محمد غني حكمت نحات الرموز الرافدينية

شكيب كاظم
2017 / 7 / 27

غالبا ما يؤدي الاهمال وعدم التشجيع، الى تلاشي مواهب وامكانات، زرعها الله في افراد
بعينهم، لكن هناك مواهب؛ وبراعم محظوظة، تهيء لها ظروف الحياة ومجرياتها، من يأخذ بيدها كي يضعها على طريق الديمومة والنماء والتطور، ومن هذه المواهب المحظوظة موهبة الفنان التشكيلي والنحات والخزاف محمد غني حكمت، الذي طواه الردى يوم الاثنين 12» من ايلول» 2011 في العاصمة الاردنية.
محمد غني حكمت، الذي هيأ الله له من يأخذ بيده ويشجعه وينمي رغباته ومواهبه، كان ابوه اول مشجع له اذ يقول في حديث صحفي جوابا عن سؤال من اكتشف الفنان فيك؟ يجيب فناننا الكبير، ابي، حيث بدأ يجهزني بما احتاجه من اوراق واقلام، ويشجعني ويدفعني للاستمرار.
تمثال شخصي
وبدأت بالمدرسة، حيث كنت اقوم، بتكبير صور الرياضيين العالميين، بحجوم كبيرة لكي توضع في النادي الرياضي. وعن اول عمل نحتي قام به؟ يجيب كانت اولى تجاربي، عائلتي حيث بدأت بعمل تمثال شخصي لابنة اخي سهام بالطين، ثم عملت تماثيل لابي ولاخي ثم لاصدقائي وتماثيل شخصية لاخرين من الطين.
لكن هذه الموهبة الغضة، وجدت في الدراسة خارج العراق، قبل ان تضربه فوضى الانقلابات واحالته ركاما، وجدت في الدراسة هناك، حيث معاهد العلم الرصينة ضالتها المنشودة.
وتكريسا للموهبة وزيادة في صقلها، لذا ما ان اكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1952، الذي كان للشريف محي الدين حيدر، فضل تأسيسه، حتى ارسلته الدولة للدراسة في اكاديمية الفنون الجميلة في روما، ونال منها عام 1958 دبلوم النحت. كما حصل على شهادة اكاديمية بفن صب البرونز من فلورنسا عام 1961، هذه الدراسات الاكاديمية في معاهد رصينة صقلت مواهبه الفطرية وجعلته يحول هذا الخزين الفني الى منحوتات ستبقى شاخصة، في الذاكرة العراقية والعديد من اصقاع العالم المتمدن.
اذ انجز تمثال شهرزاد وشهريار وتمثال علي بابا والاربعين حرامي، وجدارية مدينة الطب فضلا على تمثال لابي الطيب المتنبي؛ اشعر شعراء العرب طرا، كما انه اكمل انجاز جدارية نصب الحرية الذي مازال شاخصا في ساحة التحرير وسط بغداد، بعد رحيل مبدع هذه الجدارية الرائعة والتي كانت بعضا من مواهب جواد سليم. الذي رحل في شهر كانون الثاني
1961، وليواصل محمد غني حكمت اكمالها بعده. ما اوقف جهده على العراق فقط بل تعداه لاصقاع الدنيا فهذه بوابته التي تزين مدخل منظمة اليونسيف بباريس فضلا على ثلاث بوابات خشبية لكنيسة تيستا دي ليبرا في روما الفاتيكان، ليكون اول نحات عربي مسلم، ينحت ابواب كنائس في العالم كما انجز جدارية الثورة العربية الكبرى بعمان تخليدا للنهضة التي قادها الشريف حسين بن علي ضد العسف العثماني في التاسع من شعبان عام 1334 هـ الموافق لعام 1916.
من المعروف للباحثين، ان الفن التشكيلي في العراق، تاثر بالفنانين البولنديين، الذين نزحوا الى العراق بعد الاجتياح الهتلري للاراضي البولندية، عند بدء الحرب العالمية الثانية، ليلة الاول من ايلول عام 1939، ترك هؤلاء اثارهم في اعمال الفنانين العراقيين، فضلا على الدراسة في اوربا وتأثيراتها عليهم، فعادوا معبئين بحصيلتهم الدراسية الاوربية. لكن محمد
غني حكمت ما ترك حبل الدراسة الاوربية على غاربه، بل حاول الاستفادة من الموروث الرافديني، حتى ان احد اساتذته حثه على عدم الاهتمام والتعويل على المدارس الفنية الحديثة، بل ضرورة استلهام حضارة العراق، وادي الرافدين واشور قائلا له انت لديك خزين من الفكر والمنظور والاسلوب بوصفك سليل الثقافة الرافدينية.
وبعد فان قيمة لوحات محمد غني حكمت، كما يقول الناقد ياسين النصير تكمن في ان احساسه بالحياة، قوي الى حد انه يوظف، طاقة الحركة باقصى ما يستطيع، كي يظهر لنا ما في داخل الاشكال، من افعال محتدمة، وضاجة ومرنة، في الوقت نفسه، ثمة بدائية يضفيها الفنان على منحوتاته، وكأن العنف والسلام، والموت والحياة، ليست الا دوافع اكبر من صفاتها اللغوية، لاظهار مخزون الحركة، بوصفها طاقة، تستجيب لارادة فنان، وليست مجرد تغيرات، بمسارات واتجاهات الخطوط والفكر.