العراق: تحرير الموصل انتصار وطني

كاظم الموسوي
2017 / 7 / 25

اخيرا تحررت مدينة الموصل، بجانبيها الشرقي والغربي من نهر دجلة الذي يشدهما بجسور التنوع والتعدد والتعايش الحضاري والتاريخي والإنساني. اعلن رسميا يوم 10تموز/ يوليو بيان التحرير لكل المدينة، بعد تحرير الجامع النوري الكبير، الذي كان إعلانه انتصارا بينا وواضحا على اكبر خطر منظم وموجه للتدمير والتخريب والارهاب، ليس في المدينة وحسب بل في المنطقة عموما، وخطره كامن في تركيبه واسمه وتشكيله واهليته وحواضنه وما أعد له أو جهز به. فمن عصابات متفرقة ومشتتة ومتطرفة الى ما أطلق عليه اعلاميا بتنظيم، وهذه المفردة، تنظيم، تحمل دلالات ومعان كبيرة وكثيرة. من اين جاءت؟، من هم فرسانها؟، وكيف تجمعت؟ ولماذا حصلت؟ والكثير من الأسئلة المتوالية او متوالدة منها.
هنا لابد من العودة إلى أيام حزيران/ يونيو من عام 2014 للتذكير بها، ومن متابعة شريط الأحداث في وقتها وما سبقها، يتبين التحضير والتجهيز ومن ثم التخطيط والتاسيس، وادعاء الأسباب او الدوافع، التي هي في الواقع امر ممكن وليس أمرا صعبا، لاسيما وان كثيرا من الأدلة ظهرت، والوثائق كشفت، والنوايا توضحت. ورغم ان الات الاعلام المكلفة عملت بكل طواقمها لاخفاء الكثير من الوقائع، وتضليل الكثير من الحقائق، وتشويه كثير من الأسس او الأسباب او العوامل. وفي ضوئها تمكن التنظيم من الدخول والاحتلال والبقاء هذه الفترة غير القصيرة، غير القليلة، غير المحسوبة.
سبقت وصوله استعدادات له وتحضيرات، مهدتها ما كانت تسمى ساحات التظاهر وخيم التجمعات واماكنها المخطط لها والمبرمجة لبث سموم التحريض وأدوات الفتنة وإثارة البلبلة واشاعة التفرقة واظهار الحقد ونشر الكراهية، فأصبحت لأعمالها هذه مصدر لتوفير البيئات الحاضنة لما سمي داعش واعتماده مشروعا اخر فأصاب العقول والقلوب بالتشويش والتكفير والعنف والتخوين والمزايدات في التخادم لخطط اوسع واكبر من الحجم والهتافات التي رفعت والشعارات التي تم تبنيها طيلة الاعداد لحضور داعش إلى الموصل، بعد ان كانت الانبار اولا، وصارت الثانية وسبقتهما الفلوجة مرتعا ومنبتا. ينبغي الا ينسى هذا كله، كما لا ينسى السؤال عن المشاركة مع داعش باسماء منظمات معروفة وتنظيمات لها عناوينها وادعاءاتها ومجموعات لها اسماءا وبيانات. فشلت بالتقاسم مع أصحاب التنظيم فهربت منه ولكنها ظلت تتبناه في مدن اخرى، داخل وخارج العراق، تولول على خيبتها وتبكي على ما حسبته مشروعها وحملته اذرعها.
بعد كل مما حدث، وهو مسجل ومرصود، ترتبت الأمور لتسهيل المهمات، فتم اشغال الفرق العسكرية باجراءات لا تمت بصلة بواجباتها الفعلية في مدينة الموصل بالذات ومحيطها، كما نقلت قياداتها بملابس مدنية وبطائرات هليكوبتر الى اربيل في الوقت نفسه، وقطعت وسائل الاتصال والانترنت والكهرباء ليلتي التاسع والعاشر من حزيران/ يونيو 2014 وافرغت المدينة من كل القيادات العسكرية والمدنية، بما فيها المحافظ، الذي هو القائد المسؤول عن كل الوحدات العسكرية، التي كانت، كما أذيع حينها، اكثر من ثلاث فرق عسكرية، وفرقة شرطة اتحادية ومحلية. واصبحت الأجواء كلها مفتوحة أمام عصابات تعلن احتلالها وادارتها، حتى ارتقاء ابو بكر البغدادي منصة الخطابة في الجامع النوري واعلان " خلافته" أواخر ذلك الشهر ليستمر طيلة تلك الفترة، ويتعهد له أعوانه بالادارة والنكاية والتوحش وصولا إلى التمكين، حسب خطط متفق عليها وحسابات مجمع عليها، ايضا.
