هل يمكن الاعتذار عن الإرهاب ؟!!

سامي عبد العال
2017 / 7 / 14

يطالب البعضُ دولاً مُتورطةً في الإرهاب بالاعتذار عما قامت به. وهو طلب لا يعرفُ كيف سيسير في ظلامٍ حالكٍ دون عنوانٍ. فهل يذهب هذا الإجراء إلى الضحايا أم إلى المجتمعات أم إلى الإنسانية أم إلى التاريخ أم إلى الحقائق الغائبة... ؟ الأمر من تلك الجهة يعد أمراً إشكالياً حتى النهاية. بسبب كون الإرهابُ غير قابل للاعتذار. وبسبب أنَّ هناك كارثةً أبعد لو تمَّ الاعتذار عنه أيضاً!!

إذن من الوهلة الأولى فإنَّ وجهي المشكلة متعادلان بحيث يمكنهما تبادل المواقع. ويخطئ كل الخطأ من يظن أنَّ ارهاباً سينتهي بمجرد الاعتذار عنه. فالإرهاب – كظاهرة عنيفة - غير معنِّي بما يحدث من ترتيبات. كما أنّه لا يعير اهتماماً للجوانب الإنسانية وإلاَّ لما ظهر ابتداءً. كذلك يمثل عدم الاعتذار تحصيل حاصل، أي هو قضية فارغة منطقياً. غير أنَّ الفراغ المنطقي قد يكون امتلاء سياسياً. لكون السياسة لا يحكمها منطقٌ صارم. وعادة ما تكتسب أحوالُّها - على قدر التقلُب - أبعاداً أخرى أكثر أهميةً.

وبالتالي ليست المشكلة في عدم اتخاذ إجراءٍ كهذا إنما في الاعتذار ذاته. فالأخير هو فن لإرادة حرة إذا ما أخطأت عليها أنْ تتحمل المسؤولية. حتى ولو كانت اعترافاً. ولأنَّ الدولة المقصودة الآن ( أي قطر ) بتهمة الإرهاب تحت درجة الصفر، فإنَّها لا تستطيع إطلاق اعتذار ناجعٍ من أي نوعٍ. بل قد لا يُسمح لها بذلك الاعتذار دولياً كما سنعرف بعد قليل!!

قبل كل شيء يحتاج الاعتذار كفعل استثنائي استقلالاً في القرار. بينما النظام القطري( وما يماثله) لا يدرك أين يقع من تصنيفات المسؤولية؟ ولعلَّ كل ما ينتمي إلى وكيل إقليمي ليس له فيه إلاَّ الاسم فقط. فالسيادة ليست لأصحابها كما أنَّ الدولة مجرد عباءة لنشر الفوضى في سياقها العربي وأنَّ السياسات ليست منفردة حتى تتراجع منفردةً. وعندما تتلقَّى خطابات بالتراجع عما تفعل فإنها من واقع الحال ليست هي المقصودة.

إذن السؤال الحيوي... من الذي يستطيع الاعتذار؟! وكيف يعتذر من لم يفعل شيئاً بهذا المعنى؟!

وأمام الإرهاب هناك إجراءات جذرية تتلخص في تجفيف منابعه، وغلق مصادر تمويله وانهاء رعايته والحيلولة دون إعداد كوادره وملاحقة ذيوله أينما حلت. إن الدولة – لو كانت كذلك سياسياً- لا تقدم اعتذاراً في شكل عمل سيكولوجي أو عاطفي نادر الحدوث. لكنها تتخذ إجراءات حاسمة تكافئ مكانتها على خريطة العالم والأحداث.

إنَّ مكانة النظام القطري بها من المفارقات أكثر من الحلول. حتى أنَّ وضعها الجيو سياسي لا يرجح اعتذاراً مهما يكن ولا استجابة ما. لأنَّها كما تورطت في الإرهاب كذلك ستتورط في إمكانية التخلص منه. بمعنى أنها في الحالين مفعول بها ولن تستطيع أخذ القرار منفردة. هي مجرورة بكل علامات الكسر في مجال السياسة. فالطفيليات لا تعيش في الطبيعة بكيانها العاري وإلاَّ لهلكت مباشرة. إنها تحتاج إلى جسم أكبر للعيش على دماءه المتدفقة. وبالتالي سيكون النظام القطري له نفس الخاصية الطفيلية في الالتحاق بركب القوى الكبرى. والقضية ليست في كونه لا يعترف بل القضية – من هذا المنطلق- ستبدأ لو أنَّه قدم كل الاعتذارات الممكنة!!

