الإرهاب الساخر

سامي عبد العال
2017 / 7 / 21

الجمع بين " الارهاب والسخرية " أمر بالغ التعقيد. لكنه قد يمثل واقع الحال دون زيادةٍ أو نقصان. إذ يظن رعاة ( الارهاب) الدفاع عن قضايا حقيقيةٍ. بينما هم على مسرح ساخر يضحكون الجماهير المفترضة. وفي الوقت الذي يسابقون فيه دخاناً وهمياً يصطدمون بكافة المشكلات. وبهذا تُجسد أوضاعُهم طرافة الخداع والمراوغة تجاه الأحداث. كما أنَّهم يكشفون النقاب عن حيلٍّ تظهر أفعالهم المضحكة. وتلك هي المفارقة في التنصل من إرهابٍ سرعان ما يرتبط بنتائج وملابسات أكثر إرباكاً لرُعاته. وشأنهم أشبه بمصارعة الثيران. لا يمتلكون غير الركض وراء خرقة حمراء توقعهم أرضاً تحت السهام.

إنَّه صنف نادر من السخرية السياسية بطلها نظام قطر. حيث لم تُفلح إمارة الإرهاب في دفع الاتهامات، فقالت: حصاراً، جداراً، اعصاراً لم يكن متوقَّعاً من الأشقاء. لكن متى كانوا بالنسبة إليها أشقاء؟! وقال حكامُها لسنا إلاَّ مظلومين بلا حولٍ ولا قوةٍ. فوق ذلك ستكون لنا العزة والفخار بينما لدول المقاطعة الخزي والعار. هل الفخر والعزة مجانيان؟! وتنادى مواطنوها: نحن داخل البلاد مع العباد تحت فيئ الأمجاد. وقال شيُوخُها: نحن مع الخلافة ولن نشق عصا الطاعة والشياخة. فالله أوصانا بمناصرة الإمارة ونحن سنحملها فوق أكف الفتاوى حتى قيام الساعة. وقال اعلاميُوها: لنا الأصوات العليا والنغمات الأطول وحناجرنا هي الأوسع. ومهما تكن الأخبار سنلبي النداء بنفس رتمِ الجزيرة الأمتع!!... لكن إلى متى سيستمر الكذب؟!

وقال دبلوماسيو الإمارة سنظل نتجمل وسنزور رؤساء الجن والملائكة لتبرئة ساحتنا من الإرهاب. وقال عُمالُّها: سنغسل الأقذار عن أثواب أميرها حتى أخر قطرات المحيطات والبحار. وقال ضاربو ودعها: رغم غياهب الأقدار فإننا واثقون من الانتصار. وقال مراسلوها هنيئاً لمن تتعطف عليه الإمارة بأوراق اليورو والدولار. وقال محللُّوها: ليس لدينا ما نقدمه إلاَّ كشف المؤامرات والأسرار. ودفع الاتهامات بنصب الفخاخ لشعوب دول المقاطعة الأشرار. وقال جهاديوها: ليس أهم من التفجيرات في ساحات الوغى. وفي سبيل الإمارة سنقطع المسافات ونخوض الأسفار!!...قمة السخرية التي تدعو إلى الضحك حتى الموت!!

وإذا هبَّ عليك هذا الكلام فأعلم أنَّ نظام ( قطر) يمضُغ عبارات زلقة. يضرب في أدمغة العالم تحسباً لمطاردته في كل مكان. وخوفاً من الغرق في برك الإرهاب الذي صنعه ورعاه وموله. وذلك يتسق ومواصلة الهروب من المسؤوليات. نحن في كوكب العرب لم نعتد على الاعتراف. فتعديل المسار خطيئة ما بعدها خطيئة، ومراجعة السياسات عيب أخلاقي فاضح... كأننا أمام إله يساءلنا عما فعلنا. وماذا هو فاعل لو ثبت العكس؟! وعادة ما "نعمل من الحبة قبة " ومن خفيف العراك أم المعارك. بينما الأمور بارزة وتحتاج إلى جرأة الطرح وقدرة فعلية على تطوير المجتمعات.

