أكشاك الفتوى في عصر الفضائيات

سامي عبد العال
2017 / 7 / 23

قضية الأكشاك بهذا العنوان ليست مُزحةً لكن جاري العمل بها طبقاً لموافقة الجهات الرسمية المصرية. فقد سمحت الأخيرة للأزهر بإنشاء أكشاك للفتوى ومراجعة الأعمال تحليلاً وتحريماً. يحدث ذلك - للمفارقة- على حواشي زمن التقنيات الرقمية والعالم الافتراضي ومستعمرات الفضاء والنانو تكنولوجي. وشتان بين الفتوى والفضاء إلى حد إظهار طبيعة المجتمعات في كلا الجانبين. فأي " عقل رعوي" هذا الذي يتَّبع الدكاكين والحانات بينما "عقل الإنسانية " يخترق أقطار السماوات والأرض؟! إيلام سيؤسس هذا العمل في مداه الأبعد؟!

ذلك... وكأنَّ الدولة المصرية قد استيقظت فجأة فوجدت شحاً في "أسواق الدين" لتقرر فتح منافذ المواعظ والاستشارات الميتافيزيقية. بجانب ذلك يبدو الموضوع برمته انذراً لحالة اختلال سياسي واجتماعي خطير. يحتاج جداراً للاتكاء عليه أكثر من أي شيء آخر. وليس هناك أكثر من الدين لتدعيم الأوضاع القائمة. حتى أنَّ الدولة تطرح ( تبيع ) فاعليتها الإجمالية في الأسواق التي لا تمتلك تبريرها ( على عينك يا تاجر ).

في هذا الإطار سأناقش قضيتين. أولاً: هل السياسة بها أكشاك للدين؟ وما دلالة هذه الأكشاك الاعتقادية؟ ثانياً: هل يوجد سلع دينية باسم الفتوى؟ وماذا لو تحول الدين إلى ذاته سلعة؟!

عندما تسمح الدولة بمنافذ لتداول الفتاوى فقد تصبح رهناً لهذا العمل. أي ينقلب الكشك إلى سلطة خارج إرادة المؤسسات ووظائفها. لأنَّ الكشك ليس قانوناً محايداً لكونِّه يتبع مناخ السوق الديني السائد. وما لم يرتبط بهيكل تنظيمي - غير خاضع للدين أو لغيره - سيكون معولاً لتحطيم كيان الدولة نفسه. كل كشك عندما يفتح ثغرة في نسيخ الإرادة العامة - بوضعها تحت أحكام متعالية - سيخرج على قواعد التواصل وآلياته. وقد يصبح أداة خلفية في أيدي فئة بعينها( كرجال الدين) لإبرازهم كطبقة بوظائف غريبةٍ على بنية الحكم. من سيحكم الفقهاء أم الساسة؟!

كما أنَّ الكشك قد يشعل صراعاً خفياً لتقليص التنوع بواسطة الوصاية التي سيكتسب أرصدتها يومياً. ولا يستبعد أن يحدث انزلاق لكل معيار تعادلي بين مواطني الدولة وممارساتهم الحياتية. وبالتالي تدخل الفتوى – من باب الكشك- كأداة فرز ديني ومذهبي على نطاق واسع. وعاجلا أم آجلاً ستتهم هذه الأكشاك الجغرافيا السياسية للدولة لأنها تتحكم في مفاصل الحياة السائدة. فهي ستتكاثر وستتناحر وستضع المجتمع برمته على شفير سلطة الأكشاك.

وخاصة أن الحياة المصرية بها آلية غريبة ربما تنفرد بها عن سواها: أن كل تجمعات بشرية( الزحمة بالمعنى الشائع) تخلق متربحيها العاصفين بالقانون والنظام وحقوق الإنسان. على سبيل المثال نجد لدى أية تجمعات بشرية مصرية انتشار الباعة الجائلين وتجار الوعود ومروجي الإشاعات وبائعي الأوراق والاستمارات إذا كان هناك تقديم مستندات رسمية أو خلافه. ونظراً لانعدام النظام فهناك طوابير في كل مكان: أمام الخبز، أمام مكاتب العمل، أمام ماكينة صرف الرواتب، أمام البنوك، أمام الدجالين، أمام المطاعم، أمام الجامعات، داخل المتاجر، أمام الأضرحة والمسارح.

