هو الذي رأى...فاضل العزاوي الرائي في العتمة

شكيب كاظم
2017 / 7 / 30

عن دار الجمل صدرت عام 2016، الطبعة الأولى من كتاب (الرائي في العتمة. هكذا تكلم عابر المتاهات عن زمانه) للشاعر والروائي العراقي المغترب في برلين الدكتور فاضل العزاوي، الذي هو إلى جانب آخرين كبار، لا يزينون أسماءَهم ولا يسبقونها بالدرجة العلمية، الدكتوراه، لأسباب ذاتية عدة، لعل في مقدمتها ان هذه الدرجة لا تكاد تضيف إلى أبهتهم وثرائهم الإبداعي والمعرفي شيئاً وفي الذاكرة من كان ديدنهم هكذا، المفكر الشاهق إدوارد سعيد، فضلاً عن المبدع الكبير أدونيس، وعبد الرحمن منيف. فاضل العزاوي الذي تعرفت إليه – معرفياً وثقافياً- منذ أواسط عقد الستين من القرن العشرين، من خلال قراءاتي لما كان ينشره في جريدة (الثورة العربية) التي كان يصدرها الإتحاد الاشتراكي العربي، الهيئة السياسية الحاكمة في الأيام الأولى من عهد الرئيس عبد السلام عارف، اقتراباً من التوجهات الناصرية. فضلاً عن كتاباته وترجماته في جريدة (المنار) التي كان يرأس تحريرها عبد العزيز بركات، الذي أصبح نقيباً للصحفيين العراقيين وقت ذاك وكانت من أكثر الصحف مبيعاً، والتي أعتز بأنها تولت نشر أول مقالة لي عنوانها (رأي في القصة العربية) نشرتها الصفحة الثقافية في 28/ من نيسان /1966، كما تابعت النقود والتعليقات التي صاحبت صدور عمله الروائي الشعري الإشكالي الذي وسمه بـ (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة) وفي ظني أنها المرة الأولى التي يضع مؤلف اسمه في عنوان كتابه، وقد عرف فاضل العزاوي، بآرائه الصادمة لسكونية العقل العربي ورتابته، إذ يرى ان في الرواية كما في القصيدة واللوحة والمسرحية والفيلم والموسيقى يكون الإيغال في عتمة العالم، عبر هاجس الولادة والموت، عبر وحشة الكون ووحدة الوجود سلمنا إلى الحرية، وسيحدثنا في كتابه هذا (الرائي في العتمة)، كيف تمكن من إطلاق سراح روايته هذه إذ اعترض عليها الرقيب الحكومي في وزارة الثقافة ليوافق على نشر المخلوقات الجميلة بعد تأخير أستمر شهوراً، حيث ظل الكتاب ينتقل من رقيب إلى رقيب من غير ان يغامر أحد بالموافقة على نشره، وإذ نصّ في كتابه (الروح الحية. جيل الستينات في العراق) الصادر عام 1997 الذي نشرته دار الجمل – كذلك- على أن الذي عمل على إطلاق سراح كتابه المخلوقات الجميلة هو الشاعر والباحث الجامعي الدكتور خالد علي مصطفى، الذي اصطحبه إلى رئيس الرقباء الذي كان يعرفه شخصياً، لكنه في كتابه هذا أغفل الإشارة إلى ذلك ولعله أثر الاكتفاء بما جاء بـ (الروح الحية). يضيف الشاعر خالد علي مصطفى في الفصل الذي أوقفه للحديث عن فاضل العزاوي في كتابه المهم الموسوم بـ (شعراء البيان الشعري) الذي أصدره في بغداد عام 2015، وعنوان الفصل (فاضل العزاوي : الوقوف على حافة السريالية). يذكر الباحث خالد “ما أعرفه حق المعرفة، وأذكره جيداً أن الذي أمر بإطلاق سراح (المخلوقات) هو الشاعر المرحوم الأستاذ شاذل طاقة، الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الثقافة، بعد ان زرناه معاً، أنا وفاضل” تراجع ص 80 من كتاب (شعراء البيان الشعري).

وإذ يتولى إتحاد الكتاب العرب ومقره دمشق، نشر روايته (القلعة الخامسة) عام 1972، الذي كان يوصف بالعام الدولي للكتاب، التي كانت هي الأخرى قد رفضت الرقابة في العراق نشرها فهرَّبها فاضل العزاوي – كما يذكر ذلك في كتابه هذا – مع صديق له مسافر إلى سورية فسلمها للقاص السوري زكريا تامر، الذي كان يشرف على منشورات إتحاد الكتاب العرب في سورية حينذاك فقام بنشرها، تراجع ص145.

