الشعارات الجوفاء - خواطر

هاله ابوليل
2017 / 7 / 18


لم تكن فكرة هدية عيد العمال وتوزيع كسوة و مونة غذائية لهم فكرة سيئة من أفكار ايمان نواف , بقدر ما أظهرت حجم كرهي لفكرة الإستحواذ الشامل لفردية الشخص وتملكه مع سوء أفكاري التي تختبأ وراء إيديولوجيات غير عميقة !!!
وقد استخدمت هذا المصطلح بالذات "غير عميقة " نظرا لتبدلها في قناعاتي الشخصية بعد عدة سنوات وقد أصبحت عجوزا شابة لا معيل لي فلا راتب تقاعدي ولا رصيد متدفق ولا أعمال مزدهرة وجدت أن فكرة الفردية ورأس المال ستحقق لي - على الأقل رفاهية شيخوخة لعجوز تخطط للعيش وحيدة مع كلابها
العشرة وأطفال قطتها التي ماتت بعد المحاولة الثانية في عملية الإنجاب الفاشلة - ولتذهب أفكار لير تولستوي للجحيم فبعد أن وزع أراضيه على الفلاحين والمزارعين- الروس أمثال شيخروف وميتوف وغورباتشوف وكراكتشوف ومنيتوف وعموتوف وسيدوتوف وهالتوتوف . لم يجد تعاطفا ساندا منهم فيما بعد سوى فكرة أن هذا الرجل إما شاعر مجذوب أو كاتب غارق في فلسفته أو معتوه أو فاقد للذاكرة .
خلاصة التبدل تلك جاءت في لحظة تذكر لموقف لا يمكن نسيانه .
إنه عالق بذاكرتي مثل شريط سينمائي أفسدته حرارة الجو وسوء الإستعمال , فبات يكرر المشهد نفسه .(أيدي سوداء واذرع بنية مليئة بالشعر , تمتد نحوي ويفصلنا حاجز زجاجي الأيدي تنزع الأشياء التي أخرجها من النافذة - خطفا
بالحقيقة - أنا أبالغ كعادتي في هذا المشهد .
كل ما في الأمر, إني تذكرت أن هناك أشياء في الحياة لا يمكن أن تعطى بشكل فردي فلا بد من أكمال نقصانها لكي تصبح صالحة للإستعمال ؛ مثل ماذا !!!

فردة حذاء ناقصة , قد تنفع لقتل الصراصير وملاحقة أم أربع وأربعين ولكن لا يمكن دخول الحمام بها , فأنت بحاجة للزوج الآخر المشابه لها , هذا أغرب مثال استطيع أن أقول - إنه مثال حيّ ورائج ومقبول جماهيريا , ففي التراث الإجتماعي- الحياتي حيث الأساطير والأحلام يعتبر خلع الحذاء في المنام مفارقة للزوج أو فقدانه أو العكس فحين ترتدية العزباء , فإنها تتزوج.
يا للهول ,لقد تزوجت الفتاة أخيرا !!!
هكذا يفسرون الأحلام
و يعتبر الزوج عبارة عن زوج أحذية أو فردتي حذاء جديد أو قديم أو مستعمل بشريط أو بدونه , بمقدمة عريضة أو بوز رفيع ( سيان) , بخامة جلد أصلي أو مزيف( عادي ),
مصنوع من جلد نعامة ضريرة أو جلد مصاب بالبهاق مسلوخ من حية كوبرا تلدغ أو فروة أسد جائع (لا فرق) أو ربما حذاء رياضي أو شحاطة للحذاء أو زنوبا ذات الأصبع الواحد الخاصة للبحر أو مصنوعا من القماش الخفيف الذي لا يحمي الرجلين أومن البلاستيك ذو الرائحة الكريهه أو حتى لنقل قبقاب شامي يصدر صوتا مزعجا في الترحال والتجوال.
المهم أن يكون لك حذاء لامع , باهت, لا لون له , المهم أن تلبس الحذاء !!!