الا أن الأيام التي تلت لم تكن صعبة وقاسية وحسب، وانما كانت اختبارا فعليا للمواقف والالتزامات والارصدة، الوطنية والانسانية، القانونية والأخلاقية. كانت محكا ومعبرا تتكشف خلاله الإرادات والخيارات، وتتسجل فيه الثوابت والأمانات.
حملت فترة تحكم داعش بمصير المدينة واهلها الكثير من القضايا، من بينها الولاء والبيعة والنصرة والانتماء داخل المحافظة وما جاورها، ومن بينها تجهيز المؤسسات المدنية ووسائل الاعلام بتنوعها وتوزعها والخدمات له، ومن بينها ايضا التخادم والتعاون معه سرا والادعاء بغيره علنا في محافظات اخرى، بما فيها العاصمة بغداد. وهذا خطره مستمر لأنه كامن اولا ولولاه ما كان هو قادر على توفير كل ما ادام بالفترة وسيرها واطال في التحكم ويسره، وكذلك في التوازي معه أو التبادل في الأدوار والاستغلال له في الابتزاز والتخادم والتهاون.
ثلاث سنوات من الارهاب والقمع والحرمان والظلم عاشه سكان الموصل اساسا، ومن ثم المدن الأخرى التي خضعت لإرهاب التنظيم في أزمانه عليها، وهنا لا يمكن القول أنها انتهت دون خسائر او كلفة بشرية ومادية كبيرة، أقدم عليها بعنفه واجرامه وممارساته الدموية، حيث دمر العديد من الجوامع والكنائس الأثرية والكنوز الحضارية، وكذلك المدارس والمتاحف والمعالم الثقافية التاريخية للمدينة وما سبقها من المدن، وهذه وغيرها خسائر مادية جسيمة امتاز بتدميرها وتخريبها واصبحت عنوانه الفاشي بامتياز.
اما بشريا فقد نزح اكثر من نصف سكان المدينة، بما يقارب المليون والنصف مليون من بيوتهم وديارهم وأعمالهم، وعاش اغلبيتهم تحت ظروف قاسية في مخيمات مؤقتة، خالية من الخدمات الأولية والرعاية الانسانية، وفي مناخ متقلب ومعقد. وللاسف لا توجد إحصاءات دقيقة ومسؤولة عن الشهداء والضحايا طيلة تلك الفترة المظلمة. فهناك ارقام كثيرة تتداولها جهات ووسائل إعلام لها غاياتها فيها أكثر من الحرص على التوثيق والتسجيل الأمين والنزيه لها. من بينها ما ذكره البنتاغون في 2017/3/29 حين اعلن رئيس القيادة المركزية في الجيش الأمريكي، في الشرق الأوسط، الجنرال جوزيف فوتيل، أن عدد خسائر القوات العراقية الحكومية في معركة الموصل بلغ 774 عسكريا حتى الآن. وأوضح أن "القوات العراقية خسرت، منذ حوالي 37 يوما (من انطلاق معارك استعادة الجانب الغربي من الموصل) 284 مقاتلا ونحو 1600 جريح. وأضاف أن عملية السيطرة على الجانب الشرقي من المدينة العراقية أودت بحياة 490 مقاتلا عراقيا، فيما تم جرح حوالي 3000 آخرين. هذا فضلا عن أرقام شهداء الحشد الشعبي وابناء المحافظة المقاتلين. واعترف البنتاغون عن مجازر للتحالف الدولي بحق المدنيين ايضا، اختلفت الارقام فيها، بينه وبين منظمات مراقبة لتلك الجرائم. مع ما حصل من دمار واسع شمل ايضا ضحايا كثيرة، ليكون الأمر في النهاية خسائر بشرية ومادية جسيمة تكبدها العراقيون لتحرير الموصل.
وجاء يوم التحرير والانتصار، وانتهت "دولة الخرافة" في عاصمتها التي زعمتها، ولكن الانتصار الحقيقي سيكون بعد الانتهاء من كل بقايا الارهاب والعنف والكراهية والفتن والتعصب والغلو، وبعد ارتفاع منسوب الوطنية والتكاتف لعمران الانسان والبناء واعادة الامل بالعمل والعزم والإصرار على عراق موحد، حر، مستقل، ديمقراطي تقدمي.