بانتومايم الإرهاب: داعش بوجه امرأة

سامي عبد العال
2017 / 7 / 28

بعض الموضوعات غريبةٌ على سياقها المعروف. لكن من الغرابة يتولد الاندهاش اللازم للتفكير. علماً بأنَّ الواقع قد بلغ حد الجنون الماكر. ذلك سواءٌ بالنسبة للفن والإرهاب أو للدواعش والمرأة. إذن: هل يستطيع الإرهابي التمثيل في الحياة بمعناه الفني؟ فنحن نعرف قدرته المتَّوحشة على القتل لكن ماذا لو انخرط في فاصل محاكاة صامت؟! ورغم عبث الفكرة إلاَّ أنَّها حقيقية بالفعل. حيث صنع أحد الدواعش - كما سأذكر - لنفسه وجهَ امرأةٍ بمساحيق التجميل (make - up ) حتى يهرب من القتال في الموصل العراقية.
والآن نتساءل: ما هي أبعاد هذا الوجه ( الداعشي – النسوي ) الإيحائي في موقف كهذا؟

كلمة بانتومايم ترجع الى اللغة الإغريقية. وهي مشتقة من جذرين:( Panto ) وتعني كل شيء و ( Mimeomai ) تعني أُحاكي، أُقلِّد. وبإضافة هذين المقطعين يظهر المصطلح الانجليزي بانتومايم Pantomime... أي فن التمثيل بالإيماءات والإشارات كفن لتقليد جميع ما تحتويه الحياة. ويعد الجسد وبخاصة الوجه شيئاً ضرورياً بالنسبة إليه. وهو ما توافر في الوجه الداعشي مجسداً مفارقات خاصة بالمرأة والارهاب ولغة سرد الأخبار والأحداث.

في حالات كثيرةٍ تُعدُّ الوجوه بصمات ثقافية حية لا تُخطئها العين. وباستطاعتنا التعرف إلى أية ملامح ستكون وإلى أيِّ مجتمع ستنتسبُ. لأنَّها معبرة عن أشكال الحياة وفقاً لعوامل الوراثة والثقافة الجارية والعلاقات الاجتماعية. كأنَّ نقول هذا وجهاً شرقياً وذاك وجهاً غربياً وثالث وجهاً جنوب شرق أسيوياً. ولهذا نادراً ما نتعثر في ارجاع تفاصيل الوجوه إلى جغرافيا الكتل البشرية في انحاء العالم المترامي. حتى على مستوى البلد الواحد كثيراً ما نخمن حينما تقابلنا وجوه أنَّها تعود إلى اسرة أو قبيلة أو عشيرة بعينها.

أيضاً الوجه من تلك الزاوية قابل للقراءة عن طريق الآثار والانطباعات التي يتركها. فقد يعتبر المرءُ أنَّ وجها معيناً أقرب إلى نفسه من غيره. كما أنَّه علامة لما بداخل الإنسان من مشاعر وعواطف وأفكار وغرائز. ولربما يرتبط بمواقف بارزة حتى أننا نميزه من بين آلاف الوجوه العابرة.

أخشى أنْ أؤكد أنَّ الوجه هو الإنسان حتى لا يقال هناك أشياء أخرى. لكن ذلك فقط لتبيان كيف يمثل مركز الصورة التي يرسمها الاسلاميون لأتباعهم. فهناك اللحية الملتفة والكثة والبارزة كمختصر للتدين بإطلاق. وهناك دوران الخدين بامتلاء الرأس. وهناك الكتفان العريضان أو النحيلان على صدر عامر بالإيمان والعضلات أحياناً. وهناك الجلباب الذي يتجاوز الثقافة المحلية ليعبر عن نمط شبه هندي باكستاني. لا نعرف كيف ترسَّخ ولا كيف غدا نموذجاً لتكرار الأشكال. هذا الجلباب الذي غزا أجساد الجماعات الاسلامية في منطقة العرب أكثر من سواها. وبالتوازي تبدو علامات الوجه منحوتة وصلبة دالةً على الحزم والشدة.

هذا فضلاً عن علامة الصلاة ( الزبيبة) التي تحتفظ بها بعض الوجوه الشرقة( المصرية) خاصة. ذلك... زيادةً في تحويل رصيد التوقير والاحترام ليصبحا من باب الدين وكفى. والوجه من ثم يصبح طقساً اسلامياً في مقدمة الرأس. ومع عواصف الربيع العربي كانت وجوه الجماعات الإسلامية تتحدث بالزبيبة والتشدد. وحرصت على الانتشار خلال البرامج والتظاهرات والحوارات التليفزيونية. ناهيك عن لهجة الحمد والتكبير والتسبيح الذي ظهرت مع أصوات المتطرفين وصراخهم في مناطق الصراع.

