفة إلاَّ النباح المتواصل كظاهرة صوتية. وينشغل المواطنون بنفس الآلية للتعبير عن فقرهم وعوزهم في البرامج التليفزيونية ومظاهر السخط العام. لقد انتقلت الدول العربية إلى برامج ضخمة باسم "التوك شو" talk shows الليلية. لا يسمع أحدٌ أحداً، إنما البطل هو الكلام في كلام من أطراف تفشل أمام الواقع ولا تؤثر فيه.

الوضع السياسي المتخلف ليس مرحلة ولا نظاماً بعينهما. لكنه تكوين تاريخي يوظف كافة الإكراهات والمواقف لصالحه بشكلٍّ شامل. فالحال السياسي يعكس الاعتقاد الديني الخادم له. والأخير يعجن ويغذي الممارسات السلطوية. وتلك تهيمن على الأعمال والعلاقات الاجتماعية التي تصل إلى أدنى الأفراد. ثم تحدد هذه الأعمال بدورها آفاق الفهم العام للمسائل والقضايا في كافة المجالات. بحيث لا ندري ماذا وراء هذا... ومن أي جانبٍ... وإلى أي اتجاه سيكون طرح المشكلات وعلاجها.

والكلبية السياسة في العالم العربي نوع من الفعل الغرائزي في شكل دول ومؤسسات. لقد أضحى هذا التخلف له المنطق الأساسي في إدارة الحياة. ولهذا سيكون من مكره التاريخي (أي التخلف) استغلال موارد الدين وأصوله دفعاً بظواهره على أنها حقيقية ولا غنى عنها. ونحن نعرف أنَّ مقولة ابن خلدون: حكم العرب لا يتم إلاَّ بنبوة أو ملك عضوض، تعني من بين ما تعنيه أرضية دينية تبرر السلطة وتتحكم فيها. وبالتالي قد تضعها فوق التاريخ تعلقاً بميتافيزيقا لها صورها في الاعتقاد والإيمان.

وانطلاقاً من أنَّ ذلك يلقي بنقع ( بآثار) مفاهيم الإله على السطح، فإنَّ قراءة المشهد دالة على تحويل المفاهيم اللاهوتية إلى غاية سياسية وطريقة عمل. بمعنى أن حقب الشحن اللاهوتي بأفكار حول المعتقدات طالما لاترتهن بالحرية والانفتاح فإنها تعيد إفراز مشكلاتها على مستوى جمعي. ينطبق ذلك على السلطة التي ترقع شعارات دينية (الممالك والإمارات) أو التي تعتبر ديمقراطية ومدنية (الجمهوريات).

إنَّ العلاقة بالإله من حيث هو قوة عليا تبث الجماعات البشرية عبره غاياتها وأسباب تنظيمها. وبدلاً من أن تغدو علاقة قائمة على التنوع فإنها تكرس حالة من انعدام القرار الجمعي. نظراً لفرض معتقد واحد وفهم مطلق لقضايا الدين الاسلامي. والدولة العربية هي القرار الجمعي الأبرز الذي يُصادر لحساب دول خارجية. ومن ثم يغدو التعلق الفردي بفكرة الاله متجلياً باستبداد الحاكم وزبانيته وعشيرته من جهة وبإلقاء كيان دولة في دائرة التبعية السياسية.

فالحاكم يعد نفسه إلها ضمنياً بينما يعتبر الشعب عبيداً لا رفض لهم ولا قبول. وبذات المنطق الذي يراها ضرورياً لبقائه المقدس يحرك مجمل دولته نحو القوة الخارجية بالمضمون اللاهوتي نفسه. وذلك في مراوحة سياسية تكرر جميع المعاني الخاصة بالتعلق والاعتماد. فالشعوب تلهث وراء خلاصٍ من حكامها وكذلك يهرول الحاكم بدولته في فلك عالمي... كيف نخرج من تلك الدائرية التي استغرقت أجيالاً ؟!

لعلَّ الخلاص السياسي نقطة جامعة للأفكار السياسية والدينية على السواء. وهما الاثنان (الحكام والشعوب) يحاوران بعضهما البعض استناداً إلى فكرة الإله. ويفهمان المشكلة بصمت مريب دون حل. لأن طقوس الدين وخطاباته تحولت إلى مسكنات تخدر قوى الصراع وتجنب الطرفين الاصطدام المباشر. وإذا ظهرت أعراض أزمة فسرعان ما يكون سبب المشكلة هو العلاج. وما يتم بالاعتماد المتبادل بين الدين والسياسة يتم بتوقف أحوال العالم العربي على قوى دولية أيضاً. لأن القوالب تتبادل المواقع من الدين إلى السياسة والعكس.

