مدينة دوبوي والمصير المجهول

فاروق عطية
2017 / 7 / 21

وكانت الرحلة إلي دوبوي، تلك المدينة البوسنية التي شهدت أقصي أنواع العنف والاغتصاب والقتل والتهجير إبان الحرب البوسنية التي اندلعت من مارس 1992 حتى نوفمبر 1995. كان المخطط تحويلها إلي أغلبية أرثوذكسية بطرد المسلمين منها وإحلال السكان الأرثوذكس (من قري ومدن أخري) يدلا منهم تمهيدا لضمها إلي صربيا. قبل الحرب كان تعداد المسلمين بها 80% من السكان بينما نسبة عدد الأورثوذكس (صربي البوسنة) لا يزيد عن 18% من سكانها والكاثوليك (كرواتي البوسنة) 2% فقط، والآن بعد مضي أكثر من 25 عاما أصبح تعداد المسلمين بها لا يزيد عن 10% من سكانها
تقع دوبوي في شمال شرق البوسنة والهرسك، علي نهر بوسنة، حاليا تقع في كيان جمهورية صربيسكا التي تحاول الانفصال عن البوسنة والهرسيك والاتحاد مع صربيا، مساحتها 648 كم مربع، ترتفع عن سطح البحر بـ 252 مترا، وعدد سكانها 71441 نسمة (كان 106249 نسمة عام 1991). تعتبر دوبوي واحدة من أقدم المدن وأهم مركز حضاري في شمال جمهورية صربيسكا. بها أكبر شركة سكك حديد وطنية، ركزت دوبوي علي جزء كبير من أنشطتها الصناعية حوله (قبل الحرب).
بوصفها مركزا إقليميا رائدا، كانت دوبوي موطنا لعدد من المصانع، التي أصبحت الآن مفلسة في معظمها من سوء الإدارة أو الخصخصة، وأهم مصانعها، مصنع "بوكانكا دوبوي"، لتعليب للفاكهة والخضار؛ ومصانع "ترودبنيك"، لضواغط الهواء والمعدات الثقيلة. في الوقت الحاضر معظم الاقتصاد في تدهور (كما هو الحال في جميع مناطق البوسنة والهرسك) لسوء التنفيذ والانتقال من الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة لاقتصاد السوق، معتمدا علي صناعة الخدمات، مما أدي لارتفاع معدلات البطالة.
والمسافة بين لوكافاس ودوبوي حوالي 45 كم قطعها الأوتوبيس في أكثر من ساعتين، ذكرني بأتوبيسات الصعيد (الحلزونة) حيث يتوقف كل بضعة كيلومترات متنقلا من قرية إلي قرية ويستريح بضع دقائق بين مدينة وأخري. وعند الوصول لمدينة دوبوي لاحظت حركة عمران واسعة بها، عمارات كبيرة شاهقة الارتفاع تتمتع بالهندسة الحديتة والجمالية. كما لاحظت أن لافتات الشوارع والمحلات التجارية والصيدليات جميعها مكتوبة بالحروف الصربية عكس جميع مدن البوسنة والهرسك التي تكتب بالحروف اللاتينية. شوارعها واسعة ونظيفة وجيدة الرصف وتحتل المقاهي والمطاعم معظم شوارع المدينة. المقاهي مكتظة بالرواد من شباب من الجنسين وشيوخ في عز الظُهر مما يوحي بالبطالة وندرة الوظائف والأعمال بها. الخدمة بالمقاهي والمطاعم جيدة وأثمانها رخيصة نسبيا.
بعد الاستراحة قليلا علي أحد المقاهي والاستمتاع بشرب القهوة التركية اللذيذة، توجهنا لمنزل سيدة مسلمة غير متزوجة تقيم بشقة صغيرة بمفردها، إسمها رشيدة تبلغ من العمر 67 عاما، شكت لنا من الوحدة القاتلة خاصة بعد وفاة شقيقتها التي كانت تزورها من آن لآخر. حدثتنا عن أيام المحنة حين احتل الجيش الصربي المدينة في الثاني من مايو 1992م. في البداية اقتحموا بيوت المسلمين والكاثوليك واستولوا علي ما كان بها من أسلحة حتي تلك التي كانت تستخدم في الصيد. بعدها فرضوا علينا منع التجول خلال 22 ساعة يوميا ولم يسمح لنا بالخروج للتسوق إلا من الساعة العاشرة صباحا حتي الساعة الثانية عشر ظهرا. ثم فرضوا الحصار علي المدينة وقطعوا عنا المياه والكهرباء. لم يتمكن أحد من الذهاب لعمله، أجبروا العديد من الرجال للعمل سخرة بمعسكراتهم مع معاملتهم بأبشع أنواع المذلة والاحتقار. كنا ننفق مما كنا نقتصده للزمن. عانينا من الجوع والعطش وانقطاع الكهرباء لمدة عامين، تم خلالها طرد العديد من الأسر المسلمة والكاثوليكية خارج دوبوي ومن لم يمتثل كان يقتل أمام أبنائه وزوجته، ذهب الكثير من المهجرين إلي لوكافاس والقري المحيطة بها مقابل استجلاب الأرثوذكسيين منها. تركوني كوني وحيدة ولا أستطيع المقاومة.