دوماً الإرهاب ظاهرة خارج إرادة التحكم فيه. فلو كانت دولة تحركه فلن تتمكن من إيقافه. بل هو في وضعية ستمكنه بأساليب تعويضية أنَّ يكون أكثر شراسة. وفي هذه اللحظة لن يستمع لأية مناشدة بالتوقف. وسيعتبر الإرهابيون أنهم طلقاء ويستحيل قبول أية إملاءات. وكأن المناشدة بترك ما يفعلون اعتداءً يستوجب الثأر من أصحابها. يتساوى في ذلك نظام قطر من الدول الكبرى. ألم يكن هناك رأي دائم الإلحاح بأن القاعدة وداعش صناعتان غربيتان؟ لكنهما خرجتا عن التحكم لدرجة أنهما سددتا ضربات قوية إلى الغرب. واستطاع الدواعش مؤخراً تفجير ودهس المواطنين في قلب بلدان أوروبا.

لكن الآن لنفترض: أنَّ النظام القطري سيقدم( حزمة اعتذارات) وليس اعتذاراً واحداً. ما هي المظاهر والنتائج الكامنة في إشكاليته الدولية بالعرض السابق؟!

أولاً: سيبحث هذا النظام عن المضاربة في أسواق وبورصات القوى الفاعلة إقليمياً. وها هو من اليوم الأول للمقاطعة قد ذهب إلى إيران للاحتماء بها صراحة. وقد اعتبرها قناعاً لتخويف دول المقاطعة. وقد تفهمت الدولة الفارسية الرسالة فراحت تكيل الخطابات إلى جيران النظام القطري من جهة. وحاولت الاستفادة من المحتمِي بها أقصى استفادة من جهة أخرى. بالمقابل تحسست الدولة الوهابية أقفيتها وحدودها تحسباً لأي اعتداء أو النيل منها. واستلم الإعلام الخليجي المسألة ليشعل فتيل الخطابات حول العداء الفارسي للأمة العربية وللإسلام السني. وكيف سيفعل الأفاعيل عن طريق قطر كحصان طروادة الجديد بالمنطقة.

ثانياً: فهم التنظيم الدولي للإخوان ماهية الاعتذار فتحرك سلطانه العثماني الجديد( أردوغان) بالوقوف إلى جانب ولايته القطرية الخليجية. وبدا أن اعتذار قطر – الذي مازال إمكانية- لن يتم بعيداً عن جسم التنظيم. وكذلك لن يتأتى بخلاف المواقف العثمانية. وفي هذا مدت العثمانية الإخوانية نظام قطر بالغذاء والدواء والسياسات والعسكريين. وعلى عادة اهتبال الفرص لم يكن ذلك مجاناً لكن بفاتورة ضياع السيادة القطرية المراقة وبتكلفة اقتصادية باهظة التكلفة.

ثالثاً: منعاً للاعتذار تعالت الأصوات الإرهابية من كل صوب وحدب تأييداً لنظام قطر. وحرصت قناة الجزيرة على تبيان الآراء الشرعية في المقاطعة. حيث تقاطرت الشخصيات الرمزية للقول بأن قطر دولة إسلامية وأنها مدعومة من الع7ناية الإلهية إلى نهاية المطاف. والغريب أن رؤوس الجماعات الجهادية في ليبيا ومصر وتركيا وسوريا أبرقوا إلى الإمارة الصغيرة بنفس الرسائل التي أبرقوها إلى السماء. وبأنَّهم على استعداد للوقوف بجوار نظامها لدفع الظلم مهما كلفهم من ثمن. ولا يخفى على القارئ أن ذلك تضامن متبادل يمكن أن يزيد الطين( الاعتذار) بلة.

