حسن العاني في (الولد الغبي) ...رواية الفانتازيا والواقع المؤسي

شكيب كاظم
2017 / 7 / 15

بعد ست مجموعات قصصية بدءاً بأولاها (سيد الأشجار) التي أصدرت سنة 1982، وصولاً إلى أخراها (ليلة الاحتفاء بالحرية) الصادرة في بغداد عام 2015، وهي القصة الرائعة التي شاء كاتبها، ربما إعتزازاً بها أو وثوقاً بروعتها، أن يجعلها عنواناً لمجموعته القصصية تلك، أصدر القاص والروائي، والكاتب الساخر حسن العاني، روايته الأولى التي وسمها بـ (الولد الغبي) والصادرة في بغداد عام 2016، وإذ أؤكد لفظة الكاتب الساخر، فإن حسن العاني من قلة قليلة كتبوا في هذا اللون المحبب من ألوان الكتابة، فأرضنا العربية تعاني التجهم والتصحر منذ عقود وما زالت، وفي الذاكرة كتابات الأديب المصري عبد العزيز البشْري (1303-1362هـ/ 1886-1943)، فضلاً عن الناقد اللبناني الفكه مارون عبود (1886-1962).



رواية الفانتازيا الفاجعة



رواية (الولد الغبي) الرواية البكر للقاص والروائي والكاتب حسن العاني التي تأتي بعد عقود من مزاولة هذا اللون من ألوان الكتابة، وبعد إختمار التجربة الإبداعية والحياتية واكتنازها.



رواية تقترب من عوالم السياسة العراقية، لا بل في الصميم منها، لكن من غير مباشرة واعتساف وهتاف، بل تمس مواضيعها بهدوء وكتابات ومرموزات قد تخفى على القارئ الاعتيادي، مع ان المبدع الكبير باسم عبد الحميد حمودي قد فكَّ بعض مرموزاتها وكناياتها في المقدمة التي صَدَّرَ بها هذه الرواية مما مَهَّدَ السبيل لأكتناه النص والوصول إلى مراميه، التي هي مرامي الروائي حسن العاني، في الكتابة وأبتغاء التوصيل، توصيل أفكاره للقارئ، هو الهدف الأول من هذا العذاب المحبَّب الجميل، الكتابة لذا فإن هذه الرواية بحاجة إلى قارئ ذكي ولبيب، لفك اشتباكاتها وتقاطعاتها زاخرة بهذه الانتقالات الرائعة والذكية التي يغدقها علينا حسن العاني، من السرد الآني إنتقالاً إلى الماضي، والاستذكار والمونولوج الداخلي، مستخدماً تيار الوعي في تأنيق حبكة روايته هذه، التي تزيد من تشويق القارئ، الذي يحتاج إلى وقفات وتأمل، واستعادة حوادث الرواية، كي يستطيع المواصلة، مواصلة القراءة، والاندماج، لا بل والإندغام في هذه الأجواء، أجواء القص الجميل الأخاذ، إنها رواية نخبوية، كتبها حسن العاني للنخبة من القراء، وواصل السرد فيها من غير توقف أو فصول، أو إنتقالات، على لسان اللاعب الموهوب ابن سلمان الصالح، الذي يعرف كل خافية ومعروفة من حياة، سالم الغني بن عبد المجيد الراعي، الذي يسميه الناس (الباشا) خوفاً من النطق بأسمه، في حين يطلق اللاعب الموهوب عليه صفة (الكابتن).



توثيق للدولة البوليسية



الرواية توثق لحياة لدولة البوليسية السابقة، ورأسها الذي يشتري ضمائر الناس بالأموال، ويغدق على الخدم والحشم بعطاياه وقصوره، لكنه لا يغمض له جفن عن من يعرف حياته السابقة، فيحاصره بالتجويع والافتراء والرعب، ومن ثم قتله، قَتَلْ سلمان الصالح، وشراء إبنه، ومحاولة الاقتران بزوجته، ” لا شك إنه مشهد لا ينسى، كان درساً قاسياً، فقد جفلتْ أمي، هذا ما حدث بالضبط، جفلت بتفاصيل جسدها ومشاعرها وعينيها وأنا أنقل لها أحداث اللقاء السري قبل أسبوعين (….) وأخبرتها، أنني لم أعترض وعددتُ ذلك شرفاً كبيراً لأسرتنا، وكنت أتوقع أشياء كثيرة، إلا أن تصفعني على خدي صفعةٌ لا يقدر على الإتيان بها إلا سلمان الصالح، وهو ما لم تفعله في حياتها أبداً، وقالت وصوتها يرتجف غضباً (هل بلغت بك النذالة أن توافق على زواجي، إذا كنت أيها الولد الناقص لا تقيم إحتراماً لأمك، ألم تقم إحتراماً لأبيك في قبره؟). وأجهشت بالبكاء، فقلت لها (كنت سأرفض، ولكنه ليس أي رجل… إنه سالم الغني … هو الذي طلب يدك مني (…) ولم تدعني أكمل كلامي(….) فقد تحول بكاؤها إلى صراخ وطردتني من البيت،ص103.



