من المذكرات : مع الشهيد عدنان المالكي. 2 - على جدار الثورة . رقم - 161

جريس الهامس
2017 / 7 / 31

من المذكرات :مع الشهيد عدنان المالكي . 2 - على جدار الثورة . رقم - 161
بعد فشل: كل محاولات القمع والإرهاب التي مورست علينا وعلى أهلنا في الخارج - التي لم يتعرض لمثلها غيرنا حسب معلوماتي ..ورفضنا التوقيع على صك ألعبودية توقعنا الأسوأ من هذا النظام الديكتاتوري الأمريكي الصنع الذي نفّذ الإتفاقية مع شركة التابلاين الأمريكية - السعودية لتمرير أنابيب النفط إلى الزهراني جنوب لبنان عبر الأراضي السورية التي عجز عن تنفيذها العهد السابق أمام رفض الشعب لها...
في نهاية نيسان 53 على ما أذكر . وفي منتصف الليل تقريباً سمعنا صوت بساطير قادمة بإتجاه زنزانتنا..بقينا جالسين القرفصاء كالعادة لضيق المكان ..
فتح الباب ووقف أمامه مدير السجن ( عزت حسين ) مع عدد من الشرطة العسكرية وقدم لنا ضابطاً برتبة مقدم يدعى ( عبد الحق شحاذة ) قائد الشرطة العسكرية يريد سيادته التحدث إلينا .. بدأ كلامه بحرصه على مستقبلنا وعلى عامنا الدراسي ..وأنه لايريد منا سوى التوقيع على تعهد بسيط بعدم العمل في السياسة ..وتأييدعهد سورية الذهبي بقيادة زعيمه الشيشكلي ...كررنا رفضنا وطالبنا بإحالتنا إلى القضاء , أو إطلاق سراحنا دون قيد أوشرط ..لأننا لسنا مجرمين ...عندها جنّ جنونه ..وكاد الغضب والحقد يعميه فقال بالحرف الواحد :: ( طيب وقعوا لنا عدم العمل في السياسة من الآن حتى صباح الغد ..شو راح ندخِّل القوات الأمريكية الليلة إلى سورية ؟؟ ) أجبناه بالرفض .. فإزداد جنونه وبدّل الحقدلون وجهه القبيح وإنصرف متوعداًبعد أن رفس باب الزنزانة ببسطاره ...وبعد إنصرافه ساد الهرج والمرج في الطابق السفلي من السجن حيث كان الجميع يصغون لما جرى وعلت الضحكات وعلى زئيرالشهيد عدنان المالكي ...الذي ملأ السجن محبة وتضامناً ..وهزءاً بالجلادين المرتزقة ..ما أسجله للأجيال الثائرة على الإستبداد
المزمن وللتاريخ ليس قصة خيالية لكاتب أو روائي ..إنها كما وقعت حرفياً
عاد إلى مكتبه في قيادة الشرطة العسكرية التي كانت في البرامكة مقابل الجامعة السورية تماماً. وجمع ضباطه وهويلطم على رأسه قائلاً: ( ولي مين هؤلاء الطلاب المشاغبين لوكان في سورية مئة مثلهم لخربوا البلد ) هذا مانقله لنا صديقنا الضابط الوطني " فواز محارب " الذي حضر هذا الإجتماع . توقعنا الأسوأ وهو تفريقنا وتعذيبنا بعد هذه الزيارة . وقررنا الإضراب عن الطعام لمجرد تفريقنا وهذا ما حصل فعلا:
في اليوم التالي أخذوا أصغرنا الطالبين الرفيقين : "عطالله قوبا " من ثانوية الآسية بدمشق -- " وعلاء الرفاعي " من ثانوية في حمص إلى مركز الشرطة العسكرية ومارسوا التعذيب والترغيب عليهما دون جدوى . أما نحن فقاموا بتوزيعنا على الزنزانات الفردية على جانبي بوابة السجن في الطابق الأرضي التي أطلق عليها السجناء إسم " المقابر " مارسوا كل الوسائل لتركيعنا وفشلوا ..كما فشلوا في إرغامنا على إنهاء الإضراب عن الطعام الذي بدأناه فور تفريقنا .. كانوا يخرجوننا لقضاء حاجة مرة في اليوم..كان المرحوم عدنان المالكي في الساحة بجانب غرفة مدير السجن ..كان يحيينا قائلاً: ماحدا أكل لاتصدقوهم ..بقينا سبعة أيا م نعيش على الماء.
وفي اليوم الثامن جمعونا و حملونا بعد تضميد جراحنا في شاحنة عسكرية وأعادونا إلى سجن تدمر ...
في سجن تدمر وجدنا ثلاث رفاق مناضلين في الغرفة في إستقبالنا هم السادة :
- دانيال نعمة -- وإبرهيم بكري - والمناضل القيادي اللبناني .بدر مرجان .
لنتابع مسيرة العذاب في اليوم التالي حيث أخرجونا للعمل في الأشغال الشاقة بين آثار زنوبيا ونحن مضربون عن الطعام ....
سقط من رفاقنا إثنان مغمى عليهما ونحن في مسيرة العذاب الصباحية في طريقنا إلى الآثار ..ثم أنهينا الإضراب عن الطعام ...ونحن الذين إكتشفنا بمعاولنا مسرح تدمر التاريخي القديم الذي كان عبارة عن تلة من التراب والرمال ..
تغير مناخ سجن تدمر الإرهابي بالتدريج ..فمدير السجن الجلاد ( نجدت العطار ) القومي السوري نُقلَ إلى حلب . وجاء مكانه ضابط عراقي وطني , من ضباط ثورة رشيد عالي الكيلاني . في العراق الذين لجأوا إلى سورية بعد فشل ثورتهم , هو المقدم (مفلح العلي ) كان يخجل اللقاء بنا ..