وتذكرت النساء المطلقات أمثالي و الأرامل اللواتي لا يحظين بحياة زوجية مثالية
( أن كن يحظين بها - المتزوجات ).
فنحن أشبه بزوح حذاء ناقص ولا نعرف من أين سنحصل على الزوج الآخر المشابه له , فقد ننفع في بعض الأمور ولكن - حتما - سيتم النظر لنا على أننا نساء ناقصات أزواج - فقط لأن حذاءنا الآخر ضاع سهوا أو مات قهرا أو غرق غرقا أو حرق حرقا أو هرب بجلده أو قضي عليه مقتا أو مات مثل أي شخص سيموت بالنهاية و مهما كان السبب فلم يعد يناسبنا .
معرض هذا القول حوار دار بيني وبين مديرة عراقية زارتني في المكتبة ورأت من بين الطرود التي أرسلها الأهالي لتوزيعها على العمال في عيد العمال - طرد مميز بطريقة عرضه وأن كان رخيصا بمحتوياته ؛ وهو عبارة عن عطور بدون أسماء معروفة وأدوات تنظيف وغسول وصابون وأمشاط وفرشاة ومرآة - للعناية الشخصية مع بلوزة صيفية وحذاء من ذاك النوع الطري أو لنقل أشبه بالخف .
جميعها مرتبة ومغلفة بشفاف وموضوعة في علبه مزيّنة و مزكرشة بطريقة فنية أشبه بالهدايا .
قلت للمديرة التي تؤمن بفردية الإنسان وأحقيته في الحصول على الفرص مثل أي رأسمالي لعين - وخاصة أن راتبها يزيد عن رواتب خمس معلمات بكامل حمولتهن من الكتب والواجبات وإزعاج الجرس بعد كل حصة وجهاز البصمة اللعين الذي يسرق روح بصماتك يوميا ويرسلها الى أثير كوني لا يستحق أن ننتظره .هذا عوضا عن الطابور الاستعراضي ونصاب الحصص وحصص الإشغال وغيرها لأن الحظ كان بجانبها ولم يكن بجانب الخمسة الآخريات .
, قلت لها: إننا نفكر بتوزيع ما بداخله على الأكياس ,لأن هذا يتنافى مع المساواة والمشاركة و الإشتراكية العادلة , ولاح طيف جمال عبد الناصرمبتسما أمامي بإبتسامته الخلابة , فتلميذته النجيبة تتحدث عن الإشتراكية !!! وقراره الحكيم الذي جلب له معجبين من أمثالي وأمثال السذج الذين يؤمنون بما يسمى بالعدالة الإجتماعية وها هو أمامي يأمر بتوزيع الأراضي الأميرية التي كانت لعائلة الملك فاروق على الفلاحين والفقراء . صوت الجماهير يهدر ويصم الآذان ألتفت نحو المديرة الجذابة التي تجاوزت الخمسين ومازالت بدون أي تجعيدة بارزة .
كان رأيها أن نعطيها لشخص ما – عامل واحد فقط يحصل على كل تلك الأشياء دفعة واحدة ( نحن لا نفكر بقيمتها المادية فهي لا تساوي المائة درهم , ولكننا كنا نتكلم عن الحظوظ الوفيرة والفرص التي يوفرها النظام الرأسمالي الأمريكي مقابل إشتراكية ساحة الكرملين الروسية - التي توزع الفتات بحجة المساواة مثل بقرة تستثمرها بمبلغ كبير لكي تعطيك يوميا كيلو حليب فقط وقد تنفق البقرة وتموت قبل أن تجمع رأس مالك .

وكان رأي المخالف لها " فلماذا يحصل عامل على كل هذه الأشياء في حين يكون شخص آخر ربما يكون شريكا له في السكن ولا يتميز عنه بشيء , نصيبه كيس سكر وشاي و علبة حمص وفول وبعض باكيتات الباستا أو المعكرونة الرخيصة . وتذكرت حالي وراتبي وراتب نونو- صديقتي التي نتشارك في السكن نفسه و التي ينزل بحسابها البنكي 12 ألف في حين لم يتجاوز راتبي - حينها الخمس الآف فقط .
هذا ليس عدلا !!!هكذا خرجت من فمي , فلنقسمها على الجميع .
رمقتني بابتسامة أحبها وهي تغمز فرغم إنها فردية النزعة ورأسمالية الإتجاه - إلا إنها تتميز بسعة الأفق ورحابة الفكر وهذا ما يعجبني بالشخص - المرن الذي لا يفرض على الآخرين قناعاته فهي تشتري ماركات وتعرف سخافة إنفاق النقود عليها وتصرح بذلك مباشرة ولكنها لا تكف عن الشراء من أرقى المحلات .مثل أي شخص يقرأ يوميا أن التدخين يضر بالصحة ولكنه يواصل التدخين بشراهة .
قالت بهدوء مثير للأعصاب هكذا هي الدنيا - مجرد حظوظ .
وكأنها تشير لراتبها الذي يوازي ست رؤوس من المعلمات الكادحات وهي أصلا ليست من قسم التعليم بل خريجة هندسة توظفت في أحدى المدارس - صدفة حيث لمحها أحد المسؤولين في المدرسة وأعجبته وشجعها على تقديم الطلب وقام بمساندتها حتى آخر درجة للصعود و أرتقت بطريقة المحظوظين في الحب والحياة وواصلت حتى وصلت ,و
ها هي مسؤولة عن عدد وفير من المدرسات والإداريين وتنظّر عن التعليم والتعلم وتهندس المدرسة بتخطيطاتها الأولية والمستقبلية ورسومها التجريدية وفي النهاية نجحت .
" لما لا نترك شخصا واحدا يستمتع بكل هذه المزايا" !!!هكذا كانت تفكر وهي تقترح هذا الإقتراح - العجيب من وجهة نظر إشتراكية . غُلّفت الكراتين بشعار مدرستنا وبعد أن امتلأت بالأطعمة الناشفة توجهنا مع بعض الطلاب, وركبنا الحافلات متوجهين ببركة اليوم المبارك لتوزيعها على العمال في مواقع البناء .
تجولنا في منطقة خليفة ,فكان حجم حمولتنا باص متروس حتى آخره ومواقع البناء في منطقة خليفة متفرقة , وهذا لا يفي بالغرض . وكانت إيمان قد تركتني أحوس بذلك اليوم لوحدي.
فقد سافرت للسعودية مع زوجها وبقيت وحدي أوضب الأشياء والأطعمة حتى اليوم الموعود .