والدليل أنَّه مع أزمة الخليج الأخيرة كانت المحاولات لفك شفرات القضايا بين قطر وجيرانها تمر عبر الدول الخارجية. فتذهب الواحدة بعد الأخرى إلى كعبة البيت الأبيض ليتم إقرارها وغربلتها لتأتي إلى رعاياها ثانية. وللإله القابع هناك حرية القص والحذف والزيادة والإضافة والقلب. ولربما صياغة السيناريوهات من البدء. ودعك من فكرة رفض العرب للمبادرات الأمريكية لحلحلة القضية. فهذا مجرد هامش على متن أصلي: أن الخلاص مدفوع الثمن في كل الأحوال. فالتعاون إتاوة بكل فروض الطاعة السياسية ونوافلها. كما أن أية علاقة ستكون متبوعة بإخضاع الشعوب إلى بارئها الأمريكي.

وفي هذا دائماً ما يردد العرب ضمنياً مقولة ( مع أمريكا ذلك أفضل ). هذا الترديد الذي قد يكون صمتاً أو عن طريق مؤامرات أو علاقات مباشرة أو قواعد عسكرية أو اتاوات اقتصادية. لتجيء أمريكا بمثابة الخلاص السياسي من المشكلات والحلول على السواء. المشكلات من حيث اعتبار أمريكا أحد العقد في مسارات السياسة العربية. والحلول لأنَّها أيضاً تُربك الأحداث بشكلٍّ مضاعف. ونادراً ما تطرح حلولاً تخدم الأوطان قبل أن تخدم مصالحها الذاتية.

بجانب ذلك فإنَّ الأنظمة العربية تدرك نوايا تلك القوة العابرة للسيادة والأموال والثروات الطبيعية. وتسمح الأنظمة بالإعلان عن اعتبار أمريكا حليفاً لا غنى عنه. وعندما تقع الكوارث سرعان ما تلقي عليها المسؤولية. وأنَّها التي تقف وراءها. مما يطرح مسألة شائكة. هل السياسة برواسب الدين تنطوي على خداع ذاتي هو سبب المرض المزمن؟! كيف تكون أمريكا هي المتآمر والمخلص في ذات الوقت؟!

طبعاً لا يخفى على القارئ وجود همس لاهوتي بهذه الفكرة. جاء برسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي ( لي اشتهاء أنْ أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً ). وكذلك يجر العنوان معه إيقاعاً سياسياً جنباً إلى جنب. حيث مازالت أمريكا لاعباً حاضراً في تفاصيل العالم العربي وأحداثه وهواجسه. وتدير الاستراتيجيات التي ترسم حدود الصراعات. وكيف تستمر أو تتوقف أو تخرج بنتائج أمام العالم.

وهنا القضية تكمن في أمريكا حصراً. فهي دولة امبراطورية توظف قدراتها السياسية والعسكرية نحو أهدافها الخاصة. يساعدها في ذلك أن فضاء العالم مفتوح للعب كل الأدوار الممكنة وغير الممكنة. وتعكس هذه المكانة مدى التقدم العلمي والحضاري لأيَّة قوة من جهة. وتعكس استخدام الإمكانيات في إدارة الإحداث واستثمارها من جهةٍ أخرى.

لدرجة أنْ تحولات الخريطة العربية ترتهن بلاهوت أمريكا إجمالاً. كما أنَّها لم تترك مساحة لدول العرب دون وصايةٍ. وقد يقول قائل هذا أمر طبيعي من زاوية ضعف التأثير السياسي لتلك المنطقة. وبذات الوقت هناك إسرائيل التي تعهدت الأنظمة الأمريكية بحمايتها وتوفير الأمن لها مهما يكن الثمن.

إلى حد بعيدٍ هذا صحيح لأنَّ العرب ما كانوا ليعيشوا دون خلق قوة أعلى تحدد علاقاتهم بأنفسهم وبالعالم الخارجي. فإنْ لم تكن هي أمريكا لكانوا قد نصَّبوا قوة سواها للقيام بالدور نفسه. فالعرب لا يستطيعون مواجهة العالم بمفردهم. لأن مجتمعات تعيش في كافة مناحي حياتها على انتاج غيرهم وثقافته ومعارفه لن يكون أفعالها سوى لصيقة بمواقف غير مواقفها.