أقول تلقفنا نحن شباب تلك السنوات رواية (القلعة الخامسة) التي تشير إلى إحدى قلاع سجن الموقف العام في باب المعظم حيث تجري وقائع الرواية. والذي هُدّم في سنوات الثمانين من القرن العشرين، وأقيمت على أرضه مباني وزارة الصحة حالياً، أقول تلقفنا هذه الرواية بما يشبه المنشور السياسي السري، قرأتها وكتبتُ عنها حديثاً نقدياً وبأسم مستعار، نشرت مقتطفات منه مجلة (الطليـــــــــــــعة)الكويتية سنة 1975، لسان حال حركة القوميين العرب بالكويت ورأس تحريرها الدكتور أحمد الخطيب، فضلاً عن جريدة (الراصد) وأنها لمناسبة أن أدوّن للتأريخ الثقافي أني كنت أكتب بأسمين مستعارين، الأول” جلال خالد، مستعيراً عنوان أول رواية عراقية توفرت على بعض الشروط الفنية للرواية نشرها كاتبها محمود أحمد السيد عام 1928.والثاني: (جمال الحلاج) ومغزاه لا يخفى على اللبيب. ومع سنوات العتمة والضباب التي لفت العراق، واغتراب فاضل العزاوي، خف تواصلي المعرفي معه، حتى إذا أصدر الشاعر والباحث سامي مهدي كتابه المهم (الموجة الصاخبة. شعر الستينات في العراق) قرأته بشغف في يوم الثلاثاء 6/ من أيلول/ 1994، وكتبـــــــــــــت عنه حديثاً نقدياً نشرته ثقافة جريدة (العــــــراق) في 6/10/1994، وعقدت ندوة نقاشية للكتاب مـــــــــــــساء الثلاثاء 1/11/1994 تعذر علي حضورها بسبب هطول المطر واعتلال الصحة، وسينشر عنه ما تشبه الإضاءة للكتاب، نشرته ثقافية جريدة (الثورة) يـوم الاثنين 28/11/ 1994 التي كان يشرف عليها الشاعر عبد الزهرة زكي عنوانها (الموجة الصاخبة إيضاحات جاءت حول المنهج والهدف).

عتمة ثقافية

كما عدت مراراً إلى الصفحات التي خصصها سامي مهدي من كتابه آنف الذكر للحديث عن فاضل العزاوي ص 136)-(151. لكن هذه العتمة والضباب اللذين لفا حياتنا الثقافية تلك السنوات ما منعت عني أخباره ونتاجاته ولاسيما كتابه (الروح الحية) وبعــــــــــــد عام 2003، حصلت على نسخة من (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة) أصدرتها دار الجمل عام 2000 ووسمتها بـ (رواية) كما قرأت روايـــــــــــــــته (آخر الملائكـــــــــة) في 4/6/2016، وهي من منشورات الجمل الرواية الغرائيية السحرية التي يراها العزاوي تتواشج مع سحرية (ألف ليلة وليلة) والأساطير الدينية العربية والشرقية فضلا عن (الاوديسة) لشاعر اليونان الأعمى هوميروس وجحيم دانتي اليجيري، والشخصية المركزية فيها (برهان عبد الله) الذي فيه شيء من كاتبها فاضل العزاوي. هذه الرواية التي لم أتناولها نقدياً على أمل إعادة قراءتها وما يتوفر عندي من رواياته: مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة والقلعة الخامسة، فضلاً عن راويته (الأسلاف) كي تكون الدراسة أوضح وأشمل. الكتاب الذي أنا بصدده (الرائي في العتمة. هكذا تكلم عابر المتاهات عن زمانه) وعنوان الكتاب يستدعي للذهن ملحمة كلكامش وعنوانها (هو الذي رأى) وقد أحتوى الكتاب على أكثر من ستين مقالة لم يشر العزاوي إلى مكان نشرها، ويبدو انها كتبت على مدى سنوات طويلة، إذ فيها الكثير مما ذكره سابقاً، شاء لها العزاوي ان لا تبقى ثاوية مهملة، فأعاد نشرها، ولكي أكون شاهداً على نفسي وتأريخي – هكذا يدون فاضل العزاوي- جلست ووضعت هذا الكتاب الذي أردته أن يكون دليلاً لي، وليس لأحد آخر غيري، داخل المتاهة التي وجدت نفسي فيها فقطعتها حتى نهايتها المريرة. الحق إنني أردت دائماً أن أضع كتاباً يكون كل شيئ ولا شيئ في آن، بدون عقدة أو حل أو ما يشبه ذلك من التقنيات المألوفة في عالم الكتابة، رواية بلا محور أو مركز، كما كان يحلم بها فلوبير، مثلما يحدث في الرأس، حين ينتقل المرء بلا إرادة منه بين أكثر الأفكار تناقضاً وتنافراً (…). كنت قد أنجزت (…) الكثير من نصوص كتابي هذا خلال أعوام منفاي الطويلة، على شكل شذرات وتأملات ورؤى ظلت مهملة في أدراجي، لا أعرف ماذا أفعل بها، رغم إنها تقول الكثير عني (…) حتى وجدت مكانها أخيراً في هذا الكتاب الذي صنعَ نفسه بنفسه، كتاب يصعب تصنيفه ضمن أي جنس سائد، ولا ينتمي إلا إلى نفسه.