رابعاً: أنتجت الجزيرة خطاباً دينيا سياسياً لافتاً اسمه "خطاب الحصار". في محاولة لحروب افتراضية بالإمكان دفع ضحاياها على مائدة المنظمات الدولية المعنيَّة بحقوق الإنسان والقانون الدولي والمنظمات القضائية والصحافية. تلك التي تفهم الحصار كاعتداء على كيان دولة برئية!! وليس لأسباب موضوعية هي الإرهاب بعينه. ومن ثمَّ فإنَّ خطاب الحصار سيبيض في الرؤوس بمرور الوقت لتصبح قطر دولة مظلومة. وأنَّها - صحيح أخت صغرى لجيرانها - قد أُخذت بجريرة جريمة لم ترتكبها. وبنفس الوقت فإنَّ الجريمة بسبب الحسد الخليجي من نجاحاتها القوية في مجالات الرياضة والاعلام والسياسة والعلاقات الدولية والاستثمارات.

خامساً: بجانب خطاب الحصار ظهر خطاب " حرية الاعلام واستقلاله". ذلك باعتبار أن قناة الجزيرة إعلام حر مستقل. وهذا القول يستند على افتراضين: أنَّ الدولة القطرية لا تملك قراراً ولا توجيها على الجزيرة تنفيذه. الثاني أنَّ ما يجري بصدد الإعلام في العالم المتقدم يجب أن يتم مع فضائيات الجزيرة. والافتراضان يتوجهان إلى العقول الغربية خصوصاً. وفعلاً ظهرت أصوات – من سويسرا خاصة- لتقول بأن الجزيرة منبر اعلامي حر لعب دوراً مهماً في كشف صراعات الربيع العربي. وأنها لم تفعل- وهي المظلومة- سوى مساعدة الناس والمقهورين على رفع الظلم عنهم. وأنَّها جزء من عمليات التنمية في المنطقة العربية. بينما هذا الأمر جزء من مسح بصمات القاتل بخرقة دولية ليست إلاَّ إفلاتاً من المسؤولية. وتمثل نوعاً من الاحتماء بالمواثيق الدولية كستارة لتبرير التحريض والتخطيط والتعبئة والتجييش لمشاعر الكراهية. وكأن شاشة الجزيرة لم تكن يوماً مجرد غرفة عمليات عسكرية ولاهوتية لإدارة الصراع على الأرض!! وكأنها لم تصدر أوامر بالاغتيال وتوصيل فتاوى الدم للأتباع والحركيين والربط بين ساحات المعارك على الهواء مباشرة.

سادساً: حاولت أمريكا – من خلال وزير خارجيتها- صناعة اعتذار خاطف. وذلك بواسطة زياراته الأخيرة لدول المنطقة. ورغم أننا لا نعرف تفاصيل الاعتذار المكتوب فيما يبدو والممهور باسم بأمير قطر إلاَّ أنه كان استراتيجية لمنع اعتذاراً مخيفاً آخر. فالوزير المشار إليه قال من الدوحة: على دول الخليج تفهم الأزمة لأنَّها ليست دولاً بعيدة عن أسباب الإرهاب!! ثم استمر في جولاته بين عاصمة وأخرى بين تهديد وصمت ومغادرات.

والملاحظ أن الوساطة الأمريكية جاءت للحيلولة دون تفشي أسرار الوكيل القطري. وربما أن الملفات التي قد تفتح أخطر مما عرف حتى الآن. إذن هي وساطة من الراعي إلى الوكيل. وبالتالي فالأمر يستحق هذه الابتسامات الأمريكية الخليجية الصفراء أمام الكاميرات. وكأن أمريكا تقول لوكيلها ألا يستمر في ريق الاعتذار. وربما لا يفتح مجاله وخزائنه الخفية أمام المخابرات الألمانية والأوروبية. خوفاً من النتائج الأخطر. وخلال الزيارات تم تبرئة قطر مثلاً من رعاية طالبات وحماس. حيث قيل أن ذلك كان بطلب من واشنطن. لكن تلك التسريبات تتناسى أن من يقوم بالرعاية الإقليمية للإرهابيين يستطيع أن يدعم الارهاب في اتجاهات أخرى.

سابعاً: في إطار الاعتذار أعلنت فرنسا ضرورة حل مشكلة سريعا. سواء بتفهمات قطرية أم بتعاون خليجي. وفرنسا اتخذت تلك الخطوة لأن نظام قطر لدية خزائن أسرار القتل والاغتيال وصفقات السلاح في ليبيا وسوريا والعمالة في المنطقة. ولكيلا تقع الخزائن في أيد غير أمينة سيزور وزير خارجية فرنسا المنطقة للتغطية على مفاتيح مهمة لفهم مسارات الربيع العربي. وهذا يفسر سر انكار قطر الدائم عن التدخل في تلك الدول. لأنها فعلاً تنفذ خطط سواها من قوى. وأنهم في الوقت المناسب سيقفون بجوارها لانتشالها منم كبوتها الإقليمية.