لكن هل سيظل الوجه بالنسبة للإسلاميين بصمة راسخة؟! وماذا لو تغيرت بصمته الذكورية لتصبح أثراً انثوياً هم يرفضونه؟!

هنا جاء الاستثناء الداعشي إذ تناقلته وسائل الاعلام العربية كما أشرت. حيث اعتقلت قوات مكافحة الإرهاب العراقية ذكراً داعشياً فاراً من الموصل. وقد تنكر بزي امرأة وانتحل شخصية نسائية شبه كاملة. ظهر مرتدياً فستاناً واضعاً أحمر شفاه وراسماً حواجب وسائراً بطريقة مناسبةٍ في المشي والكلام والالتفات. إلاَّ أنه نسي حلق شاربه والتخلص من ذقنه بالكامل، فكان أسهل وأسرع من سواه وقوعاً بقبضة الجيش العراقي. لذلك خطف الأضواء من "دواعش" كثر تم أسرهم وهم يحاولون الفرار متنكرين بزي النساء.
( الخبر على الرابط التالي: http://ara.tv/ycx88 )

السؤال: أهذا خطأ التجميل أم أنَّه تناقض وصل حد الانكشاف المأساوي؟! وبخاصة أن داعش له ماهية إجرامية تجاه النساء تحديداً. لقد أمعن في قتل النساء، سبى النساء، ابتاع واشترى النساء، فتح اسواقاً لنخاسة النساء، اغتصب النساء، استعمل النساء، استعبد النساء، مزق اجسادهن، استخدمهن في التفجيرات، مسخ كيان النساء، جعلهن متعاً لنكاح الجهاد، شرَّد النساء، رمَّل النساء وأثكلهن، شرَّد أبنائهن، أطعمهن لحوماً من أجساد أطفالهن كما فعل الدواعش مع الأيزيديات. إذن ماذا بقى من ممارسات إجرامية قد يتخيلها إنسان أو حيوان أو جماد أو شيطان؟ هل لم يبق إلا الوجه الأنثوي كخداع ؟

بكل تأكيد ليس هذا الوجه كياناً يرُد لصاحبه أي اعتبار، لكنه مظهر لشرور متأصلة في البئر الداعشي الأسود. كل وجه داعشي عبارة عن بئر من القاذورات البشرية وأعمال القتل والذبح. لا توجد داخله غير النوايا القاتلة والأشباح والشياطين ومصاصو الدماء. وكان عاجلاً أو آجلاً ستُكتشف حقيقته، إذ لن يستطيع التخفي ولا الهروب بما داخله ولو ارتدى مئات الوجوه!!

إذن " القضية الأظرف في كل وجه داعشي مستظرف " لو استعرنا أحد عناوين كتب التراث ( المستطرف في كل فن مستظرف لشهاب الدين الإبشيهي): أنَّه وجه لا يستطيع أنْ يتَّجمل. بل يستحيل ذلك، فهو شخص مسكون بالخراب. النفس خربة والقلب خرب والأعضاء أدوات خراب، الرأس بقايا أطلال وعناكب دموية... ماذا سيكون الوجه وإن وضع عليه جميع المساحيق؟!

جاء بصيغة الخبر المتداول:" ولم يذكر الجيش العراقي اسمه، ولا أسماء سواه ممن اعتقلهم متنكرين، بل نشر صورهم بثيابهم النسائية التي استخدموها، وأهمها صورة من نسي ذقنه وشاربه، إلى جانب صورته قبل التنكر، حيث نجد الفرق كبيراً في كل جزء من وجهه المكتظ بمساحيق التجميل". ( التفاصيل: http://ara.tv/ycx88 )

الداعشي بلا اسم، ولا رسم ... هكذا تؤكد الكلمات. فإذا كان الإرهابي في مرحلة ما يحرص على علامات التدين، فإنَّ الدواعش قطعوا هذه المسافة دونما رجعة. إنَّهم يجسدون فكرة دموية صامتة تقتل في بلادة. وتمسرح كل جرائمها بدم بارد وبهدوء إلى نهاية جنونها. ولا تخلو فديوهاتهم من تمثيل صامت. حركي إلى أبعد مدى لكنه تستنفر كل إحساسات المشاهد. ويستفزه لإحداث ذات الأثر المضاعف. عندئذ لا يملك أنْ يقول شيئاً إلاَّ الفرجة الصامتة أيضاً. لأنَّ الداعشي سيمضي في حين لن تفارق الصور البشعة خيال المشاهد.