وأمريكا استطاعت أن تغلف كل علاقاتها وقواها الإقليمية بمآرب الهيمنة والسيطرة. وهي دولة تؤكد ماذا تريد رغم ضبابية المشاهد. لقد رجعت خطوة في المسألة الليبية تاركة فرنسا وانجلترا في المقدمة لتدير الأحداث من الخلف. واعتمدت على إمساك خيط الاخوان والجماعات الإرهابية ولم تقترب من الحالة المصرية. لكنها وضعت الجماعات السابقة تحت تصرفها وأطلقت لها العنان والرعاية لإحداث الفوضى. وفي سوريا كانت تضع نصب أعينها على التدخل الروسي وتركت سورياً إلى مصير الدمار ثم دعمت قوات على الأرض.

والتبعية بجانبيها تقع داخل القوالب الدينية المألوفة حول الحياة السياسية. فالنصوص الدينية تعطي للشعوب خلاصاً بالحاكم لا غيره. والخطورة هنا أنها تستعمل كمبررات لأية أوضاع قائمة.

وهكذا فإنَّ للدين قدم كبير في هذه المسألة. لأن المجتمعات التقليدية تحتاج إلى رعاية قوة ميتافيزيقية دائماً. مثلها كمثل الفرد العادي. لأنَّ الدين يحفر هذه الفجوة الأعمق في تاريخ التفكير السياسي. فعناوين المؤلفات الأم في التراث السياسي العربي والاسلامي تطلب خلاصاً من الدين داخل السياسة والسياسة داخل الدين. مثل التبر المسبوك في نصيحة الملوك للغزالي وكتاب السياسة الشرعية في أحوال الراعي والرعية لابن تيمية.

وكل ما سبق يعطل معنى الحياة السياسية المدنية. لأنَّ السياسة لا يوجد بها خلاص بدلالته الميتافيزيقية. كما أنَّ تضخيم القوة الخارجية بترك المجال للتلاعب بالداخل أمر لا يعطي أولوية لإرادة الاستقلال. ويجعل الأوطان محميات مرهونة بسياسات الدول الكبرى.

من زاوية أخرى كان الخلاص بتأسيسه الديني لاهوتاً أرضياً لجماعات الاسلام السياسي. سواء في شكل الخلافة أو الدولة الدينية أو الهياكل التنظيمة. حيث حاولت إيهام الشعوب بتحقيق الجنة على أرصفة المجتمعات ونواصيها. بينما كانت تسعي إلى مزيد من المآرب الخاصة. ولم تمر عليهم بضعة أشهر- كحال إخوان مصر- حتى نشب التحارب على أخونة الدولة. وبعدما فقدوا كرسي السلطة مازالت ذاكرة الإخوان تعمل على حلم العودة بنفس منطق الخلاص.

في مقابل ذلك وضعت الحداثة مفاهيم الثورة والتغيير الاجتماعي بخلاف قوالب اللاهوت السياسي. وتعتمد المفاهيم على إرادة الشعوب دون تأخر. فيكون الإنسان مركز التطور الفكري والسياسي. ذلك بهدف التعايش والمشاركة الفاعلة في السلطة. والمساهمة في بناء المجتمع نحو الأفضل.

لذلك ليس للمجتمعات العربية إلا أن تبني أنظمة مدنية توفر آليات التغيير من داخلها. فكل طاقة فائضة سواء أكانت انحرافاً أم قدرات لا بد أن تعتبر رصيداً لآفاق جديدة. فالأنظمة السياسية تجدد نفسها عن طريق التنوع في مواردها وأدواتها وقدراتها الإنسانية. وإقامة دولة القانون والحرية إلى أقصى مدى.

وبالتالي ما لم يكن الخلاص تحرراً مدنياً لن يستطيع المواطن الحياة في ظل المواطنة. لأنَّ السياسة بدون خلاص ميتافيزيقي هي المرحلة الراهنة من تنوع الاتجاهات. ومع الانفجار الحركي للأجساد في الواقع الافتراضي لم تعد الغايات معلقة. حيث تداخل الرؤى واختلاط المفاهيم بتحولات التكنولوجيا ووسائل التواصل. وهذه الأشياء تفترض تحرراً يومياً وليس لاهوتياً بحال من الأحوال.