كما إن فيها إشارات إلى إعجاب بنسوة جميلات وإجبار الزوج على تطليق زوجته، والمفجع المؤسف معاً إني كنت أرى ذلك الزوج فخوراً بالذي حصل له، ولا يتوارى خجلاً من الذي حصل، وأن يصمت، إن كان لا يستطيع الحديث خوفاً ورعباً، هو لا يكاد يعرف حقيقة ذلك بسبب سياسة التعتيم في الدولة البوليسية، ان يجبر الكابتن رجلاً على تطليق حليلته ليبني الكابتن بها ليتزوجها، إلا أن صديقته الانكليزية (سارة) التي أحبها وأحبته، يوم ذهب إلى بريطانية لزيادة مهارته في لعب كرة القدم، وقررا الزواج ولكن .. تخبره (أنا لا أولي السياسة إهتماماً، ولا يعنيني أمر الباشا، ولكن وسائل الإعلام في مدينتنا، وفي معظم مدن العالم تحدثت عن هذه الحكاية (…) ربما كانت أبشعها (…) عندما أجبر أحد اتباعه (…) على تطليق زوجته فتزوجها هو…) تراجع ص 102.



الدولة الشمولية البوليسية ما تركت هذا اللاعب الماهر، الذي أصبح من جوقة الباشا والمقربين إليه ومنه، ما تركته يهنأ بحياته الخاصة، فهم يحصون عليه سكناته وحركاته، وحتى سرير نومه.



تنفيذ اوامر



يستدعيه السفير (رشاد توفيق) وهنا يشير حسن العاني إشارة ذكية إلى أحد سفرائنا الذي أعلن خروجه على الدولة البوليسية بعد حرب إخراج القوات العراقية من الكويت وأسمه قريب من اسمه رشاد، ليخبره ( إنني بقدر ما أمثل الباشا في هذا المركز، فأنا تابع لسلطته، وملزم بتنفيذ أوامره (…) وأبلغني أن تكون موضع المراقبة، أعني، تحت عيوننا باستمرار، (…) إسمع يا إبني (….) فخامته (….) أخبرني إنه أوصاك مسبقاً وحذرك أن تعود مع واحدة من ذوات الشعر الأشقر والعيون الزرق (…) إسمع يا ابني لدينا عشرات الأفلام واللقطات كل شيء يتعلق بك (…) إن القضية لا علاقة له بموقفي أو وجهة نظري، وإنما برغبة فخامته وما يراه ويقرره (…) أوامر فخامته السرية، بيني وبينه (….) لو صممت على الزواج من أية فتاة أجنبية من هذه المدينة فستجري تصفيتها (….) أنا في الحقيقة لا أؤمن بهذه الأساليب (…) ولكنني لا أستطيع التمرد عليها (…) فخامة الباشا قال: إذا ما أصر على الزواج من أجنبية (…) تجب تصفيته بطريقة بعيدة عن الشبهات (…) وإذا تعذر ذلك (…) فسوف نسجن والدته (…) سأحتفظ بهذه الأفلام، بالأحرى سأتولى إتلافها (…) يابني … لن أوصيك (….) ما دار بيننا من اتفاق يبقى طي الكتمان، لأنه يهدد حياتي وحياتك ) ص125.



الروائي حسن العاني يؤكد قتل السفير، رشاد توفيق ومخاطبته اللاعب بـ (يا ابني) فضلاً عن إفشائه أسراراً، لكن حذرهُ، وتأكيده أن ما جرى يبقى طي الكتمان، ما عصماه من الموت، فعيون العسس وكامرات التجسس تحصي الحركات والسكنات، ووصل كل الذي دار إلى الباشا، وإذا كان مصير المدرب سعيد الكاتب، الذي فاه ببعض الأمور للاعب، الإقصاء والطرد، فإن مصير السفير الذي تجاوز الحدود كان الموت، ص 135.



ظهر المذيع على شاشة التلفاز وهو يقدم نبذة موجزة عن حياة السفير (رشاد توفيق) وقرأ التأبين الصادر عن القصر، راثياً إياه، متوعداً الأيدي التي اغتالته.



نافياً مزاعم وسائل الإعلام الأجنبية، التي تحاول الصاق الاغتيال بأجهزة الباشا الاستخبارية، وإن أحد أعوانه قد القي القبض عليه في المطار، محاولاً الهرب وهو الذي يُشْتَبَه به بوصفه منفذ الاغتيال!!.



ماذا قال عبد الرحمن منيف؟



لا أدري لماذا، أو لعلي ادري، لكن هذه الدراية، إنزوت في عقلي الباطن، أقول يوم قرأت رواية (السيد الرئيس) للروائي الغواتيمالي ميغيل آنخل استورياس (1898-1975) في 11/11/1992 وقد عجبت كيف سمح بنشرها، ولعل الدولة البوليسية أرادت بذلك دفع مظنة الربط بين ما جرى في الرواية من انتهاك لحقوق الإنسان في دول أمريكا اللاتينية، التي كانت تعـاني الانقلابات العسكرية، وإنشغال الضباط بالسياسة، وما يجري في الدولة البوليسية، فسمحت بطـــبعها ونشرها، والأمر هذا يذكرني، بما قاله الروائي الكبير عبد الرحمـــــــــن منيف (1933-2004) يوم نشر روايته (شرق المتوسط).



التي تحدثت عن عوالم السجون في دنيا العرب، سمح الراديكاليون العرب بنشرها وتداولها في بلدانهم، للتخفُّف من تهمة أنهم هم المقصودون بما يرد في الرواية، وكأن السماح بنشرها في بلدانهم، محاولة للتبرؤ من النهمة، تهمة انتهاك حق الإنسان في الحرية والكرامة ورمي التهمة على الآخر، أقول يوم قرأت رواية (السيد الرئيس) .لاستورياس ناجيت نفسي، لو جئت يا استورياس إلى بلداننا، لعقدت لسانك الدهشة، وتوقف قلمك عن الكتابة خوفاً ورعباً فهذا الذي يجري في بلدانكم هو عشر معشار ما جرى في بلداننا ويجري.