مِعجَنَةُ سراب !

يحيى علوان
2017 / 7 / 23


هو ذا سيزيف ، لم ينتصر(1)،هَزُلَتْ مفاصِلُ صَبرِه ..
هو ذا يتشوَّقُ منذُ آبد الدهور ليومِ عطلةٍ يرتاحُ فيها...
حتى من إعجازِ الكنايةِ والمجاز ، لأنهما أضيقُ من رحابةِ المعنى !

أنتَ ...؟!
كذلكَ ما إنتصرتَ حتى تَطمعَ بإستراحة .. تضعُ فيها دروعَكَ جانباً وتَنهَمِكُ بالمطلق !!
فلا تعود تُلصِقُ الأشلاءَ بالأشلاء.. في صفحةٍ بيضاءَ تطوي الزمانَ بالحرفِ .
مازلتَ مُقطَّعَ الأنفاسِ ، تُطاردُ شياطينَ حلمٍ هاربٍ ...
لم يتخثّر الدمُ بعدُ في مَربَطِ الذكرى ، ما زالَ يَنِزُّ فيجرحُ سكينَ الصَمت ...
تُخمِّرُ أحلامَ يقظةٍ ، حُلُمٌ داخلَ حُلمٍ ...
تصطادُ سمكاً مُعلّباً تَلقُمُ به رافِدَ "الخير"، صارَ شحيحاً ،
فُضلةً من وضوءِ سلاطين الإستانة !
* * *
تَتسمَّعُ رقصاً ..؟!
رقصاً تَتَلعثمُ فيه نجمةٌ تَرعى نهايةَ الغَسَقِ ،
فتُصغي لما فوقَ السمعِ البشريِّ ،
تَتَنصَّتُ لأسئلةٍ في صحراء الكلام ..
ووحشةِ خرابٍ تام ،
خِلْتَ أنَّ البدءَ منكَ ، فما لامستَ إلاّ قاعَ حلمك ،
ظنَنتَ أَنَّ الموتَ سيَرِقُّ ،
لكنكَ حِرتَ بأيِّ الأحرفِ ستقفزُ من عَتباتِ وهمٍ أبيضَ كوجه الموت .
..............
في الليلِ تُوَحِّدُ عَديدَ أقنعتِكَ ،
تمُدُّ يدَكَ .. يرتدُّ صداها في فضاءِ الوَحشةِ ،
فيُشعشِعُ أصابعَ الليلِ النّجمُ ..
للصُبح الفطورُ وأولُ سيكارةٍ مع القهوة ..
للضُحى البريدُ والأخبارُ، ومكالماتٌ مع مَنْ صَحَا من الرَبعِ ،
للكتابِ والكتابة كل الوقتِ ، إلاّ "إستراحاتٍ !" تتناسلُ لِنَقٍّ وفيرٍ في الدار ..
لأنَّ الكتابَ لايُوفّرُّ خبزاً للعيش ..!!
...............
كالصبايا تأتي الكلماتُ ، حُبلى بأُقحوانِ المعنى ، وإلتباسِ الكلامِ ..
أجملُ ما في الليلِ ، هدأةُ العالم ..
صديقةٌ .. كأسانِ لا يَفرَغان ..
وموسيقى خافتةٍ ..
ذاكرةٌ تمـوءُ بأحلامٍ داستها عَربةُ "زُحَل"(2) ،
عيونٌ راحلاتٌ في الغياب ،
تَتسلَّقُ سَفحَ الخوفِ ، تخترقُ الحصارَ بينَ قَصفٍ وعصفٍ ،
* * *
لكَ ساعةُ صِفرِ الليلِ ،
طاولةٌ ، أوراقٌ بيضاءَ..
تتساءلُ لماذا لاينهضُ في مرآةٍ مُضبَّبةٍ إلاّ وجهكَ من دونِ قناع ،
حيثُ يلتمعُ السرابُ في رملِ الزمان ..!
وإذْ تحظُرُ أفكارٌ تُنقِّرُ بابَ الليلِ .. تتربّعُ على كتفِكَ تتَفقّدُ أوراقَ الأمس ،
.............
وحينَ يلتئمُ الليلُ على كلبٍ يتأمَّلُ في الليلِ ، يُصابُ بذعرٍ لمّا يرى ظِلاًّ يترنَّحُ ،
