سياسة الموت والاستبداد

سامي عبد العال
2017 / 7 / 19

عادة نقول مات فلان...، أي تلاشت جوانب حياته. ليست مسيرة الفرد فقط بل المستقبل الذي يتركها باقيةً كذلك. وبناءً عليه تسقط حركةُ الوقت من دائرتها. إذن حيث لا تكون هناك سيرورة process يصبح الموت وشيكاً أو هو الموت ذاته. فيغدو الحال لصيقاً بعدم إمكانية الفعل. ولهذا عندما نرى أحداً لا يعمل (عاطل) تستقر لدينا هذه التسوية مع الموت. فلا يؤثر في محيطهِ ومن ثم َّيتيح نفسه للمجهول. والسياسة - بجانبها المظلم - هي ضرب من الإتاحة الجمعية لما يجعل المجتمع بلا قيمةٍ. أي يتم وضعه في حالة جمودٍ أشبه بتعطيل مساره التاريخي وإجهاض ثرائه الإنساني.

الفكرة هنا أنَّ الموت هو الجانب الآخر للاستبداد السياسي. إنَّه المصير الذي يترصد نشاط الأفراد داخل الأنظمة الحاكمة!! فتلك الأنظمة باستبدادها تسيِّس الموت وتقننَه من خلال ممارسة السلطة. وطبعاً هذا يجري كعمل غير مباشر داخل غرائز الحياة. بمعنى أنَّ الموت ليس واقعة فردية كما يظن الناس. لكنه قابل للتعميم، فهناك آثاره، هناك الخوف منه، هناك حلول دلالته رغم عدم ظهورها. صحيح الموت هو موت الأنا في جميع الأحوال، لكنه ما كان ليقع بهذه الطريقة أو تلك إلاَّ بالنسبة للآخر. فهو الذي سيحزن، سيُدرك ماذا لو مات فلان أو فلان. وهو الذي يستطيع الإحساس بأعماقه كتجربةٍ بين ذاتية inter- subjective.

هنا تكمن في كل موت نبرةٌ سياسية خفيفة الوقْع. لكنها بالغة التأثير بدرجة كبيرة ولا سيما عندما يجعله المستبد ممنوعاً من حريته الداعية للاندهاش. والمستبد دائماً لا يقبل اندهاشاً من أيِّ نوع كان. لأنَّ قمع الموت ووضعه في إطارٍ طارئ يمكِّنان النظام من ممارسة أدواره اللاهوتية. فنحن عادةً ما ننسب القدر، الزمن، الأعمار( بمعناها الجاري) إلى قدرات الإله. والدولة وباعتبارها مسكونة بفكرة الألوهيةِ، فإنَّها الوريث الحداثي الأرضي لتلك القدرات. ولذلك تدعونا الدولة لانتظار التغير، ممارسة الحياة كلما جاء الزمن من وقت إلى وقت تالٍ. ونظراً لأنَّ الاستبداد يشتغل على هذه الممارسة، فإنَّه يروِّض فكرة الموت منتزعاً سلطتها لنفسه.

بعض من ذلك برهن عليه المثل الشعبي: " نأكل القوت... وننتظر الموت". فما الذي يدفع إلى هذا الحد؟ ما الذي لم ينطق صمتاً ويدعو إلى غرفة انتظار قاتلة؟ إن ارتباط الغذاء تجاه الموت دال على اسقاط فاعلية الميلاد اليومي( الأيام المتجددة ) تجاه النهاية بالنسبة للإنسان.

بخلاف ذلك اعتبر مارتن هيدجر أنَّ الموت هو أقصى إمكانية قد يبلغها الإنسان. وهو إمكانية لأنَّه يلخص الحياة بمقدار كونه نهاية اللانهاية. أيُّ موتٍ يشكل حدثاً غير مسبوق، غير متوقع، غير قابل للتكرار. يبدو أنَّ هيدجر كان شاعراً بما يعترض الفكرة من سياسة خارج إيقاعها النوعي. ورأي في خلوص الفرد لذاته بمثابة صرخة الإنسان على وجوده الفريد. وهو من جهة أخرى يؤشر نحو إحدى درجات هذا الوجود. " كل شيء في جوف الفرا "... فالحياة حياة في الوجود وكذلك الموت موت فيه بالمثل.