ونص الخبر صيغ بمخزون اللغة التي تبوح في لحظات المصير. وربما الذي صاغ الخبر لم يكن ليقصد. لكن حيلة اللغة التي تحرص الإنسانية رغم التدهور بحقها أبت إلا أن تبوح عن الجريمة بصدد الوجوه. وكأنها قد رفضت إعطاء الارهابي وجهاً حتى لا يشترك مع أي إنسان في كيانه المميز.

ولأن بنية اللغة متداولة سردية، فكانت الصيغة المكتوبة فكراً في المقام الأول. وطالما أن اللحظة صامتة فيجب أن تسدد الضربات إلى الوجه الباطن للإرهاب من وراء الألفاظ. فلم يذكر الجيش العراقي أسماء أحد من الدواعش. هذه عقوبة في حد ذاتها مكتفياً بصدى المشاهد خلف الوعي المباشر بها.

وتمثل الصورة المعروضة لوجه الداعشي كوميديا آتية من قلب المأساة. فمع الكوارث يظهرون فجأة بملابس نسائية وبمكياج شبه كامل. إنها المفارقة التي تدعو إلى الذهول. ولا تفلت الوجوه الصامتة من السخرية والاشمئزاز. لأننا لو بذلنا ما لدينا ما كان لنا بوضع هؤلاء الدواعش على هيئة نسائية قبل محاولة خداع الجنود العراقيين.

والتناقض في حد ذاته يفضح التمثيل الداعشي المزدوج. فمنهم من رسم مكياجاً فاقعاً لكنه ترك أيضاً شاربة ولحيته معتمداً على النقاب الذي يرتديه. وبالتالي يبدو التنكر في وضح النهار، تنكر ظاهر لمن ينظر. إلاَّ الداعشي نفسه حيث يظن أنه بمنأى عن العيون.

وتلك قمة الملهاة كذلك: أن يمارس الداعشي أعماله ووحشيته على أنه في الخفاء بينما تتبعه العيون واضحاً كالشمس. بكل ما يضمر من عدوانية قاتلة خلف اللحية وتحت المساحيق وعبر جلباب النساء. إذن الخطأ ليس خطأ في التجميل بل في تلوين الارهاب وتمثيله بشكل مريب!!

جاء في سردية الخبر توضيحاً لهذا: " يبدو أنه (أي الداعشي) استخدم بودرة من نوع for ever الشهيرة، والتي توحد لون الوجه وتخفي العيوب الجلدية، لكنه بالغ بتكثيفها، فظهر وجهه مطليا وشبيها بقناع من الشمع، فيما نجد أنه نتف بعض شعر حاجبيه وأثقل الباقي بالكحل الأسود، كما بالغ بالكحل عند رموش عينيه. أما أحمر الشفاه، فجعله كثيفا أيضاً".
( راجع: http://ara.tv/ycx88 )

فرغم تركيز الوصف على الأخطاء الشكلية إلاَّ أنه يظهر خطأ الارهاب رأساً. كما يقول المثل الشعبي: "ماذا تفعل الماشطة في الوش (الوجه) العكر"؟... والدواعش لا يصلحون لتغيير الوجوه، فالتاريخ يشهد على هذا القبح اللانهائي. كيف تحجب المساحيق عيوباً بنائية في معتقداتهم حتى طفحت فوق جلدوهم. كما أن الوجه الشمعي سرعان ما سيذوب فجأة لتظهر الأشباح.

وكانت خاتمة السرد أن بدا الداعشي مع المكياج " كأنَّه أحد فناني " البانتومايم" الإيحائيين على خشبات المسارح ".( http://ara.tv/ycx88 )

الطريف هنا أنَّ ما يحرِّمه الدواعش (أي الفن والمسرح والتمثيل) ويقتلون الناس عليه هو ما فضح الخداع. إنَّه مكر التاريخ الذي يتربص بالمتربصين به على قارعة الطرقات. لكن أليس ذلك نوعاً من الاقتصاص الصامت من المجرمين؟ وألست تلك فكرة - تتحقق أحداثها - بأنه ستدور على الارهاب الدوائر ذاهباً إلى نفايات المجتمعات التي دمرها ؟!