يولّي هارباً ، يبحثُ عن خَرِبةً أو مرآبٍ مهجورٍ يأوي إليه كي ينام ..وأنت ساهر!
.................
.................
دافعتَ عن الشجرِ ، الذي ستُشنقُ عليه ،
وعما ليسَ لكَ ،
عساكَ تُرجعُ الماضي إلى ماضيه ،
تَملأُ الكلمات بمعانٍ إهتديتَ لها ،
كي تختارَ خطوتكَ الأخيرة ..
وتنصرفَ لتنسى ..
أو قُلْ لتَكِفَّ عن إبتكارِالبداية من نهايةِ ما إنتهى فينا !
فمَنْ ليس مِنّا ، صارَ"مِنّا" .. ومَنْ كانَ مِنّا ، لمْ يعُدْ .. لم يعُدْ .. !!
كُنّا نُحرِّرُ شَمسَنا من غَفلةِ الأشياءِ ، ونُنشيءُ كلاماً يَرسِمُ مستحيلاً من شُقوقِ الموتِ ،
فلأيِّةِ رابيةٍ ستصعدُ ، أنتَ ، بين حدائقِ الموتى ؟!
تَتهجّى الظلالَ القديمةَ..مفتوناً بسيلِ الضياءِ على أصواتٍ ،
لا جذرَ لها في حنجرةٍ تشرَبُ من حُلُمٍ ما بَلَغَ الفِطامَ بَعدُ ..
بَردانَ تُدافعُ عن توازُنِكَ ..
فكيفَ تفكُّ إلتباسَ المعنى ..؟
أبِدَحرجةِ حجرِ النَردِ ، كي تَرى ما لايُرى ..؟!
فلا تُمجّد العَبَثَ الشَقِيَّ ، وحلولَ الشيبِ قبلَ أوانه ، دونَ حِكمَة !
مُرتجفاً ، كرعشةِ موجَةٍ ، تُقيمُ للضَحِكِ مَسكَناً كـ" البُكَا "..!
مُرتاباً ، تُخثِّرُ قَطَراتٍ ،
تُبلِّلُ ما إستودعَهُ عطَشُ الأسلافِ ... مَجداً للهَذيَانِ ...
حيثُ الصمتُ مُنشَغِلٌ .. يُرَتِّبُ أمواتاً عبروا من ذاكرةِ الكلمات ،
إلى جِسرٍ يقودُ الراحلينَ إلى مَنافي الله ..
" وَدائعَ للرحمة " في مجهولٍ .. بينَ صَخَبٍ وتَهاليل .. !
غَداً ستَنسى الشُهُبُ وَميضَها ، فأسرُقْ لَفحَةَ النجمِ من مَستورِ السُهاد ،
فقد تُؤَجّلُ حشرجاتِ قلبٍ هَدَّهُ في الخَفاءِ رَنينٌ ..
....................
ما ألعَنَ الأرضَ التي لمْ يبقَ فيها ما يَتَّسع للحنين !!
ليلٌ بلا قاعٍ ، وخلفَ بابِ الزمانِ يَكْمُنُ الردى ..

فماذا ستفعلُ بالأستراحة ، إذن ؟!
أَمِعجَنَةُ سرابٍ أنتَ ..؟!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محنةُ سيزيف - حسب كامو في كتابه [ إسطورة سيزيف] – تكمنُ فلسفياً في إدراكه لـ"اللا مُرضي" .
فذلك الإدراك هو الذي ولّدَ ضرورة المجابهة مع الواقع/ الحاضر والصراع المستديم معه من أجلِ الخَلاص(الإنعتاق)
، كيما يغدو الحاضرُ "اللامُرضي" ماضياً وَلّى .
(2) زُحَل هو إله الزمان في الميثولوجيا الأغريقية يسوطُ عربةً مسرعةً ، يُقابله الأسم اليوناني ( كرونوس)
وهو / أي زُحل / أبو كبير آلهة الإغريق (زيوس) وأبو (بوزايدون) = (نبتون) عند الرومان - إله البحر .