قالت الروح: كن! فكان. ص22.

العزاوي ذو مشروع ثقافي

في هذا التمهيد، وفي كل كتاباته ظل فاضل العزاوي، صاحب مشروع معرفي، يدافع عنه، ويحاول ترسيخ مضامينه، منذ كتاباته الأولى في جريدة (الثورة العربية) و (المنار) – كما أسلفت القول- فضلاً على البيان الشعري، الذي وشَّحــــــــــــــــَتْ مجلة (الشعر (69 عددها الأول الذي أصدرته المؤسسة العامة للصحافة والطباعة، وشحت صدرَها به، ووقّعه إلى جانبه سامي مهدي وخالد علي مصطفى وفوزي كريم، وذا ديباجة مميزة وأسلوب في الكتابة راسخ ومكين ومتين. ولأن فاضل العزاوي اسم مؤثر فيما عُرِفَ بتأريخ الأدب العراقي الحديث لـ(جماعة كركوك) فلا بد ان يِّدون شيئاً عن هذه الجماعة المؤثرة في المشهد الثقافي سنوات الستين من القرن العشرين وما تلاها، فيكتب مقالة عنوانها (ذات مرة في كركوك) ص101 من الكتاب يتحدث فيها عن زيارة له إلى بيت القاص والمسرحي جليل القيسي، صحبة الروائي الأردني غالب هَلَسا والناقد التشكيلي والقاص عادل كامل، مع سالمة صالح، وما شاب الجلسة من –توتر سببه سخف جان دمو وسلاطة لسانه واقفاً عند رأي جليل القيسي ودقته وعدم إضاعة وقته بلغو الحديث، وفارغ الأعمال، كان جليل القيسي مُرتباً، له دفتر يسجل فيه ملاحظاته على ما يقرؤه، وفي الوقت الذي لم تكن العلاقة بين أفراد جماعة كركوك تخلو من الشجار والغيرة الطفولية بشأن الكتابة، كان جليل – كما يؤكد العزاوي – أكثرنا بعداً عن المماحكات والمنافسات الأدبية بيننا.

صمتوا حين غادروا العراق

وإذ كنا نغادر العراق، واحداً بعد الآخر، بعد سنين من ذلك، كان يسرع قادماً من كركوك وينصح لنا بعدم المغادرة، وحين جاء لتوديعي (…) حين قررت مغادرة العراق في بداية العام 1977 قال لي بحزن: انظر ما حدث بالذين رحلوا. أنهم لا يكادون يكتبون شيئاً، ثم إذ يرى إخفاق مسعاه يبادر إلى كشف مشاعره هذا ليس عدلاً إنكم تذهبون وتتركوني هنا وحدي وهي مشاعر لم أفهمها إلا الآن، حينما صرت أراهم يرحلون الواحد بعد الآخر في سفر لا عودة منه تاركينني هنا وحيداً في هذا العالم غير العادل. تراجع ص 99.

ورأي جليل القيسي صائب وحقيقي، فلقد صمت أغلب أفراد هذه الجماعة، فهذا أنور الغساني، وأسمه أنور محمود سامي، يغادر الكتابة والأدب فعمل بالتدريس، في ألمانية والجزائر، ثم رحل إلى مدينة (سان خوسيه) عاصمة كوستاريكا، أستاذاً للصحافة في جامعتها، ويـــوم توفي هناك في 27/ من تموز/2009، كتبت مقالاً عنه في جريدة (الزمان) طبعة لندن عنوانه (كأن لم يَسمُر بمكة سامرُ. رحل أنور الغساني دون ان يذكـــــــره ذاكر) – الاثنين 24/8/2009، وقبل الغساني رحل سركون بولص في أحد مستشفيات برلين في شهر تشرين الأول / 2007، الذي غادر الشعر وأنشغل بالترجمة، وحتى زهدي الداودي الذي توفي يوم الجمعة 6/1/2017، خفّ بريقه الثقافي وأنشغل بالسياسة والتدريس والعمل النقابي الطلابي، حتى إذا أقام له بيت المدى للثقافة والفنون ببغداد جلسة إحتفاء ضحى يوم الجمعة 13/1/2017، سألني عدد من حضّار الجلسة عنه إذ لم يسمعوا باسمه، فضلاً عن ان يقرأوا له شيئاً، إلاه فاضل العزاوي الذي أوقف حياته كلها للكتابة والقراءة وأخلص لهما، فقدم هذا الكم الوفير من الإبداع الذي سيبقيه طويلاً في ذاكرة الثقافة على مستويات العراق والوطن العربي والعالم. وإذ كان فاضل العزاوي يتحدث عن جماعة كركوك الثقافية فلابد ان يقف عند شاخص مهم هو الأب يوسف سعيد، فخصّه بمقال عنوانه (القس السريالي) ليؤكد ان الأب يوسف سعيد، أو (أبونا) كما أعتدنا على مناداته منذ أيام الصبا الأولى وهو بردائه الكهنوتي الأسود دائماً، قد كسر كل الحواجز التي تفصل بين البشر بدعاوى المذهب أو الدين أو السياسة، مؤكداً إخوة الإبداع والكتابة والقراءة قبل كل شيئ آخر، ص101.

