بين موت البوعزيزي و بوابات الأقصى الالكترونية

مازن كم الماز
2017 / 7 / 23

بين موت البوعزيزي و بوابات الأقصى الالكترونية

لماذا نجد البشر مستعدين للموت دفاعا عن حجر كالمسجد الأقصى لا عن حريتهم أو دفاعا عن إنسان فقير أو تافه , و لماذا يشكل موت رجل مهم أو كبير , كصدام أو عبد الناصر أو كيم إيل سونغ , أو إهانة نبي أو قديس أو "زعيم" أو السخرية منه حادثة خطيرة , بينما يتعرض معظم البشر كل يوم , كل ساعة , للقهر و القمع و الإهانة دون أن يستفز هذا أي شخص حتى المقهورين أنفسهم في كثير من الأحيان .. لماذا يموت الشباب الفلسطيني اليوم من أجل مسجد يفترض أنه مكان لعبادة إله خلق كل شيء و يهدد بتعذيب كل البشر إذا لم يطيعوه , .. لماذا يستطيع طغاة عتاة , مجرمون , قتلة , استثنائيون , مثل صدام و عبد الناصر و الأسد و إردوغان و مئات بل آلاف الطغاة الصغار الذين لم يحالفهم الحظ في بلوغ مكانة و درجة إجرام كبار الطغاة , أن يتحدثوا بحماسة عن تحرير الأقصى بينما يقودون أكثر الأنظمة الديكتاتورية همجية في التاريخ ؟ لماذا من الممكن أن تتحدث عن تحرير الأقصى و أن تستعبد شعوبا بأكملها ؟ لماذا يستحق الأقصى الحرية و لا يستحقها ملايين البشر ؟ اللحظة النادرة جدا في تاريخنا عندما غضب الناس لإهانة و قتل واحد منهم , البوعزيزي , أنتجت انتفاضات هزت عروش الطغاة , لأول مرة في هذا الشرق قاتل الناس و ماتوا لأجل حريتهم ... لماذا لا تغضب صحف و فضائيات و تلفزيونات التطبيل و التمجيد لعتاة الطغاة لقمع كل هذه الملايين و لا لسرقة حياتهم بينما تتزاحم فيها عبارات الغضب دفاعا عن الأقصى ؟ أذكر الشباب الفلسطيني المسكين الذي جاء به النظام السوري إلى الحواجز الشائكة بين سوريا و فلسطين , ذلك النظام الذي طالما منعهم حتى من الاقتراب من أسوار فلسطين المحتلة , كيف اندفع أولئك الشباب باتجاه حقول الألغام و رصاص حرس الحدود الإسرائيليين دون أن يدركوا أن دمائهم المسفوكة ليس إلا جزءا من لعبة النظام السوري للبقاء , من محاولة إثبات ممانعته للعدو .. سفينة إردوغان إلى غزة , غنائيات قناة المنار و صياح قناة الجزيرة ليس إلا تكرارا لنفس اللعبة الدموية الغبية ذاتها .. يكذب الجميع فيما يتعلق بإسرائيل و فلسطين , قطر تتهم السعودية و الإمارات بخيانة القضية و بالاتصال بالعدو , و السعودية و الإمارات تتهمان قطر بنفس الشيء , و الجميع على حق , النظام السوري و معارضته يتبادلان نفس الاتهامات , بينما كان علم النظام يرفرف عاليا طوال أربعين عاما إلى جانب نجمة داوود بسلام , ترفرف الآن راية لا إله إلا الله و محمد رسول الله , راية القاعدة و جبهة النصرة , على نفس الحدود إلى جانب نفس النجمة الزرقاء منذ قرابة العامين بنفس الهدوء و السلام .. ( نصيحة شخصية لكل الشباب المؤمن أن يذهب إلى نقطة الحدود بين جبهة النصرة - القاعدة و إسرائيل ليرى كيف يتجاور العدوان بسلام و ليفهموا أن وعيد ابن لادن و أسلافه لإسرائيل لم يكن إلا استمرارا لوعيد عبد الناصر و صدام من قبل و إردوغان من بعد ) .. إننا نمنح حياة واحدة فقط , و المفترض أن نعيشها بأفضل ما نستطيع , و إذا كان هذا مستحيلا كحال الملايين على هذه الأرض , فعلينا أن ننتزع حقنا في حياة ما بالقوة , أن ننتزع كل ما نحتاجه بالقوة من هذا العالم الغاشم , و إذا كان علينا أن نقاتل و ندافع و نموت , و نحن سوف نموت بلا شك , أن نموت و نحن ندافع عن أنفسنا و نحن نقاتل من أجل أنفسنا , من أجل انتزاع حقنا في الحياة .. المسجد الأقصى هو طوطمنا الكبير .. في هذا الشرق , حان الوقت لنقتل آبائنا و نحرق طوطمهم أو ندفنه على الأقل , و هذا أضعف الإيمان .. بل يمكن القول أننا قد تأخرنا كثيرا ....