ثامنا: بدأ الاقتصاد السياسي للاعتذار في تحريك الخطابات السياسية الدولية. فها هي بريطانيا تردد أن استثمارات قطر تبلغ أربعين مليار جنيه استرليني. وهو ما يعني أن قطر لو تأثرت بالأزمة الخليجية ستهز هذه الاستثمارات. مما سيضعف المكانة المتأرجحة للاقتصاد البريطاني ولا سيما بعد خروجه من دائرة الاتحاد الأوروبي. وقطر من جهتها استغلت هذه الفكرة معتبرة - قالت الجزيرة - أنَّ بريطانيا يهمها بالمقام الأول شركاء أقوياء في الاستثمار. وأنَّها تعرف من هي قطر وكيف تمارس سياساتها في النور.

ومن جانب تال استغلت قطر هذا الموقف لتحرك بعض المظاهر في الحياة السياسية البريطانية. فاستخدمت(سائقي التاكسي!!) لإعلان تأييدهم لرفع الحصار عن قطر. واخذت منهم تصريحات اعلامية لتدعيم دبلوماسية بلادهم!! ولم تكتف بهذا بل عقدت داخل بعض الهيئات الحكومية في بريطانيا ندوات وحلقات نقاش ممولة لمناقشة آثار الحصار. وذلك على طريقة إدارة النظام القطري للصراع أثناء الربيع العربي. عندما كان يقل ممثلي الثورات والأنظمة الجديدة لنفس الأماكن للتعبير عن مطالبهم. وليتها كانت في حينها مطالب لكنها لانتزاع قرارات دولية لتسليح المعاضة في كل بلد تحارب فيه قطر نظامه السابق.

تاسعاً: ما الذي يضمن محو الذنوب بعد الاعتذار السياسي. بكلمات أخرى إذا كان الاعتذار سياسياً هذه المرة فكيف لا يكون غير سياسي في تكوينه ومنتهاه. لأن التغطية المستمرة للأحداث من قبل قناة الجزيرة يكشف: أن هناك هروباً قطرياً إلى الأمام. فهناك تمسك بالخطاب الاسلاموي التوظيفي للمسألة. وهناك نغمة التحدث عن الإمكانات القطرية القادرة على الصمون بكل إمدادات السماء والأرض. وإذا كنا نعرف أن السماء بها الله فليست إمدادات الأرض غير الإرهابيين والجماعات الدينية.

عاشراً: طالما أنَّ الاعتذار مراوغٌ بهذا الشكل فهذا معناه أنَّ: أوراق قطر لم تُستنفد بعد سواء بالتدابير الإقليمية أو الجهادية أو الدولية وهذه الأطراف شيء واحد مثلما أشرت. وكذلك أنَّ قطر لها أهمية وظيفية لدى هؤلاء الرعاة مجتمعين. وأنَّ المهام التي قد تقوم بها لخدمة القوى الكبرى لم تنته. فالجعبة مازالت لم تفرغ من الحيل وإعادة التخطيط. فالمستقبل قد يغيض بالمفاجآت!!

ونتيجة لذلك فإنَّ سياسة الاعتذار ليست اعتذاراً. وهذا ما تقوم به سياسة قطر تحديداً. لأنَّ رصيداً لاهوتياً لهذا الفعل يجعله أكثر من محض سياسة. فالغفران القابع فيه بالمقابل لا يحول دون تكرار أسبابه. وكما يستحيل ايجاد " رادع ذاتي " في السياسة، فكذلك يصعب ايجاد ما يترتب عليه من قوة مادية. من هنا كانت أهمية القوة المادية في السياسة دفاعاً من سيادة الدول ومصالحها. كما أن وجود الإرهاب القابع في التفاصيل بإمكانه- بواسطة الرصيد اللاهوتي ذاته- العودة في أي وقت. فهو يعلن امتلاكه لمحو الذنوب وقتل أصحابها ويستطيع أيضاً التحكم في الغفران. يوزعه أنَّى شاء بحيث يتلاعب بأي اعتذارٍ.