وتتباين الميتات - بصيغة جاك دريداً - عن بعضها البعض حتماً. فدريدا كان يتحدث عن ميتات رولان بارت ناعياً تنوعه الذي لا يتوقف. وكما كان رولان بارت غير محدود القيمة والإبداع فكذلك جاء موته ثرياً إلى حد الاختلاف. وفعل الموت جاء بمدلول طفر، فائض، حدث فجأة بشكل مذهل. هل يمكن توقف تداعيات الموت؟ بل أين يقف الموت؟ وكيف يأتي بهذا الزخم؟

إنَّه من تلك الزاوية يتعلق بالذاكرة، بعمل الماضي والحاضر والمستقبل في نافورة زمنية واحدةٍ. فالميت كموضوع يوثق الزمن بهذا الجمع المتنوع في اتجاهاته. وقد تكون الذاكرة نسبية غير أنها مليئة بالحياة. فالذاكرة ذاكرة حياة بالمقام الأول. وكذلك يتعلق الموت بحرية الموجود الذي ينضو عن نفسه كل أثقال الواقع. فهو غير مرتبط بالحجم. الموت بلا حجم، بلا حد. ومن هنا إذا كان الموت أعلى إمكانية فهو أكثر حرية من سواه.

أيضاً يشير المثل السابق إلى الانتظار كعطالة وجودية إلى حين. وانتظار الموت موت في أغلب الأحوال. ولهذا نقول: أصعب من الألم، وأسوأ من النهاية أيا كان لونهما، هو انتظار ذلك. وبالتالي سيكون القوت الحد الأدنى من الغذاء طالما نعرف المصير. غير أنه قد يكون تخمة تؤدي إلى ترهل الحقائق والوعي بالحياة. كما هي بعض المجتمعات العربية التي تعالج جميع مشكلاتها بالطعام. فقد تحول الأنظمة السياسية المستبدة الأفراد إلى حيوانات آكلة ومفترسة ليس أكثر!!

بالتالي لدينا أشياء متوازية: الموت، اللازمن، انعدام الفعل. وإذا أخذناها من هذا من الطرف الأخير أي ( انعدام الفعل، اللازمن، الموت ) فتلك معادلة الاستبداد الشرقي النادرة. ولهذا نقول إنَّ المجتمعات الديمقراطية لهي مجتمعات حية. ليس مجازاً بل أنطولوجياً. فالحياة ضرب من الظاهرة التي تُحيِي سواها إلى أعمق مدى. لأن الحياة – في ذاتها- ليست مستقلة مثلها مثل الوجود، العدم، الله، الموت. إذ يجب أن تترك آثاره على كائناتها الحية التي تعتقد فيها وتمارسها.

من تلك الزاوية فإنَّ الديمقراطية ( تداول السلطة، الانتخابات الحرة، تغيير الاستراتيجيات، حقوق الإنسان، العدالة، المساواة، الرفاهية...) بهذا الزخم الدلالي تعتبر مراناً مستمراً لتفويت الفرص على الموت. إنَّها مران على تأجيله المستمر بشكل فاعل وبنَّاء.

علينا أنْ نتخيل: ماذا يفعل الاستبداد عندما يتلاعب بهذا المشهد؟! إنَّه يشارك في تكريس أوضاع الموت الفارغ. الموت المجاني الذي يوزع أحداثه على الجميع. وبقدر الهيمنة التي يحكم بها المجتمعات بقدر ما يدفعها إلى الانتحار!!