أخذنا السائقين إلى منطقة صناعية مليئة بالعمال الكادحين من البنغال والهنود والباكستان وغيرهم .
ألقينا حمولتنا في أحدى الساحات القريبة من أحد المساجد والتي وفي غمضة عين امتلأت بالعشرات, ثم تدفق المزيد والمزيد , وجلسوا أرضا ينتظرون أكياسنا العامرة بعلب الفول والتونة والحمص والسّكر . ونحن حائرون بهذا العدد الضخم مما جعلني أقرر أن نقسم ما في الأكياس لهم حتى يحصل كل واحد على غنيمته - ولو قطعة واحدة وأن لم ينفع ذلك مع تزايد الأعداد النهمة مما جعلنا نجلس أنا والمعلمات المرافقات في إحدى الباصات , تاركين السائقين يقوموا بتوزيع العيّنات بعد تفريغها من الأكياس التي عادت معنا خاوية .
وقبل أن نغادر- بعد توزيع كل شيء , نظرت للكرسي الخلفي فرأيت تلك الهدية المليئة بالملابس والعطور والأمشطة والحذاء القماشي الخفيف , ونظرت للجموع التي تنظر لنا بأمل من لديه المزيد وتذكرت فكرة الفرد الواحد مقابل الجموع الجائعة, والراتب الضخم للشخص الواحد مقابل الرواتب الهزيلة للمجموعة .
كان الحذاء القماشي يلمع من بعيد ولكن فكرة نزع كل تلك الأشياء المرتبة قد تحطم الجمال الكامن بالتنسيق والتوازن , ولكن نظرات العمال الملحة والذين ينتظرون هديتهم جعلتني أشعر بالإرتباك . فالعيون التي تحدق بنا من النافذة ستنزعج فيما لو منحتها لشخص واحد وربما يهجمون عليه لأخذها غصبا وربما على الصعيد الشخصي تبدو كإشارة سيئة إنني ممن يمجدون الفردية ويؤمنون بالحظوظ القوية وأن الحياة قد تهب شخصا ما لا يستحقه لمجرد أنه حسن الحظ.
العيون التي تنظر إلينا وهي خائبة ,لأن السائق أعلن نفاذ الكمية . وجعلني الحوار السابق مع مديرتنا الجميلة وبفكرة إهدائها لشخص واحد تستفزتني . وكأننا في دولة الرفاهية والثراء.
وكانت عيون العمال ما تزال تحدق بالزجاج ترتجى إخراج ما هو مخبوء وأرى النظرات التائهة - يريدون حصتهم المفقودة .
أمسكت الكرتونة الأنيقة وعملت على تمزيق غلافها الشّفاف وأنا أقول بسري
:" فلتحيّا الإشتراكية".

وبدأت بتوزيع علب العطور الرخيصة التي لا يتعدى أفضلها العشرة دراهم - من الشبابيك وبدأت الأيدي تمتد إلى داخل الزجاج تريد أن تأخذ الأشياء شلفا أو سلبا فقط لكي لا يعودوا خائبين , حتى بقي في يدي الحذاء الخفيف .
وإذا بيدان تمتدان نحوه وتنزعانه , كل يد تشلف أحد الفردتين و هكذا أصبح الحذاء لشخصين .
يالها من معضلة!!!
وتذكرت غاندي عندما سقطت أحدى فردتي حذاءه من القطار. فقام على الفور بنزع الأخرى ورماها قريبا من الأولى وعندما سألوه لما فعل ذلك ابتسم ( لقلة ذكاءهم ) قائلا : لكي ينتفع بها من يجدها"
ففردة واحدة غير نافعة
وحاولت التوفيق بإعطاءها لشخص واحد واستطعت أن أخذها منه وإعطائها للآخر - لكي يستفيد منها .وهكذا كان فبعض الأشياء لا يصلح بدون مشاركة والبعض لآخر تنفع معه الأنانية وحب الذات .
قد عشت التجربتين ولكني مقتنعة في انك بحاجة للفردية في سن الشباب للرغد والرخاء , وكلما كبرت كلما زادت حاجتك للمشاركة لكي يقوموا فقط برعايتك و بتنظيف سريرك من البراز وربما يمنحوك شوربة ساخنة في ليلة باردة أبرد من شعارات الاشتراكية والرأسمالية والفجوة الثقافية لأنك حينها لن ترى سوى صحن طعامك الساخن أمامك وظل قبرك ملازما لك بدون شعارات تضىء لك ماكنته وماآليت إليه