من المذكرات : مع الشهيد عدنان المالكي - على جدار الثورة . رقم - 160

جريس الهامس
2017 / 7 / 25

من المذكرات : مع الشهيد البطل عدنان المالكي - على جدار الثورة - رقم 160
كان يوم 29 ت2 كل عام موعداً للمظاهرات الوطنية في جميع المدن السورية .لأنه يحمل ذكرى فاجعتين أليمتين في تاريخنا..قبل الفاجعة الكبرى من حكم العسكر بعد إنقلاب الثامن من اّذار63 ::
-- ذكرى إغتصاب تركيا للواء إسكندرون السوري. بالتواطؤ مع الإستعمار
الفرنسي لسورية عام 1939
-- ذكرى صدور قرار تقسيم فلسطين في 29 ت2 - 1947
في هذا اليوم كان يتجسد الغضب الشعبي .كتقليد وطني كانت الحكومات المتعاقبة تحسب له ألف حساب وتستنفر قواتهاإستقبالاً للمواجهة مع الجماهير . ولم يجرؤ أي حاكم على إلغائه إلا بعد إنقلاب الثامن من اّذار63 الكارثي ..
إنطلقت مظاهرتنافي هذا اليوم من عام 1952 من جامعة دمشق . وإنضمت لها المدارس الثانوية أمام محطة الحجاز .وإتجهنا نحو جسر فيكتوريا - بإتجاه البرلمان السوري .. إعترضتنا قوات الشرطة بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع . وقابلناهم بالحجارة والهتاف ضد الديكتاتورية والإستعمار والصهيونية . ..تمكنا يومها من الإفلات من الإعتقال .تواصلت المظاهرات لثلاثة أيام . وفي اليوم الثالث إعتقلت من بين تلاميذي في مدرسة عربين لأنني كنت أعلم , وأدرس في كلية الحقوق .هزئت بهم وودعت تلاميذي بتشجيعهم على الدراسة وحب الوطن ..
جمعوا المعتقلين بالمئات في ساحة مدرسة الشرطة وطلبوا منا التوقيع على تأييد ومديح للديكتاتور أديب الشيشكلي والتعهد بعدم العمل في السياسة والأحزاب .. من يوقع يطلق سراحه فورا ًلم يبقَ سوانا : أحد عشر طالباً رفضنا التوقيع :9 شيوعيين وبعثي واحد - وتعاوني من حزب فيصل العسلي واحد -- نقلونا إلى نظارة الأمن العام خلف دائرة الجوازات ..لنقابل في اليوم التالي قائدالأمن والشرطة العقيد إبراهيم الحسيني...جاءنا مهدداً متغطرساً :: إذا لم توقعوا على التأييد والتعهد سنرسلكم إلى سجن تدمر لتموتوا ..
رفضنا التوقيع وطلبنا إحالتنا إلى القضاء أو إطلاق سراحنا بلا قيد ولاشرط .....
ضرب الطاولة بيده كالثور الهائج . صارخاً روحوا إلى جهنم . وفي اليوم التالي نقلونا بسيارة وحراسة الشرطة العسكرية عبر شارع ساروجة ونحن نهتف :
ياظلام السجن خيم ....إننا نهوى الظلاما
ليس بعد السجن إلا.... صرح مجدٍ يتسامى ...إلخكان الناس يحرسوننا بعيونهم ويسيروا خلف السيارة في ساروجة حتى أطلق قائد الدورية النار في الهواء مذعوراً حتى إجتزنا شارع بغداد إلى ساحة العباسيين بإتجاه تدمر ...
في سجن تدمر أخذوا ثيابنا المدنية وسلمونا بزات عسكرية ممزقة وقذرة وأحذية عسكرية مستعملة لنعمل في الِأشغال الشاقة مع المجندين المعاقبين من الجيش بين اّثار تدمردون أن يعفنا سكان تدمر ..تحت سياط وتعذيب جلاد مغربي يدعى( ابوعلي ) وشريكه ( عُربي ) من مخلفات الجيش الفرنسي إستخدمهم الشيشكلي لتعذيب المعتقلين بإشراف المقدم المجرم ( نجدت العطار )القومي السوري يومها -- لكن إلى جانب هؤلاء الوحوش كان ضابط شهم شريف في قوات البادية يساعدنا سراًهو الملازم أول ( نزيه الجمالي )شقيق رفيقنا في السجن سميح الجمالي- ( وقد إغتيل على يد عصابة الإخوان المسلمين بدمشق بعد أن أصبح محاميا في مكتبه بدمشق غدراً ونذالة عام 1980 )
كما وجد مع الحرس عريف عربي شهم من سكان تدمر يدعى ( عسكر حافظ ) كان يرفض ضرب أي معتقل وساعدنا في محنتنا ...كان يحمل لنا الخبزالذي تخبزه زوجته الفاضلة ( أم وليد ) في جعبته لأنهم حرمونا من الخبز ثلاثة أشهر .
