ويا عبد الكريم قاسم - - اليوم انتصف العبيد من الأسياد -

جاسم محمد كاظم
2017 / 7 / 14

ويا عبد الكريم قاسم " " اليوم انتصف العبيد من الأسياد "
جدي رحل منذ زمان بعيد وأورثني مذياعه القديم الحامل لماركة " فيليبس " الذي سمع بة بيان تموز الظافر وخرج ببندقيته" البرنو " هاتفا بثوار تموز وهو يرسم حدود أرضة التي وهبها له أولئك الثوار من براثن الإقطاع البغيض لأنة من يحرثها ويزرعها .
ومذياع جدي لازال يعمل بنفس الكفاءة مثل كفائتة قبل نصف قرن ولازال مؤشرة الأحمر متوقفا على نفس التردد الذي حمل بشائر تموز لان جدي كان قانعا حد اليقين أن الزمن سوف يغير خطة المتعرج ويضع قدميه من جديد على نفس المسار ويعيد لأسماعه نفس البيان .
لان ذاكرة جدي محشوة بمرارة زمن صعب لا تتناسى بسهولة صورة العبيد من السود غليظي البشرة والملونين في بيوت الإقطاعيين وكم هي أعدادهم وهم يعملون قسرا لسيدهم الإقطاعي مع نسائهم .
ودائما ما أعاد لنا جدي كلمات وأيمائات تلك المرأة غير المفهومة وكيف سرقت من أهلها القاطنين تحت الأشجار في مجاهل أفريقيا ثم بيعت في أسواق نخاسة البصرة لسيدها الإقطاعي لتعمل في بيت يشبه الحصن وقلاع أوربا بزمنها الوسيط .وكيف يأتي الإقطاعي بالمسلحين والسراكيل ليأخذ ما يشاء من أغنام جدي ويضيف بلكنة متعالية أنها من ضمن أملاكه .
لم اصدق حكايات جدي برغم أنها روعتها تفوق سحر ومرارة ألف ليلة وليلة كيف يمكن لزمن القرن العشرين أن ينوء بالعبودية ؟
لكن جدي يضيف ان هؤلاء العبيد عانوا حتى من فقدان شرف زوجاتهم في أحضان مغتصبهن البغيض الفاقد للشرف قسرا
يتجاهل مؤرخي التاريخ كل هذا المسكوت عنة في تاريخنا المتعفن لان هذه العبوديات المقيتة كانت مباركة من حاخامات الدين دهاقنتة ولصوصه باعتبارها ملك يمين وان هؤلاء المؤرخين وعلماء الاجتماع كانوا من نفس طبقات المالكين ونخاسي العبيد .
ولم يحرك دينهم البدائي ساكنا لتحرير هؤلاء العبيد من تلك المرارة وفقدان الإنسانية حتى جاء الزعيم الخالد وملكهم صك الحرية مثل ما وهب أبراهام لنكولن عبيد أميركا قبل ذلك بقرنين كاملين وأصبحوا مواطنين كاملي المواطنة حين حل الإنسان محل الشيطان في حكم العراق .
جدي رحل مع حكاياته ولم يسمع صوت الزعيم وبيانه مرة ثانية وكانت كل كلمات جدي صادقة حين انفتح الزمن وعثرت على بعض ما دونه المستشرقين أولئك الذين فككوا لنا حتى تركيبة ديننا البدائي ومصادرة الأولية فكتب " ماليبارد" الصحفي الهولندي الذي جاب كل أصقاع العراق في عام 1951 في مذكراته التي تحمل عنوان " نواعير الفرات " ترجمة الدكتور حسين كبة عن هؤلاء العبيد المملوكين عند الشيوخ ما نصه:-
(" وبعض هؤلاء العبيد من النوبيين وهم الذين أميل إلى الصفرة في ألوانهم وبعضهم من السود المشربين بالحمرة الغامقة والبعض الآخر من أبناء العبيد السود الذين ينتمون إلى أعراق أجناس السود وجاءوا بهم من أقصى بلادهم وتوالدوا عندهم ") 2
" ويضيف ماليبارد عن هؤلاء العبيد الذين يعملون في قصور الشيوخ المتقنفذين "المتاجرين بكلمات الشرف " وهم يعرضون أجساد الفتيات لخواجات أوربا في قصورهم الفخمة :-
