مسافة بؤرية

علي دريوسي
2017 / 7 / 27

الصبية القبيحة، التي اِلتقاها أحمد في محطة قطار نورنبيرغ بتوصيةٍ وتدبير من اِمرأةٍ شريرة جلجامشية الاسم، كانت تقف على رصيف المحطة بانتظاره على الشَّوْك، وقد حملت بيدها اليسرى مظلة مطرية ذكورية اللَّوْن والتصميم، مظلة أطول من قامتها رغم (كندرتها) السوداء بالكعب العالي، لعلها اِرتأت ارتكاب تلك الجريمة تيمُّناً بالعجائز الألمان، وكان الطقس مشمساً والسماء زرقاء مدهشة، وفي ظهرها الصغير علّقت حقيبة لدائنية، يسمونها هناك روك-زاك، غطت بها مؤخرتها المسطحّة التي إذا ما هبطت منها بيضة نيئة فلن تنكسر أبداً.

لم يستغرق لقاء أحمد مع الصبية ذات الرقبة القصيرة إلا بضع ثواني، حَيَّاها باللغة الأم، أجابته بلغة زوج الأم، دعاها لتناول فنجان قهوة في إحدى زوايا المحطة خوفاً من القبض عليه من قبل أحد معارفه مُتَلَبِّساً بالجريمة، ولحسن حظه طلبت منه حاملة المظلة تأجيل موعد شرب القهوة، ريثما يرتاح بطنها الممغوص من تبعات السفر والشوق، لم يعترضها، أومأ لها برأسه مُطمئناً، نظر إلى ساعته، باستياءٍ همست نفسه: بقيت نصف ساعة على موعد اِنطلاق القطار العائد إلى مدينة درسدن.

خرجا من المحطة، رأى أمامه محل فيلمان للنظارات الطبية، قال لها: ينبغي عليّ اليوم أن أستلم نظارتي الثانية التي وضعتها في ورشة التصليح.
أجابته وهي تُجهد حنجرتها بمحاكاة صوت أنثى رقيقة: لا عليك، سأنتظرك، فأنا أعشق التفرج على أطر النظارات والعدسات، البَصَريات هو اختصاصي في الدراسات العليا.

دخلا من الباب العريض للصالة الواسعة، اِستأذنَها كجنتلمان، مشى إلى الداخل، كانت المَسَرَّة تطفح في وجهه، غاب في زحمة الزُّبن، ثم خرج من الباب الخلفي عائداً إلى محطة القطار، شمّ هواءً نقياً، لعلعت ضحكته، وكأنّه ينتقم لنفسه من الفخ الذي نُصبَ له، تذكّر مقولة أبيه التاريخية: عليها أن تخيط بمسلَّة جديدة غير هذه المسلَّة البالية التي أصدأتها الرُّطوبة.
وصل إلى مدخل المحطة واختفى في مشهد اِزدحام النَّاس وتدافُعهم.