توجهنا لمنزل كانت تسكن في أحد شققه أحدي المرافقين وطردت منه، لزيارة جارة لهم أرملة أرثوذوكسية تدعي دانيسا (وللاختصار دانا). أخبرتني مرافقتي أن دانا كانت نعم الصديقة المخلصة، قدمت لها الكثير من العون أثناء المحنة وقبيل الطرد من شقتها. رحبت دانا بنا أيما ترحيب. لاحطت أنها مريضة بمرض الباركنسون من استمرار ارتعاش يديها. قالت دانا لقد غرر بنا الصربيون الأشرار لنقف ضد أصدقائنا وإخوتنا البوسنيون، انصاع زوجي رحمه الله لهم، وأتمر بأمرهم ولكني شخصيا لم أنحاز لهم وحفظت عشرة جاراتي وأسرهم وحاولت قدر المستطاع مساعدتهم في محنتهم. أوهمونا أننا بعد الحرب سننضم لصربيا ونتمتع بأعلي الأجور والمعاشات، وخاب أملنا حتي بعد حصول جمهورية صربسكا علي موافقة الأمم المتحدة لم نحظ بأي رعاية، معاشي بعد التقاعد ووفاة زوجي لا يتعدي 400 ك. إم (مارك بوسني) أدفع إيجار الشقة 200 ك. إم، وأدفع مصاريف الأطباء وأثمان الأدوية المرتفعة، ولولا ما يرسله لي أبنائي الذين يعملون في السويد ما استطعت العيش بهذا المعاش المتدني.
أثناء وجودنا بشقة دانا قدمت للترحيب بنا ساكنة أخري سيدة علي المعاش تدعي ليوبيكا، كاثوليكية ومتزوجة بمسلم، قالت أنها كانت تعمل مدرسة للتاريخ والجغرافيا بالمدرسة الثانوية لمدة 40 عاما، ومعاشها الآن لا يتعدي 400 ك. إم أيضا وتعاني من غلاء المعيشة ومصاريف العلاج. قالت أن زوجها قبل الوفاة وأثناء المحنة قبض عليه وأخذوه لمعسكراتهم للعمل سخرة وكثيرا ما ضربوه وأهانوه حتي تدخل الأمم المتحدة. قبل أن أتقاعد لاحظت بعد الحرب أن التلاميذ قد اختلفوا عما كنت ألحظه قبيل الحرب. كانوا قبل الحرب مندمجين مع بعضهم البعض متحابين مترابطين كأتراب وزملاء، لكن بعد الحرب اختلف الأمر جذريا، في الفصل الواحد تجد انفصالا ثلاثيا بين التلاميذ الأرثوذكس وهم الأغلبية متجاورين ومتحابين، بينما زملائهم المسلمون في جانب آخر ، وفي الجانب الثالث يتجاور الكاثوليك. حاولت إدماجهم فلم أفلح واستمر التنافر بينهم، وأخشي من هذا الجيل عندما يشبون عن الطوق ويتحملون المسؤولية وهم بهذه الكراهية والانفصال، ويروعني كثيرا صورة المستقبل حينئذ وأراه مظلما وينبئ بسوء المصير.
كان سؤالي المباشر للسيدتين المسيحيتين: هل كان للكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية دخل في التحريض علي قتل وتهجير المسلمين من المدينة ؟. أجابت دانا بكل صراحة: لا أعتقد أن للكنيسة دورا مباشرا في المحنة من منظور ديني فالإنجيل يدعونا لمحبة أعدائنا والصلاة من أجلهم، فما بالك بالجيران وزملاء العمل وهم ليسوا أعداء بل أصدقاء أعزاء، ربما كان الصمت وعدم الشجب من منظلق وطني وليس ديني. فالكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة صربية أساسا.
وأجابت ليوبسكا قائلة: في البدايا تحالف البوسنيون الكروات الكاثوليك مع إخوتهم مسلمي البوسنة ضد صربيا وصرب البوسنة، ولكن في النهاية انحاز كروات البوسنة الكاثوليك للأرثوذوكس الصربيون ولا أدري إذا ما كان ذلك بتوجه كنسي أم بتوجيه سياسي كرواتي، وإن كنت أرجح أنه انحياز سياسي والدليل علي ذلك تقديم رئيس كرواتيا إيفو يوسيبوفيتس في إبريل 2010 اعتذاراً رسميا إلى البوسنة عن الدور الذي لعبته زغرب في إذكاء الانقسامات العرقية. والاعتذار جاء في كلمة القاها الرئيس في البرلمان البوسني.
وحين أخبرتهما أنني أريد التوجه للكنيستين وإلقاء السؤال ذاته للسادة الآباء كهنة الكنيستين، حذرتاني من مغبة ذلك لآن الكنيستتين لا ترحبان بالحديث في هذا الأمر وتعتبران من يتحدث في ذلك عدوا لهما وربما يتعرض للأذي. وإلي لقاء آخر بالمقال التالي.