قبل جَلْد الضحيةِ: أيْنَ كنتُّم...؟!

سامي عبد العال
2017 / 7 / 29

ثارت ثائرة البعض تعبيراً عن رفضهم لزيارة ضحايا الدواعش لأيَّة بلاد يكرهونَّها. سواء أكانت إسرائيل أم أمريكا أم السعودية... أم بلاد الجان والشياطين والهوام والعقارب. هذا كل ما كان يهم ( الآن ولا حقاً ) بالنسبة لمتفرجين من وراء زجاجٍ لا يرى شيئاً. وفي حالات مؤكدة يدركون كلَّ شيءٍ لكنهم يعوضون مواقفهم المتأخرة بإلقاء الذنب على المتَّهم. هذا الذي يقف عارياً مغتصَّباً ومقتوَّلاً ومنسحقَّاً أكثر من مرةٍ. كما في حالة الأيزيديتين نادية مراد وإخلاص. وهذه الأخيرة طفلة (14 عاماً) تعرضت للاغتصاب والتعذيب وانتهاك الآدمية حتى أبكت الحجر.

هؤلاء الساخطون على زيارة نادية مراد لإسرائيل حولوا الضحية إلى ضحية جديدةٍ. فقد أصبحت مُدانة بعدما وقفت كافة الحقوق والاعراف الإنسانية بجانبها. وإذا كان الدواعش مجرمين، فالجرم اللاحق- الذي لا يقل عن سابقه - هو تذكير الضحية بكونها ضحيةً. وبالتالي يجب أن تظل رهن هذه العاهة المستديمة. كما أنَّ رسم خطوط لمسارها هو تحويل عالمها إلى سجن لسجان وهمي اسمه: من يحنو عليها أو يدرك مصلحتها!! إنَّها العطالة التي لم تعرف حدود الجرائم الداعشية. ومن أين أتت... وكيف تسير نحو كياننا الإنساني قبل أي شيء آخر.

القضية لها عدة أسس يجب أخذها في الحسبان:

أولاً: أين كنتم عندما اُغتصبت الضحية في وضح النهار العربي؟! بل ما الذي جعل الضحية تقع في أيدي هذه العصابة؟ وما الذي جعل الدين الاسلامي يقع أصلاً بحوزة عصابات الاسلام السياسي؟! أليست داعش دليل إدانة مسبقة لمن يرجم الضحية لمجرد زيارتها لإسرائيل أو لغيرها؟! ألم تكن المشاهد اليومية للأيزيديين رجما لجماجمنا الخاوية إلاَّ من ترابٍ؟!

داعش هو العار الذي يقف أمامنا ماثلاً. عارنا نحن وحسب وليس عار أحد سوانا. حتى إذا هرب منه شخص مكلوم نبادر بتوجيه مساره. ذلك العار الذي لن نبرأ منه. لأنه يتهمنا أولاً بأننا مجرمون في تاريخنا وأفكارنا واستبدادنا وتخلفنا حتى في مروءتنا.

هنا تتساوى اسرائيل مع جميع دول العالم العربي. فهؤلاء لم يحركوا ساكنا عندما قتل الدواعش الأيزيديين ودمروا قراهم وذبحوا أطفالهم ونصبوا أسواقاً لبيع نساءهم. ستظل مأساة الأيزيديين هي فضيحة العالم العربي والاسلامي الأبرز طوال التاريخ. جريمة ارتكبها العرب مباشرة مع سبق الفرجة والتنطُّع. فأوعزوا إلى داعش بموافقتهم المائعة، بتأييدهم الضمني للذبح والاغتصاب والتشريد تحت أنظار العالم. عن طريق رفض وجود الأقليات الدينية والطائفية والمذهبية، وعن طريق تكريس ثقافة الكراهية لأي تنوع بشري وفكري. ولو أنَّ العالم العربي قد تطور وقدم جديداً راهنا إلى الإنسانية ما كان للدواعش أن ينبتوا مثل الأفاعي من لحومنا وثقافتنا!!

الدواعش هم نحن لو أزلنا النقاب (عنهم وعنا) في ذات الوقت. ألم يكن الاثنان متطابقين تماماً إلاَّ في الدرجة فقط؟ ومن يقُّل غير ذلك هو من يهم بلوم الضحايا. لأنهم ضحاياه في المقام الأول وضحايا عالمه العربي والإسلامي الطاهر!!

ثانياً: إنَّ ممارسة الوصاية على الضحية دور غير مبرر. بل يدعو للخجل والأسف وقلة الحيلة. ولئن كان القائم به – سواء أكان فرداً أم مجتمعاً أم دولة – يلوم على الضحية، فإنَّه يستعملها لمآرب غير شريفة. هي غير شريفة بهذا التمسح بوجهة نظر كانت بلا فاعلية ومجرد موقف سلبي. موقف ألاَّ يذهب أحد هناك إلى العدو(اسرائيل) طالما أنني أقف ثابتا هنا ولا أتغير. ولو كان يقصد حمايتها في إطار حظيرة المواقف البطولية تاريخياً، فأين كانت البطولة عندما اغتصبت الضحية؟ أين ذهب تاريخ النخوة والعزة أمام الدواعش ؟

فليذهب هؤلاء لتصفية حساباتهم مع اسرائيل قصداً ودون إبطاء. ولا ينبغي أن يمارسوا بالمواقف التاريخية وعظاً لأحد. فالوصاية هروب من المسؤولية وإبطال لكل مسؤولية آتية حتى تجاه الدولة الصهيونية المشار إليها.