أيضاً يلتقي الموت في محدوديته مع تاريخ الاستبداد. حتى أنَّ حاكماً مستبداً قد يجعل المجتمع قبراً عاماً. هو يسلب من الموت أكثر أبعاده ثراءً عندما يدفع الإنسان لإبطال تأويله. وطبعاً الموت لا يبرر مهما يكن، ولا يتم البحث عن غاية وراءه إلا داخل سردية دينية أو سياسية ما. غير أن الاستبداد يشحن هذا الجانب تخلصاً من الحياة نظراً لعدم القدرة على تغيير الأوضاع للأفضل!! لا يترك خياراً مفتوحاً. كل الخيارات تؤدي إليه في نهاية الأمر.

وفي هذا كان لافتا الانفجار المذهل للموت خلال أحداث الربيع العربي. كأنَّ الاستبداد قد وضع المتظاهرين طوال سنوات على هذا الهوة. ولم تستنكف الآلة الاعلامية للأنظمة في تفريغه من معانيه. لتضع عناوين سياسية بديلة. قيل: مؤامرة، مخالفة القانون، خلخلة الأمن، تهديد السلم الاجتماعي!!

فكان المخزون الوحيد هو العنف الذاتي. وكانت شوارع التظاهرات عنوانا للموت بالضرورة. وربما حصر المسألة فيما يحدث آنذاك لم يكن صحيحاً. لأنَّ ميراث القهر كان قد بلغ حداً يستحيل السيطرة عليه. وهو ما سيظهر في انعدام المعنى وراء الأفعال ومحاولات استهلاك الجسد ورغباته التدميرية عشوائياً. وكان بعض المتظاهرين يستعرضون الموت أمام الكاميرات كأنهم داخل حفلة للآلام. بالطبع هم لا يرونها آلاماً بل كانت مسرحة لما يشعرون به. والبعض منهم يراها نوع من إظهار ماذا فعله بهم الحاكم المستبد. وهم بذلك يسددون – بأخص ما يملكون- ضربات تمثيلية للنظام القائم. ورغم أن الجسد هو المستخدم إلاَّ أنه إيصال لما يمتلك من بصمات الاستبداد في ماهيته، في حياته الخاصة.

طبقاً لهيدجر حاول المتظاهرون بلوغ أبعد احتمال لما يوجدون فيه من استثناء. وهو استثناء يؤكد قاعد الاستبداد من جهة ويعريه بما فعله طوال عهود من جهة أخرى. وليس أدل على هذا من استمرار مسلسل الموت. سواء بالتفجيرات التي اعبرها الارهاب ثأراً من انظمة الاستبداد أم من عمليات تبديد الحياة في العشوائيات والتخلف واهدار الوقت. ولا ينفصل عن ذلك أيضاً هذه الجثث الطافية في عرض البحر بحثاً عن فرص حياة لا يجدونها في مجتمعاتهم.

هكذا لن يتوقف الموت إلاَّ بتوقف الاستبداد. هذا الذي يعتبر قتلاً مقصوداً لكن بأيدي الموتى. لأن ثقافة الحياة تحتاج تدعيما متواصلاً. من خلال التقدم والانفتاح والاقبال على بهجة التغيرات نحو الأفضل. فليس الارهاب هو من يدمر فحسب بل الأنظمة السياسة التي عملت على إفناء قدرات الإنسان أيضاً. ولا يعد هذا الوضع مبرراً لذاك الارهاب. فالاثنان يسهمان في حالة اللاجدوى التي تعيشها المجتمعات العربية. ولهذا سيكون الاستبداد مؤثراً على أجيالٍ يجب حمايتها مما غرس فيها. وذلك فقط عن طريق الحياة السعيدة. إنَّ استمرار الاستبداد في مواقعة جريمة مستقبلية على الأصالة.

إذن السؤال الحيوي: كيف تُولد أجيال وتنشأ وتحيا تحت سقف الحرية؟! فالأمل يخرج الإنسان من دائرة الموت، والأهم أنَّه سيضعه داخل الحياة. وتلك الأخيرةُ ابداع ضمن جميع المجالات. و بهذا لا تقل السياسة عن مثيلاتها دون احتكار ولا تسلط. كلُّ الناس يعلمون هذا إلاَّ المستبدون الجدد.