هذه هي السيمفونية الشهيرة للنظام القطري التي استعملها أثناء الربيع العربي وقبله وبعده. وها هو يعيد عزفها مرة أخرى أمام مواقف الدول العربية والغربية. وسيظل يستعمل آلات الكذب من النفخ والطبل والزمر والدُّف والنقر لتوصيل توجهاته إلى العالم. والمثل الشعبي يقول عن هكذا حالٍ: " خدوهم بالصوت ليغلبوكم ". وبالطبع فإنَّ لهذا النظام في كل زقاق وزنقة وحارة بالونات تنتظره على النواصي وفوق الأسطح وفوق الأحجار. جميعها تمتلك أدوات العزف الخاصة بها: سواء أكانوا صحافيين أم حقوقيين أم رجال سياسة أم رجال مخابرات سابقين أدمنوا روائح الدولار أم مرتزقة الحروب وتجار الوطنيات أم بائعي الهويات تحت اغراء التجنيس والحياة المرفهة.

وبالفعل ليس ذلك شيئاً غريباً لأنَّ حركة نظام قطر الخارجية جزء من الجيش العولمي الذي يتدخل لصناعة الآراء والحروب والاتجاهات السياسية والعلاقات الدولية وصياغة الرأي العام وترويج حملات التشويه بصرف النظر عن القيم الفعلية في الواقع. إنَّ أكبر آثار العولمة الاقتصادية توافر أرصدة ضخمة لهذه الكوادر(من المخابرات، الجماعات الإرهابية، شركات الحروب، مافيا الصحافة، المرتزقة، المستشارين، الخبراء الاستراتيجيين، العملاء، خادمي الأنظمة السياسية، شركات غسيل الأموال، جمعيات الفتوى، كتاب الأعمدة، خبراء الاقتصاد وأسواق الأوهام...). وبإمكانهم شن الحروب وإدارتها داخل مؤسسات اتخاذ القرار ودعمه في العالم. شريطة أنْ يدفع لهم صاحب المصلحة أكثر. وأنْ يبدي ترحيباً بهم ورعايتهم. ونظام قطر أحد مفاتيحه الإقليميين. هو أحد المستثمرين في أسواق ذلك الميراث الضخم. وبالطبع أمريكا والقوى العالمية هي الممرات الآمنة التي تضفي عليه شرعية دولية مهمة.

إنَّه الجيش الأخطر من الإرهابيين لكونِّه يمهد لهم كلَّ الطرق الممكنة. ويسمح لهم بالتواجد في دول يراد إفشالها ومحاربتها. ويقوم بغسيل الإرهاب وتقديمه على أنَّه بديل سياسي. فقد تجد- على سبيل المثال- أحد الارهابيين يرتدي أحدث الملابس العصرية ويجلس فوق أفخم المنابر في لندن أو باريس أو واشنطن باسم حقوق الإنسان. وقد يتحدث حول كافة القضايا وينظر للسياسة والمعرفة والاقتصاد. رغم أنَّ كلامه عبارة عن شفرات للخلايا النائمة في الشرق العربي. وقد لا تمر أيام إلاَّ ويكون أتباعه قد فجرُّوا أحد المباني أو اغتالوا أحد المسؤولين وأثاروا الذعر والفوضى هنا أو هناك.

على هذا المنوال علق النظام القطري شعار " حصار قطر " عبر انحاء الإمارة وعبر جميع القارات. كتبه على أوراق الأشجار، وعلى أجنحة الطيور المهاجرة، وعلى صناديق الزبالة، وعلى أجنحة الطائرات، وعلى نوافذ السيارات، وعلى شاشات الجزيرة، وفوق أسوار الديوان الأميري. ولم يكتف بهذا بل نحت الشعار على الأذرع وفوق الجباه وعلى جلباب السيدات وعلى ملابس الرجال. وكتبه على السحب وتحت الطبقات التي تكون الأرض وفوق الأعلام. ولم يبق إلا وضع الشعار ضمن المقررات الدراسية في المدارس والجامعات وعلى صخور المريخ والمشترى وزحل والزهرة. ولم يبق أيضاً إلا كتابته في نصوص الأساطير القديمة وضمن أضابير الوثاق التاريخية النادرة بالمتاحف ودور المحفوظات القومية.