ولا ننسى عندما أعاد محمد مرسي تشغيل فكرة " ديوان المظالم" في الحياة السياسية أن اجتمع أمام قصر خلافته ملايين الأشخاص لتقديم شكاويهم وطلباتهم. لكن الملاحظ أنه قد نشأت داخل الحشود طفيليات المصالح وشاع البيع والشراء للأطعمة وأدوات النظافة الشخصية والتسالي والأوراق وصيغ المظالم وبائعي طوابع البريد التي ستقدم لخليفة المسلمين!!

وهؤلاء المتربحون يعتبرون أنَّ الكتل البشرية فرصة ذهبية لممارسة الوصاية ( دور أبو العريف، الفهلوي) وأيضاً الاستفادة المادية إلى أقصى درجةٍ. وقد تتم معها اعمال السرقة وخطف المتعلقات والنصب وبيع الأوهام بادعاء العلاقة مع المؤسسات ورجال السلطة وأصحاب الحُظوة!!
ولهذا ظهرت أغاني شعبية دالة مثل: ( زحمة يا دنيا زحمة... زخمة وتاهوا الحبايب... زحمة ولا عادش رحمة... مولد وصاحبه غايب...!!). فالزحمة هي كتل لحمية فاقدة للوعي إلاَّ وفقاً لحالتها الهوجاء. وهو ما يعني أنها تخضع لوضعها الخاص. وقد تدهس أية قيم وأية قواعد بحسب حركتها السائبة.

وتلك ظاهرة سياسية تتولد نتيجة غياب المجال الذي هو سلطة الدولة الأكثر تنظيماً. فكان واضحاً فقدان الحبايب نتيجة ضياع أية معايير أو علاقات يمكن بناء عليها معرفة الحقائق والأساليب المتاحة للسير. أما عبارة "مولد وصاحبه غايب" فهي إشارة نحو سياسة القطيع الذي يستثار بلا قوانين عامة. وبالتالي تغدو الكتل البشرية حاضرةً بحمية الأجساد والغرائز بينما تتركها الدولة كنوع من الفوضى الهوجاء.

لأنَّ المولد ينتج سلوكياته الخاصة بصرف النظر عن السياق الذي يوجد فيه. حتى أنه يمس الأقدار أيضاً. يقول المثل الشعبي" قليل البخت يعضه الكلب في المولد" . أي أنَّ الزحمة تشير إلى وجود أناس كثيرين بلا عددٍ ولا تمييز. ومع ذلك يترك الكلب كل هؤلاء ذاهباً إلى قليل الحظ منهم!! فالأخير دائماً ضحية لغياب المساوة والعدالة. بمعنى أن القوي يأكل الضعيف وقد يسحقه داخل القطيع!!

هكذا فإن السياسةُ لا تعرف ما يسمى كشك الفتوى وإلا لكان هناك أكشاك للانتخابات وللحب وللحقيقة وللتاريخ وللنجاح وللروح المعنوية وللسعادة، للعقلانية وللمثالية وللمادية وللأقدار...!! وذلك طالماً أن هناك مرجعية ما تعرض الآراء واختلاف المذاهب وتقنيين الإيمان في الطرقات العامة. إذن تلك الخطوة أبرز ما يناقض مفهوم الدولة ولا سيما إذا كانت معنية بإدارة التنوع الاعتقادي والإنساني. وهي خطوة بدائية تماماً ترجع إلى ما قبل اختراع الدولة كمؤسسة تضبط الحركة الجمعية لأفراد. وتتمثل بدائيتها كذلك في تحويل ما هو معنوي وخاص إلى كهانة تضمر معايير الصواب والخطأ، والتأثير واللاتأثير. وبالتالي تستوجب الإرشاد والتوجيه. كما لو كان الأفراد فاقدي الأهلية العقلية.

وعلى المدى البعيد فذلك تنازل عن مساحة العقلانية والمنطق. وهنا لن تجد الدولة عقولاً حرة لسياسات التعليم والاقتصاد والتنمية والنهوض بأحوال الطبقات الفقيرة والإبداع. فهذا العقل قد تشبَّع بالفتاوي عند أقل مجهود وأكثره. التفكير فتوى، والنقد فتوى، والإبداع فتوى، والاختلاف فتوى، والانتخابات فتوى، ومصافحة غير المسلمين فتوى، والمعاشرة الزوجية فتوى، واختيار الرئيس فتوى!!

