هل يستطيع الإله التواصل مع البشر بطرق أخرى غير النبوة؟

أشرف حسن منصور
2017 / 7 / 13

هل يستطيع الإله التواصل مع البشر بطرق أخرى غير النبوة؟

نعم يستطيع. لو قلنا إن النبوة هي الطريق الوحيد الذي يتواصل به الإله مع البشر، لقيدنا الألوهية بالنبوة، ولجعلنا النبوة شرط معرفة البشر بالإله. لكن الأدنى لا يمكن أن يكون شرطاً للأعلى، ولا يمكن للأعلى أن يكون محدوداً بالأدنى.
كما أن الإله باعتباره لامتناهياً وكلي القدرة وكلي العلم، فهو قادر قدرة مطلقة لانهائية على التواصل مع البشر بعدد لانهائي من الطرق والوسائل. النبوة هي طريقة واحدة فقط في الاتصال بين الإله والبشر. ولما كان كل نبي بشراً، فإن تواصله مع الإله مشروط بمكان وزمان هذا النبي. المكان والزمان إذن هما اللذان يشرطان طريقة التواصل ومضمون الاتصال كذلك، بحيث إن كل عصر وكل مجتمع يفهم من الألوهية ما يناسبه هو، وما يستطيع أن يستوعبه من موقعه النسبي. الموقع النسبي الذي يشغله كل مجتمع بشري يضفي النسبية على فهمه للإله، بحيث تكون النسبية هي خاصية إدراكه للإله. صحيح أن الإله مطلق ولامتناهٍ، إلا أن إدراك هذا الإله وفهمه لا يمكن أن يكون مثله مطلقاً ولامتناهياً، بل يكون نسبياً دائماً، مثل نسبية البشر ومشروطيتهم المكانية والزمانية.
صحيح أن النسبيات محيطة بالبشر على الدوام، وهي نسبيات الرقعة الجغرافية والزمان التاريخي وطبيعة البناء الاجتماعي لكل مجتمع، والمختلفة تماماً من مجتمع لآخر، إلا أن الإنسان في حاجة إلى التواصل مع الألوهية على الرغم من كل هذه النسبيات، وربما بسببها، نظراً لسعيه الدائم نحو العثور على الثبات وسط التغيرات، والدائم وسط الزائل. لكن فهم البشر للألوهية من مواقعهم النسبية سيكون نسبياً هو الآخر، أي لن يكون حقيقياً كاملاً؛ سيكون مجرد مقاربة نسبية للمطلق، ولن يكون أبداً امتلاكاً تاماً للمطلق.
وعلى الرغم من كل تلك النسبيات التي تحيط بالبشر، إلا أن الإنسان يمتلك شيئاً من الثبات، وهو الجزء الذي يمكن أن نصفه بأنه المطلق الوحيد فيه، وهو العقل. العقل الإنساني واحد لدى كل البشر، بمعنى أنه هو القدرة على تعقل المبادئ النظرية والأخلاقية الأولى، وعلى الإدراك الفطري للبديهيات والمسلمات النظرية التي تبدأ منها كل العلوم، وهو القدرة على التفكير المنطقي المنظم، وهو إمكان التمييز بين الصحة والخطأ. هذه هي البدايات الأولى للعلم وللتفكير المنطقي، وهي طبيعية وفطرية في الإنسان، ومشتركة وعامة في كل زمان ومكان.
ولما كان العقل هو الثابت والمطلق الوحيد في عالم الإنسان، فلا شك أنه أحد الطرق الأساسية التي يتواصل بها الإله مع البشر، وذلك لأسباب كثيرة، منها أن الإله نفسه عقل. إنه هو العقل الأول الأزلي اللامتناهي، العقل الذي نظم الوجود وجعله منسجماً، وجعل أشياءه تسير بقانون طبيعي عقلاني وحتمي، ضروري ولا يتغير. ولما كان الإله عقلاً، وهو العقل الأول في الحقيقة، فإن من طبيعة العقل أن يتواصل مع عقل مثله. العقل الإنساني إذن هو أهم طريق يتواصل به الإله مع البشر.
ولما كان الإله كاشفاً عن قدرته وإرادته في العالم من خلال قانون الطبيعة العقلاني، الحتمي والضروري والأزلي، فإن النظام العقلي الذي يسير عليه الكون هو إرادة الله ذاتها وهو علمه وحكمته. الإله يتجلى في الكون في صورة قانون طبيعي كوني، عقلي في الأساس. قانون الطبيعة هو عقل الله. وبالتالي فإن وسيلة الاتصال الأساسية والحقيقية بين الله والبشر هي هذا القانون الطبيعي، أو عقل الله المتجلي في العالم.
قانون الطبيعة هذا، ولكونه عقلياً في الأساس، فلا يمكن إدراكه إلا بالعقل. فالعقل لا يدركه إلا عقل مثله؛ والعقل الذي في الطبيعة لا يدركه إلا العقل الذي في الإنسان، لأسباب كثيرة أهمها أن عقل الإنسان جزء أصيل وجوهري من العقل الذي في الطبيعة. العقل إذن هو وسيلة الاتصال بين الله والبشر. والنبوة التي تخاطب العقل هي وحدها النبوة الصحيحة.

ملاحظة:-
هذه محاولة فيما يمكن أن أسميه علم الكلام الجديد، أو أصول الدين الجديدة، أو تجديد أصول الدين، بالاستفادة من التيارات الفكرية الحديثة، لإعادة النظر في التصورات الدينية التقليدية، وتأويلها وسحبها إلى مجال الفكر العقلاني