تبدو الضحية بكافة المعايير الإنسانية لها حرية التحرك بين البلاد التي تزورها. وجميع الاعتبارات التي تطرح أمامها غير ملزمةٍ. لكونها اعتبارات فاشلة في منع قتل الإنسانية. ولا أقوال قتل إنسان بعينه في شخص هذا أو ذاك. وإذا كانت هذه الاعتبارات كذلك فكيف يُحتكم إليها بداعي الحصافة؟ فأية حصافة إذا كانت الضحية (نادية مراد) قد فقدت كل ما تملك وأهدر كيانها!!

ثالثاً: الأقرب إلى معالجة القضية هو الإتيان إليها من باب الإنسانية ليس أكثر. والإنسانية لا تفرق بين الأيزيديين والعرب والغربيين. فعندما انتهكت نادية مراد لم تكن إلاَّ إنسانة بصرف النظر عما تنتمي إليه.

إنَّ الإحساس بهذا اللا تصنيف هو الجوهر في قضية نادية مراد. أما زيارتها لإسرائيل فقد زارت قبل ذلك مصر وعديداً من الدول الأجنبية. ولم يعترض أحد في الغرب: لماذا زارت هذه الدولة العربية أو تلك. لأن المشترك في هذه اللحظة يتجاور كافة الحدود والمحاذير.

هذا المشترك لم يؤلم أحداً من هؤلاء الساخطين على سلوك الضحية. كان يجب أن يمسح الكراهية بين المواقف. لأنه بمثابة القدرة الذاتية على ملامسة الآفاق الأبعد والأرجب. كما أنه يذيب جميع الفوارق. وهذا هو المعزي الذي وقع في نفس نادية مراد حينما تزور أي بلد. كأنها تريد أن ترويل لكل إنسان مأساتها.

رابعاً: إذا كانت اسرائيل قد دعت نادية مراد لمآرب سياسيةٍ، فقد خسئت المآرب. لكن ما علاقة ذلك بنادية مراد. وفي كل الأحول ستكشف كم كانت الدولة المضيفة هادفة إلى التعامل الإنساني معها أم غير ذلك. ولا يحق لكائن من كان أن يخاطب الضحية بأن تتجنب ذلك. لأن حشر نفسه في الموضوع من باب آخر كما أشرت إليه لا يعني أكثر من الإضرار بنادية مراد.

ولا يعني عندما تزور نادية مراد اسرائيل أن تصب الزيارة في الفكرة المسبقة عن تلك الدولة. لأن ذلك خارج الموضوع. كما أنه سيُلقي تبعية النتائج عليك أنت: ماذا فعلت؟! لأنك لا تستطيع احتكار الفرص. فالعالم متنوع ومفتوح. ومن ناحية برجماتية إذا كانت اسرائيل موجودة كدولة ولم تفعل شيئاً، فكيف إذا استثمرت حالات إنسانية لصالحها؟!

والمراهنة في هذا السياق على الجانب الفارغ من العالم. بمعنى أن اسرائيل تحاول إظهار نفسها أمام العالم أنها دولة تحترم الإنسان وتقدره، فإنها قد نجحت. أما عندما تنكر أنت ذلك فلن يعني الأمرُ هذا الجانب من العالم في قليل أو كثير. لأن عينه على ذلك الفراغ وقد حدث. وأي موقف آخر سيكون سلبياً بشكل مقلوب عائد على الأطراف الكارهة للزيارة.

خامساً: لتكن الزيارة حتى للشيطان متاحة لأي إنسان. ولا يعني ذلك شيطنة الدولة العبرية بهذا التعبير. لكن لكل فرد حرية التنقل والحوار مع من يشاء. ومن هنا يعد موقف الرفض لأية زيارة بأسباب قومية وبلونية لا تفهم الواقع. وهي من قبيل الشعارات التي تحرم مواطنة للإنسانية أن تذهب أينما شاءت. وهذا بالطبع مع كل التنديد والشجب لما تفعله اسرائيل وتغتصب وتدمر!!

وإزاء الآلام الإنسانية تضيق الأرض جميعاً بما رحبت. وإذا كانت اسرائيل قد أذاقت الفلسطينيين الويلات والعذاب فلهم أيضاً أن يعبروا عن آلامهم لمن يشاءون. لقد أضيرت القضية الفلسطينية كثيراً. لأنَّ أصحابها قد صنفوا الدول سلفاً بين أخيار وأشرار. بينما نحن واقفون على براكين من الدم المسفوك. نادية مراد لم تفرق هذه التفرقة. كما أن جرائم اسرائيل البشعة لا تحول دون تسجيل موقف. إن الآلام تستدعي بعضها البعض ولو في عقر دار القاتل.

سادساً: ما كان يجب أن يدخل موضوع نادية مراد طاولة المزايدات. فقت تناسينا الأيزيديين بالكلية تفرغنا للدفاع عن شرف العروبة. وكعادتنا في حل المشكلات خلقنا صوراً كئيبة عن قضايا العرب. وأخذنا نحوطها بالسباب لدولة العدو بينما هي تتمدد وتعرف طريقها نحو التهام فلسطين جيداً.

والضحية لم تدعو اليهود إلى تأسيس اسرائيل. ولم تطلق وعوداً بوطنهم التاريخي في أرض كنعان. ولم تقل لهم اقتلوا الفلسطينيين واحرقوا منازلهم ولن تقول. لأنها ذاقت المرار من أمثالهم!! وخطأ كل الخطأ تحويل زيارتها إلى (حائط مبكى ) لزرف الدموع على أحوال العرب.

مرة أخيرة: نادية مراد إنسانة بالمقام الأول.... ولا يقدر ذلك إلاَّ إنسان... فهل هناك من يقدر ؟!