جميع تلك الأشياء ستمثل مرايا عاكسة لفقدان الحرية تدريجياً حتى تشكل سقفاً سميكاً أمام أية اختلافات ثرية. عندئذ ستصبح: " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". لأن النار قد أطلقت أولاً مع كشك الفتوى. اذ سيدخل صاحب الفتوى مباشراً المؤمنين الجنة بينما سيزج بسواهم إلى جهنم!!

أما بصدد قضايا الدين فلا يوجد ما يعرف بالفتاوى في المجال العام. لأن هذا المجال لا ينبغي ممارسة الوصاية عليه. ولا يصح اعتباره مطيةً لغايات ومآرب تالية. إنَّه المركز الكلي لتجمع اتجاهات النقد والعدالة والمساواة والتنوع حول المصالح المشتركة. ولذلك فإن انبات الفتاوى واشاعتها داخله باسم الديانات هما إهدار لدم الإنسان العام. هذا الإنسان المختلف والمتعدد بحكم أنَّ معتقداته خاصة من دين إلى آخر. ولا يسهل السيطرة عليه إطلاقاً ولا يجب. لأنه هو مصدر السيادة والسلطة والمحاسبة. كما لا ينبغي تدجينه ديناً. لأن هذا تدخل فيما لا يعني أصحاب الشأن الديني.

والدين الإسلامي لا يعترف بطبقة أصحاب الفتاوى تحديداً. فكل ما يتعلق بتلك المسألة ذو جذور تاريخية سياسية تحتاج إلى تعرية ونبش متواصل. لمعرفة كيف غرست وأخفيت ودخلت متون الإسلام حتى غدت من ثقافته الجارية. لا شيء في الاسلام أسمه الكهانة لأنَّها " قوة فوق دينية "لا توجد أصلاً. وتحويل الدين إلى خطاب تداولي يعني مزاحمة التفكير السياسي وبالتأكيد يضيَّع أهم جوانبه: جانب المحاولة والخطأ، والتجريب، والمغامرة وابتكار الرؤى والاتجاهات الجديدة اللازمة لحركة المجتمعات. فالدين لا يوجد به تلك السمة. إن الخطاب الديني يسعى إلى تأكيد السائد والتقليدي والأثر على الأثر.

فالكهانة الدينية هي الشكل المتبقي من الوثنيات. ولن تنتهي كما قد يظن البعض. والأكشاك لا ريب تدعم تلك الفكرة عندما تقف منتصبة وسط المدنية كأنها علامات استفهام. وكيف يستعيد الإنسان عقله عندما يتركه لدى دكان أو خان للفقهاء. وهل يأخذ عقلاً بديلاً مع أحدى الجوائز على غرار الإعلانات التليفزيونية؟!

ومن جانب آخر فإن تلك الأكشاك دعوة مفتوحة لانتشار فوضى الفتاوى مرةً أخرى. وبالتأكيد لن تستطيع الدولة التحكم في هذه العملية. لقد جاء الخطأ هنا من اعتبار التطرف جماعة أو تنظيماً أو مودة دينية فقط. إن الخطابات والمذاهب الدينية مسكونة بالتطرف حتى آخر عباراتها. فهي تقوم على فرض آرائها الصحيحة من وجهة نظرها بالضرورة. ولا ترجح فكرة ونصاً إلاَّ بممارسة العنف على أفكار ونصوص أخرى. كما أن أكثر الناس جرياً وراء التناقض الفقهي هم رجال الدين أنفسهم. لأنهم يتحذلقون في عرض بضاعتهم. فقد أصبح من الآن فصاعداً تاجراً لسلع رمزية باحثاً عن أتباع.