("" وكانت الفواكه الطرية أخر ما حملت بة المائدة وهي في الحقيقة لذيذة الطعم والنكهة إذا كانت تحتوي على رطب جني وبرتقال وليمون ورمان قد وضعت جميعها في صحن كبير تحمله ثلاث فتيات عاريات وحينما اقتربت منها أمعن فيها النظر وجدت العجب قد اخذ مني ما أخذة أن هذه الفتيات الثلاثة كن عاريات لم يرتدن غير ثوب شفاف اظهر مفاتنهن "" ) 3
رحل "الزعيم " عن تربة وطن حرره من عبوديته ولم يمن علية هذا الوطن كما منت بعض الأوطان على محرريها بتخليد أسمائهم بمدن عملاقة لن يتناساها الزمن وهو الذي لا يختلف أبدا عن ما سبقوه من المحررين ك "سيمون بوليفار" الذي تحمل " بوليفيا" أسمة الخالد و جورج واشنطن أميركا .
بل أن هذا الوطن البغيض سلبه حتى اسم تلك المدينة التي انتشلها من قاع الحضيض مثل ما يقول ماليبارد في مذكراته وهو يدون لبؤساء العراق ومعدميه ما نصه :-
("" وها نحن نرى اليوم هذه الأكداس من البشر قد حطوا رحالهم في الأراضي المحيطة بمدينة بغداد وهم ألاف مؤلفة من عائلات الفلاحين وقد اتخذوا لهم فيها أكواخ من الطين يؤون إليها ويحاولون إن يعيشوا فيها بأي شكل من الإشكال .............. وتقع أكواخهم في أراضي منخفضة تكاد تكون مجمعا لمجاري المدينة القذرة قد تشبعت بالعفونة حتى وكأنها ترى وسط جيف تعبث بها المايكروبات وتنبعث منها الروائح الكريهة .................... وترى وجوههم تعلوها صفرة تنبأ عما تنتاب أجسامهم من أمراض الملاريا والبلهارزيا والتراخوما وغيرها .............. أنهم يسيرون في حياتهم إلى الحضيض كلما سار بهم الزمن ")4
حتى كانت تمو الخالدة التي ساوتهم بالأسياد والمتنفذين وملكتهم أصقاعا في عاصمة الرشيد ربما لم تراود مخيالهم في عالم أحلامهم المليئة بالكوابيس المنغصة .
جدي لم يصدق أبدا أن الزعيم قتلة رصاص اللصوص لان المحررين عنده لا يموتون وان قتلة شباط شبة لهم غير الزعيم مثل اليهود حين التبس عليهم شخص المسيح الحقيقي من غيرة وظل جدي يردد و يخبر الآخرين بسرية أن الزعيم سيعود يوما ما ودائما ما كان ينام في بستانه لعلة يلتقي بذلك الزعيم المحرر لان جدي تتملكه العواطف ولم يخالط فكرة البسيط أن ثورة تموز لم تكن ثورة فكر شامل مثل ثورة "روبسبير" أو ثورة " لينين" وأنها كانت منقوصة الهدف والحزب القائد والطبقة التي تستند إليها لذلك انهارت تحت أول ضربة وتعرضت إلى كل العراقيل التي وضعت أمامها من قبل دهاقنة الدين بعد أن فقدوا إتاوات الجباية من الإقطاعي البغيض وتحركت ضدها كل المسميات والمنظومات الفكرية العتيقة ولم يستطيع الرابع عشر من تموز إن يقف صامدا مثل ما وقفت تموز الفرنسية أو "أكتوبر" الخالدة بوجه قوى الثورة المضادة .
جدي وان رحل راضيا لكنة لن يصدق ابد مهما أخبرته في عالم خلوده السرمدي أن الزمن قد يتغير ويعود إلى الوراء وان بستانه الأخضر قد يعود من جديد إلى أملاك الإقطاعي البغيض وان العبيد المحررين لن يكونوا وحدهم هذه المرة مباعين في أسواق نخاسة المالكين الجد د كعبيد ابيض ولو سمع جدي هذا في حياته البائسة لما تواني عن حمل تلك "البرنو" الصدئة ليموت واقفا في بستانه الأخضر .

///////////////////////////////////////
جاسم محمد كاظم

1