وها هو على أعتاب تسريبه ليصبح ضمن آيات الكتب المقدسة منذ فجر التاريخ حتى آخر الرسالات. ليأتي ضمن أشعار الرعاة الأوائل، نصوص زرادشت وتعاليمه والحكم البوذية والكونفشيوسية، وألواح موسى واناجيل المسيح وآيات القرآن وكتب الصحاح وغير الصحاح وكتب التفاسير وسير أعلام النبلاء والحمقى والمغفلين وأخبار البلدان والرحالة وأدبيات الحروب ورسوم الإمارة والخلافة. وهناك مساع حميدة من المشيخة القطرية لوضع سردية الحصار داخل ألف ليلة وليلة حتى تصبح من نسيج الخيال العربي. وكي تحكى للأجيال القادمة وللعرائس والعرسان أثناء الأتراح والأفراح.

وللأسف هناك صدى واسع وتصديق لا يضاهى لهذه الأشياء. فالمناخ العربي بات يسمع برجليه مع أذنيه. يتحسس مشكلاته لا بالمنطق بل بالقبلية الدينية والسياسية. فالرجل العربي مثله مثل القبيلة مثل العائلة مثل طغمة الرئاسة عبارة عن أذن بحجم الواقع فقط. والاعلام المعاصر هي الشكل الحديث لثقافة الشفاهية القديمة بكل خيالها وبلاغتها. وهي ما جلبت أنماط السمع والطاعة والتقاليد والتفكير السائد إلى الآن. إنَّ تلك البذرة كانت جوهراً لأشد أزمات الدين والسياسة فتكاً بقضايا التنمية والتنوير. وبتنا نرى دولاً كأنَّها عشيرة تتحلق حول حكامها كأنَّهم يمتلكون إرادة لكنهم ليسوا إلاَّ ذيولاً صوتية في المنطقة.

نظام قطر يصدر خطابا تلو الأخر حول محاصرته بينما كان الأولى به أن يكف عن تغليب التخلف على الاستنارة، وأن يستعمل منابر الحداثة في اجترار فتاوى القتل واحياء النعرات الطائفية والجهادية التي تفتت المجتمعات. وهذا على الأقل من أكثر الأشياء حيوية للحيلولة دون مناخ الكراهية والتعصب. فالحصار معناه منع اتصال الدولة المحاصرة بالعالم ومن حركة التجارة والاقتصاد وسيولة تحويل الأموال والبضائع. وهذا لم يصدق في حالة الإمارة السابقة. فقطر لها كافة الخيارات والاستثمارات والسيولة الاقتصادية مع كافة الدول باستثناء دول المقاطعة. وترويج الأمر على أنه حصار يمثل نغمة في سيمفونية الكذب المتواصل مع إنشاء الدول العربية بمعطيات القبائل.

وبالطبع لا يختلف النظام المشار إليه عن أشقائه من الأنظمة السياسية القائمة. جميعهم يلجأون إلى تلك الأدوات بدرجات مختلفةٍ. لكن واقعياً فإنَّ نظام قطر له النصيب الأوفر من هذه الكعكة الدولية.

إنَّ محاصرة هذه الأعمال هو شرط لمعرفة: كيف يستزرع التخلف ومؤسسات الفقر الفكري والديني في الوعي العربي الراهن. فلم تترك مساحة التحرير لأنها مختلطة بالدين والأحداث إلى درجة التماهي. كما أنَّ المتابع العادي لا يذهب إلى متابعة السياسة بعقل ناقد بل يأخذ مقاعده تحت المنابر الدينية أو داخل مواقف التشاحن والتحارب بين الدول أو من خلال تجاربه الحياتية عندما كان يعمل بإحدى دول الخليج كما حدث مع المصريين.

وكذلك فإن هذه السردية ليست لها علاقة بالحقيقة لأنَّها نوع من المتاجرة بالمناخ الفكري والاعلامي. وتشوه كل الآفاق التي ترتبط بها سواء اجتماعياً أو إنسانيا أو ثقافياً.

والآن تبذل المحاولات مع البيت الأبيض لشراء مواقفه لصالح النظام القطري. ولا يستبعد أنْ تكون الصفقة أكبر من صفقة ترامب مع الوهابية السياسة في الرياض بالأمس القريب. وليذهب الواقع العربي إلى الجحيم ولتردم كل آفاق الحرية وبناء الشعوب وقيم الحوار والاختلاف. فلا توجد في هذه الدوائر إلاَّ صوت الاقتصاد ونهب ثروات الشعوب. وعندما تتعثر الخطى وتفشل التنمية ستكون فاتورة الفقر والتخلف والاستبداد من نصيب الاجيال التالية.