والوضع يعني نوعاً من الكوميديا، إذ بافتتاح اكشاك الفتوى في الميادين ومحطات المترو والشوارع الرئيسة، هل بات الدين- لنتخيل- قابلاً للتسليع؟! بحيث يذهب المتسوق إلى أحد الأكشاك للتبضع بالفتاوى والأحاديث والآراء والمراجعات الدينية. وحيث تحمل السلعة تاريخ الانتاج ومواصفات الخلطة السرية فيها ومحاذير تناولها دون وقتها وتاريخ الصلاحية ونصائح للإفادة منها على مدار الساعة!!

اتصور أنَّ كل شيء سيحدث إلاَّ انتهاء الصلاحية. لأن الفتاوى صالحة إلى آخر الزمان وتصاحب الإنسان إلى آخرته. لأنها مقرونة بأعماله الصالحة من عدمها كما يقال. من هنا سيكون اليقين هو الصلاحية التي تتجدد وتُشحن تلقائياً. والتي ستجعل الأكشاك عاملة دونما توقف.

ومع كثرة الأكشاك قد يكون الزبون عادة على حق. له ما يشاء من فتاوى مهجنة أو ميكس أحاديث أو أنصاف حلول أو خليط آراء فقهية. وبالتالي ستكون الدولة أكثر أحقية منه بفرض هيمنتها ولو باستعمال آيات الله في العراء. وهذا نموذج من سياسات مصرية أخيرة حولت الدين إلى بضاعة لعرض الفتاوى أمام من يريد. وهي في الحقيقة تخلق نوعاً من الاعتماد المتبادل بين رجال الدبين والدولة.

وهنا فإنَّ كشك الدين يثير أسئلة أكثر مما يحل مشكلات: بأي شكل سيكون الدين سلعة؟ هل هناك تضامن بين سلطة الدولة وسلطة الفتوى في واقع واحد؟ ماذا لو وجد تناقض بين الإرادة العامة وإرادة فقهاء الدين؟ كيف سيكون هناك تنوع في الاتجاهات والمعتقدات في مجال يقبل ذلك؟!

تسليع الفتاوى هو أمر يحط من شأن الدين وينتهك قدرة الإنسان على الاعتقاد الذاتي. وتعميم السلعة كشرط اقتصادي( أي تبادلي) يعني تضييع سياقها من فرد إلى آخر. كما أنه يجعل الدين وظيفة في المقام الأول. ونحن نعلم أن التوظيف كان " أم الكوارث " على الديانات من جهة انتعال أفكارها لقتل المغايرين في الاعتقاد والمذهب والطائفة.

ويبدو أن مقولة ماركس " الدين أفيون الشعوب" لها جوانب أخرى. فقد تعدى الدين معنى الهوس الأيديولوجي إلى تسليعه في مناحي الحياة. أي أصبح اقتصاداً سياسياً لمجموعة من الاعتقادات التي تمسك أطر الدولة. وبناء على ذلك تمارس الفتاوى مهام الأوراق النقدية. لأن كشكاً خاصاً بها سيعد جزءاً من تداول السلوكيات. ويمثل جزءاً كذلك من رصيدها المفترض في الواقع. وتدريجياً ستختزن الفتوى الحالات النفسية والاجتماعية التي ألزمت صاحب الفتوى والمتلقي على قبولها. وعندما تكون رائجة لن يستطيع المواطن الانفصال عما تنقله من حمولات سياسية في أنشطة الحياة.
وتلقائياً ستصبح جهة الفتوى مهمة. وهو ما ظهر بالنسبة للأزهر الذي حصل على عوائد الفكرة بصرف النظر عن نجاعتها في الواقع أم لا. وبإمكانه التدخل في كل شيء صغيراً كان أم كبيراً. وذلك سيؤسس عطالة جديدة لرجال الدين.. هل يعقل جلوس أحدهم طوال اليوم داخل كشكه انتظاراً للزبائن؟!

مصر تحتاج إلى تقدم علمي ومدارس وجامعات ومؤسسات للإبداع في كل مكان وتطور اجتماعي وانفتاح ثقافي وتنمية اقتصادية ومشروعات صناعية عملاقة تواكب حركة العالم. هذا هو الجانب الذي سيغير الجمود الفكري وسيفتح نوافذ الحرية وسيتيح فرصاً لمراجعة الخطابات التقليدية سواء أكانت دينية أم سياسية، بخلاف ذلك ستكون الإجراءات الأخرى هروباً من الواقع الفعلي.