أحضان وقبلات رفاقية في موسكو

طارق المهدوي
2017 / 7 / 17


لاحظت جارتي في الصف الرفيقة اليابانية الشابة أنني شبه أعمى وشبه كسيح خلال وقوفي المتعثر ضمن صفوف انتظار زيارة الرفيق "لينين" بمرقده الذي يتوسط الساحة الحمراء في العاصمة الروسية "موسكو"، فسألتني من باب التعارف بعض الأسئلة الاجتماعية المعتادة لتستخلص من إجاباتي عليها حقيقة أنني أعيش وحيداً في القاهرة عقب مغادرة أبنائي نحو حياتهم الخاصة، ثم خرجت الرفيقة الشابة من الصفوف حيث وقفت في مواجهة بقية الرفاق الزائرين قائلة لهم باللغة الإنجليزية: "هذا الرفيق الأب المصري يجب ألا ينتظر دوره فهو مكسور الجسد والقلب...أما الجسد فقد كسره أعداء الشيوعية وأما القلب فقد كسره أبناؤه عندما تركوه وحيداً ليتمكن أعداء الشيوعية بذلك من الانفراد به وكسر جسده...ونحن في اليابان نعتبر مغادرة الأبناء لآبائهم على هذا النحو غدراً يلحق العار بمرتكبه طوال عمره كجريمة مخلة بالشرف ويمنح الآباء المغدور بهم الصفة الأبوية لدى جميع الشباب اليتامى مثلي"، وسرعان ما أفسح لي الزائرون الشيوعيون الشباب مختلفي الأجناس والأعراق والثقافات صدارة الصفوف وأخذوا يتبادلون الإمساك بيدي ومساندتي أثناء عبوري للسراديب والممرات الشاقة الطويلة دخولاً وخروجاً ما بين بوابات الساحة الحمراء والمرقد اللينيني، كما تركوني أختلي بعض الوقت بجثمان الرفيق الراقد داخل غرفته الزجاجية وهم يتعمدون تشتيت الحراس عبر الأسئلة الساذجة لمنعهم من إبعادي عن الجثمان، بل أنهم عندما علموا برغبتي في التوجه إلى شارع "الأرباط" الموسكوفي حيث يوجد الفنانون والأدباء والصحفيون الروس غيروا خططهم الخاصة ورافقوني لأدخل الشارع معهم كأنني قائد يتوسط قواته، إلى أن استوقفهم الشاب المصري "ميشيل" ابن شارع "الأرباط" الذي وصفني بأنني شخصية مشهورة في بلدي قائلاً لهم أنه يعرفني وسيعتني بي جيداً، فأمطرني الرفاق الشباب مختلفي الأجناس والأعراق والثقافات بأحضانهم وقبلاتهم الوداعية وهم يعتذرون لي عما فعله معي بعض أبناء جيلهم الذين هم كل أبنائي، حتى أن "ميشيل" المسيحي الملتزم حسدني مازحاً بقوله "ليتني كنت شيوعي عجوز مثلك لأحصل على كل هذه الأحضان والقبلات الرفاقية"!!.
طارق المهدوي