المهم في منتصف نيسان 53 نقلونا بالشاحنة إلى سجن المزة ووضعونا في زنزانة صغيرة بجانب الحمام لاتتسع لأكثر من أربعة اشخاص لذلك كنا ننام بالتناوب ونجلس القرفصاء ...كان في الزنزانة المقابلة ثلاثة ضباط وطنيين معتقلين تعرفنا عليهم لأول مرة هم السادة : ( عبد الغني قنوت - أبو أحمد - وسعيد صباغ -- وشهير الدريعي ) من الإشتراكيين العرب . كنا نتحدث إليهم من ثقب الباب .... وكان السجن كخلية نحل تضم معظم الوطنيين والعاملين لبناء سورية البرلمانية متحررة من حكم العسكر عملاء الأجنبي .وأذكر من المعتقلين الوطنيين الشيخ معروف الدواليبي رئيس الوزراء الذي رفض تقديم إستقالته وهو أستاذنا في كلية الحقوق - والعقيد عدنان المالكي -- وشقيقه المحامي رياض المالكي -- والمحامي ووزير الإقتصاد خليل كلاس --والدكتور محمد عطورة -- والمحامي نصوح الغفري -- والنقابي إبراهيم بكري -- والمحامي دانيال نعمة -- والقائد الشيوعي اللبناني - بدر مرجان - والدكتور فيصل الركبي -- والأستاذ عبد الكريم زهور -- والضابط برهان قصاب حسن -- وغيرهم....وأذكر في أحد الأيام ..كان الشيشكلي يلقي خطاباً بالراديو نقله مدير السجن ( عزت حسين ) بمكبرات الصوت إل جميع غرف السجن ..فما كان من البطل عدنان المالكي إلا صرخ بأعلى صوته :: ( ولك عزت خرِّس هذا الوغد .. وسَّكِر الراديو) فماكان منه إلا أغلق مكبرات الصوت والراديو ...
كان عدنان يكتب لنا رسائل صغيرة على قصاصات ورق تحمل أخبار نضالات شعبنا في الخارج..مثل إضرابات الجامعة وتفجير مكاتب حركة التحرير حزب الشيشكلي الوحيد - بعد حل الأحزاب السورية الوطنية كلها .. كان يضع هذه الرسائل في حفرة يحفرها في قطعة الصابون ويغلقها بإتقان , ويرسلها لنا مع مجند كان يعمل بأعمال السخرة داخل السجن هو قريبي المرحوم الشجاع ( فريد سليم معمر ) - كان يكفي أن يهزّ فريد قطعة الصابون اثناء توزيعها علينا لنعلم أنها تضم ُ الرسالة ...بعدها أحضروا آباءنا بسيارات الشرطة من مختلف المناطق لإقناعنا بالتوقيع على صك الإستسلام للطاغية أديب الشيشكلي .. وأوهموهم أنهم سيعدموننا إذا لم نوقع ..إجتمع كل منا بوالده في غرفة المستودع في الجهة الشمالية من السجن ...وفي حال عدوم وجود الأب أو وفاته أحضروا أحد الأقارب ..لذلك إجتمع رفيقنا نور الدين الأتاسي مع عمه نظراً لوفاة والده .
ذكرت والدي بكفاحه في العهد التركي ونجاته من الإعدام بعد فراره ثلاث مرات من جيش الإحتلال العثماني وبأنهم لايستطيعوا إعدامنا لأننا لسنا مجرمين .وكان الشهيد عدنان المالكي في باحة السجن الأمامية شبه طليق يهمَس لأهلنا ولنا لاتصدقوهم هؤلاء عملاء جبناء....
وبعد خروجنا من السجن في نهاية شهر اّب أخبرني والدي بماقاله لهم شاب وسيم داخل السجن وحياهم دون أن يعرفوا إسمه ...كما أخبرتني والدتي نفس الموقف الشهم للشهيد المالكي عندما سمح لها بزيارتي في السجن لمجرد أنها أم احد المعتقلين دون أن يسأل عن الإسم والإنتماء السياسي إنه الوطني الشهيد اذي كان يصرخ في السجن يومياً : ( هبوا يا ليوث العرب وحطموا المستعمرين والصهاينة وعملائهم ) فيجيبه شقيقه المحامي رياض من الجهة الخلفية للسجن : هبوا ياليوث العرب ...كان هذا النداء يبعث الأمل ويطرد اليأس من النفوس ...
........
بعد فشل مسرحية الإعدام توقعنا الأسوأ وهو تفريقنا إل الزنزانات الفردية والعودة لتعذيبنا لينتزعوا من الإستسلام ..,هذا ما سأشرحه لكم في الحلقة القادمة ...وقبل مغادرتكم سأقدم لكم باقة أسماء رفاقي الطلاب فرسان سجن تدمر يومها ::
المحامي بشار موصللي -- توفيق أستور حقوقي -- نور الدين الأتاسي رئيس دولة وطبيب -- سميح الجمالي - مدرس رياضيات -- خالد الكردي - محامي -- عطاالله قوبا - مهندس --علاء الرفاعي محامي -- عبد الرزاق شركس محامي -- فاضل الطائي . طبيب أسنان عراقي في الجامعة السورية كان رفيقنا ..وكاتب هذه الذكرى المحامي - جريس الهامس ...وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ..يتبع - 25 / 7 لاهاي