صفحات من سيرة حياة

مريم نجمه
2017 / 7 / 14

صفحات من سيرة حياة ؟
دخلتُ مدينة دمشق مع أهلي وكأنني أعرفها منذ زمن بعيد ..
لم تعرفها طفولتي إلا بلمحات سريعة برفقة والدي أحياناً منذ الصباح والرجوع عصراً لبلدتنا , بل صباي تفتح عليها وبها . اغتنى وعيي من معالمها وعبقها النارنجي وياسمينها المُعرّش على جدران بيوتها الحجرية , سوق المكتبات والكتب المتواجد أمام الجامع الأموي والمكتبة الظاهرية أول ما زارته قدماي برفقة ليلى زوجة خالي ميخائيل المقيمين قبلنا في دمشق منذ زمن طويل , وبعدها أصبحتُ أقصده دون رفقة دليل , فقد شدني وجذبني المكان ومحتوياته وهالته التاريخية ,,
نظافة دمشق وأزقتها وحاراتها الشعبية , طيبة أهلها وحسن الجوار, والعلاقات الراقية التي جمعتنا مع أكثر من عائلة في مجتمعها الدمشقي الشامي الأصيل .
درستها وعشتها متحفاً متحفاً .. مشيناها حديقة حديقة ومنتزهاً .. بيتاً بيتاً وحارة لأكثر من شارع و حي وعائلة ..من خلال العمل أو زيارة الأقرباء والأصدقاء .. أو بالدراسة والعلم والتعليم .. والتدريس والنضال السياسي والوطني .
مشوار حب وتعارف بين الريف , والمدينة القريبة للمصيف الصيدناوي , العاصمة الأموية , المدينة التاريخية , المخلّدة في أحضان " أبانا " نهر بردى والغوطة " الجنّة الأرضية " في بستان الخالق .
...

كان لي إهتمامات أدبية وثقافية منذ المرحلة الإبتدائية .
ما زلت أتذكر حين قدّمت كلمة أدبية في إذاعة دمشق عام 1952 - 1953 الكائنة قرب حي القنوات حيث كانت مدرستي ( متوسطة القنوات ) , بمساعدة المذيع الأستاذ عبد الهادي البكار - صديق العائلة - وصديق المعلم أديب جريس سعادة قريبنا رحمه الله - وذلك في برنامج الطلبة , في أول سنة نقيم في دمشق سجلت في صف الشهادة المتوسطة ( البروفيه ) آنذاك .

...
هناك علاقة وثيقة بين السياسة والثقافة . علاقة ليس بالبسيطة , فكلما تقدمت بالسياسة أتقدم بالثقافة , والعكس هو الصحيح . ... دمشق 1964
**

صفحات من بناء ثقافتي
أولى قراءاتي ومطالعتي خارج الكتب المدرسية كانت ,
كتب المنفلوطي أولها : تحت ظلال الزيزفون .
كتب جبران خليل جبران بداية , كتاب : دمعة وابتسامة .
كتابيْ مجاني الأدب , و , كليلة ودمنة .
لقد استمتعت بقراءة رواية : " العصافير تختبئ لتموت " .
وكتاب آخر , مذكرات المرأة المثيرة : ماري ماركت .
دمشق تحت القنابل - للصحفية ألِيس باولو.
كُتب الأستاذ والأديب شحادة الخوري أغابيوس - إبن صيدنايا - عن المرأة والثورة -
كتاب الأم , للأديب الروسي غوركي -
البؤساء لجان جاك روسو .
رواية تحت أعواد المشانق , يوليوس فوتشيك .
" مدينة آموي " ..رواية صينية رائعة .
وحفظت ورددت أكثر أغاني وقصائد الأقدمين الشعراء الشعبيين من أهل بلدتي صيدنايا .


**
ما زال لون الحبر الأزرق والأحمر والبنفسجي والريشة المغمّسة بالحبر التي تخط الرسائل .. والإنشاء على الورق والدفاتر المدرسية يتراءى أمام ناظري , والذي كان يتواجد في كل بيت صيدناوي تقريباً لأنه المادة الوحيدة للكتابة آنذاك .. فن الخط المتّقن في بداية الحروف ونهايتها ووصلها مع بعضها تلون الذاكرة الطفولية ولا أبهى ,, .. ما زالت العائلة تحتفظ بدواة الحبرالمستطيلة الشكل النحاسية المزركشة ذي الثلاثة أجران لألوان الحبر ( الأزرق الأحمر والأسود ) والريَش المتعددة الأحجام والألوان .
هناك صور ومشاهد ووجوه وخبرات لا تمحى عشناها في صيدنايا القديمة , وأسماء شهيرة ملتصقة بالذاكرة الشعبية بهذا الإختصاص القراءة والكتابة و" جمال الخط ..و مهارة الخط العربي " الذي كان يخط ويكتب بالقصبَة والريشة , أمثال :

الخوري نقولا قوزما - الخوري أندراوس , وولده جورجي الخوري اندراوس ( والد زميلة الدراسة نور الخوري , وصاحب دكانة وسط السوق الرئيس ) - الخوري أغابيوس , كاهن دير سيدة صيدنايا - الخوري موسى رعد - الخوري بولس - القارئ جرجي سرحان - وأخيه توفيق سرحان ( والد صديقتي فوزية سرحان ) - كامل رزق - نقولا يوسف الهامس , ونقولا نجيب الهامس في ( المهجر ) - نمر الخبّازة (القارئ في الكنيسة - صاحب دكان وسط البلدة) - الفلاح و القارئ جريس عساف نجمه ( عمي ) - الحائك ( النسّاج ) والمزارع جريس الزهر زوج خالتي هيلانة - شحاذه جبرائيل ( صاحب الدكان المقابل الجامع ) - سالم معمر صاحب دكان القماش في بناية سرحان وسط البلدة - وأخيه سليم معمر الرسّام والمصوّر القدير - موسى حنا - موسى الأحمر - شحاذة شاهين صاحب دكان القماش ( خال والدي ) - عطى متري الخوري - ابراهيم الزغبا ( أخو مريم الزغبا إمرأة عمي جريس ) - محمد عمر سرية - مهنا نعمة - حنا نقولا ماريا - أسعد طاما - محمد المظلوم - كايد شاهين نجمه سافر إلى ( المهجر) - ذيب رشيد سابا ( والد زميلتي فوزية سابا ) - شحاذة علاوية نجمه - كامل المعري - سالم شاهين - كاتب العرائض ابراهيم سعادة الملقّب ( بالعصيان ) وغيرهم الكثير .

...
سنوات النشأة والتكوين ثرية خصبة ملونة كربيع ريفنا و شامِنا وغوطتها الغناء ما زلتُ أنهل من المعين النقي والينبوع الصافي دفقاً وحياة !
مريم نجمه