وكان (أبونا) يوسف سعيد قد غادر العراق سنة 1964، نحو بيروت، ونشر قصائده النثرية في مجلة (شعر) اللبنانية التي كان يتولى إصدارها ادونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج، ثم هاجر ثانية نحو السويد سنة 1970، فأخذ ينشر قصائد نثره في مجلة (الأديب) اللبنانية التي كان يصدرها شاعر قصيدة النثر- كذلك- البير أديب، وكنت أقرأ قصائده مدوناً مكان إقامته – السويد لكني في سنوات تلت، أي بداية عقد الثمانين من القرن العشرين ما عدت أقرأ له شيئاً، ويبدو ان صقيع السويد وليله الطويل وصمت الحياة هناك، فضلاً عن تقدم السن، كانوا وراء صــــمت الأب يوسف سعيد، الذي غادر الحياة يوم الثلاثاء 7/2/ 2012 رحمه الله.

العصف السياسي في العراق

ولأن فاضل العزاوي، قد عصفت به انواء السياسة العراقية العاتية ولاسيما بعد تموز 1958، مما صور بعضاً من مفارقاته المؤسية المأساوية في روايته (القلعة الخامسة) إذ لا يعرف الشخص المركزي للرواية سبباً لإعتقاله، كان جالساً في مقهى، شاء حظه العاثر ان وزعت فيها بعض المناشير السياسية التي لا يفقه لها معنى، فاعتقلوا من وزعوها، واعتقل هو معهم، مطلقين عليه صفة (الرجل الخطر)! وزيادة في الملهاة والمأساة، شاء فاضل العزاوي ان يطلق على هذا الرجل الذي اعتقلوه جزافاً إسماً ليس اسمه فإذ يجري التعداد تمهيداً لتسلمهم في موقف آخر ينادي عريف السجن على الأسماء.

– محمود سعيد

ليجيب هذا المسكين نعم إنه أسمي، أقصد إنه ليس اسمي لقد حدث خطأ وإن اسمي هو عزيز محمود سعيد، ليبرم مدير السجن الأمر، ساحباً القائمة من يد العريف، قارئاً الأسماء خشية خطا العريف، مؤكداً لا يوجد هنا سوى هذا الاسم ولابد إنه أسمك لا تؤخرنا، إذا كان عندك أي اعتراض فتقدم به فيما بعد، أما الآن فعلينا التوقيع على مذكرة استلامكم . ص13-ص14من الرواية. أقول: ولأن العزاوي قد عصفت به أنواء السياسة، فقد خصص الفصل الثالث من كتابه هذا لعوالم الاعتقال والسجون بعد شباط /1963، ولاسيما سجن الحلة الذي أمضى فيه شطراً طويلاً من مدة محكوميته البالغة ثلاث سنوات، الفصل هذا حمل عنواناً رامزاً (السيف والروح. هادم الأوثان داخل المعبد المقدس)، ليذكرني هذا الفصل بعديد الكتب التي قرأتها عن عوالم السجون في العراق، بدءاً بكتاب (مذكرات معتقل) للصحفي الموصلي عبد الله حسن، فضلاً عن كتاب (جدار بين ظلمتين) الذي كتب فصوله المهندس المعماري المعروف رفعة كامل الجادرجي وقرينته بلقيس (محمد) شرارة، وأخيراً كتاب (كوكب المسرات) للأديب محــــمد سعدون السباهي . ترى أيمــــكن أن أنسى (شرق المتوسط) للمبدع الكبير عبد الرحمن منيف؟!. إنها عوالم مأساوية وصاعقة.