كما نقل إلى قوات البادية في تدمر الملازم أول المرحوم ( نزيه الجمالي ) وهو شقيق رفيقنا ( سميح الجمالي ) ..أذكر أنه أمر الجلاد المغربي ( أبوعلي ) بعدم تعذيبنا وتزحيفنا مع المجندين يومياً -( وقد إغتاله الإخوان المسلمون في مكتبه بدمشق بعد أن أصبح محاميا ظلماً وعدوانا عام 1980
)...كما نقل إلى تدمر الطبيب الوطني ( وهيب الغانم ) وكان يؤدي الخدمة الإلزامية . وقدم لنا مساعدات كبيرة كما قام بعض المجندين الشجعان بأخذ صور لنا ونحن نعمل بين الآثار..تحت التعذيب نشرت في صحيفة ( في سبيل سلم دائم ) العالمية وفي صحف تقدمية لبنانية ..كما علمنا بعد خروجنا من السجن ..كما أذكر يومها وصلتنا رسالة إلى السجن من خالد بكداش من مقره في براغ بواسطة المجند عبدالرحمن محفل شقيق المناضل الحلبي الكبير المعروف ( المحامي أحمد محفل ) الذي كان في تدمر أيضأ..يقول فيها حرفياً : ( أنتم جناحي الذي أعتز به في الإتحاد السوفياتي ...... بين المناضلين ..إلخ ). وبقي العريف (عسكر حافظ )الطيب يقدم لنا مساعدات ..وبعد توجه الديكتاتور نحو إصدار دستور جديد على مقاسه وإجراء إنتخابات تشريعية مزيفة علّه ينال الشرعية لم نعد نذهب مع قافلة المجندين المعذبين إلى الآثار...وخرجنا من السجن دون قيد أو شرط في أواخر آب 53 من مكتب الشيشكلي نفسه في الأركان العامة بعد إعتذاره منا لإضاعة عام دراسي لنا ,,وقدسبق لي نشر تفاصيل ذلك ...
نعود لموضوعنا مع الشهيد عدنان المالكي :
بعد سقوط ديكتاتورية الشيشكلي وفرار الديكتاتور في 25 شباط 1954 ..نقل العريف " عسكر حافظ " إبن مدينة تدمر الشهم الذي كان يساعدنا في المعتقل كما ذكرت سابقاً من بلده تدمر إلى جبهة الجولان براتب ضئيل في تلك الأيام وهو رب عائلة كبيرة ,
في أحد الأيام كنا في نادي الجامعة ..وإذ بأحد العسكريين يطوف بين الطلاب سائلاً عنا . .كان العريف عسكر حافظ ..تسابق الشباب للترحيب به ودعوته للغداء ..بعدها شرح لنا وضعه الصعب ووضع عائلته بعد نقله للجبهة طالباً مساعدتنا إذا أمكن .. تداولنا الرأي ورأينا الأفضل زيارة العقيد عدنان المالكي في الأركان العامة بعد تسلمه بجدارة قيادة الشعبة الثالثة فيها ..قال له الرفيق نور الدين الأتاسي أبشر يا أبا وليد أبشر ..المهم أخذنا موعداً من عدنان عن طريق شقيقه المحامي رياض ..ورفض الدكتور المرحوم " سليمان شكور " إلا الذهاب معنا لأن العريف " عسكر أنقذه من الموت قبلنا بعام أثناء إعتقاله في تدمر ..يوم علقه الجلاد" نجدت العطار" من رجليه في شمس تموز المحرقة وهو ينزف ..فإستنجد عسكر سراً بطبيب الموقع لإنقاذه وكان يومها الطبيب " صفوح أتاسي " وهو زميل سليمان في كلية الطب ؛حضر بسرعة وأنقذ زميله سليمان ..ولم يكتفِ بذلك ..بل مسك الجلاد - نجدت العطار - ورماه على الأرض وداس على رقبته أمام جميع الجنود ..هذا ما حصل حرفياً ...المعذرة عن خروجنا على تسلسل الأحداث ..
ألمهم ذهب سليمان معي ومع نور الدين والعريف عسكر ..رفض رياض وعدنان إستقبالنا إلا في منزلهم ..إستقبلنا عدنان أجمل إستقبال ..شرحنا له الموضوع ومعاملته الطيبة للمعتقلين في السجن وقضية نقله للجولان . قال بسيطة تكرموا ..وقال لعسكر : المهم ما تتغير ياعسكر..خليك إبن هذا الشعب العربي الشهم ..
وعندما جاءت القهوة حملها لنا عدنان بنفسه ..فنهض العريف عسكر ليأخذ صينية القهوة من يده قائلاً : عفواً سيدي : قال له عدنان بلهجة الآمر :أقعد . أنت في منزل عدنان المالكي .أنتم ضيوفنا أهلا وسهلاً فيكم ..ثم قال بسيطة مابيصير إلا كل خير .. روح ياعسكرإلى قطعتك ولا يهمك ...ودعنا كما إستقبلنا بوجهه الضحوك وروحه الطيبة الأصيلة .
ذهب العريف عسكر إلى قطعته في الجبهة ,, فوجد برقية القيادة قد سبقته ..ينقل إلى إلى الشرطة العسكرية في بلده تدمر . ويرفع إلى رتبة رقيب لوفائه لشعبه ولشرفه العسكري ...
رحم الله الشهيد العقيد عدنان المالكي وكل شهداء الثورة السورية . مع كل الحب ..
31 / 7 -- لاهاي