هل من يقظة ياعرب ! (4) قمة العشرين ؟ قمة اللصوص والمجرمين G20

فتحي علي رشيد
2017 / 7 / 12

لاأحد يجادل في ان الأرض ليست ملكا لأمريكا أو لأي أحد . وبالتالي فإن الحفاظ على بيئة نظيفة ومناخ قابل لحياة جميع الأحياء عليها , بما فيهم البشريصبح واجبا أساسيا على جميع بني اللبشر .من خلال العمل على الحد من انبعاث الغازات السامة التي تنتج عن الاستخدام الواسع للوقود الأحفوري في السيارات والمصانع , ويصبح مهمة لكل البشروالدول , يحتم عليها التعاون استنادا لما يقرره علماءالبيئة , وبخاصة لما تم إقراره في مؤتمر باريس للمناخ عام 2016 . أما عندما لاتوافق أمريكا وحدها دون سائر دول العالم على ما تم التوافق عليه في قمم المناخ المتعددة .وعندما لا تقدرالدول المجتمعة في هامبورغ على إرغام الولايات المتحدة الأمريكية على الالتزام بما أقرته الدول الصناعية الكبرى , مع أنها تشكل الدولة الأولى في نسبة انبعاث الغازات الضارة (حوالي 45% من نسبة الغازات المنطلقة ). فهذا معناه أن أمريكا لاتعنيها مصلحة البشر ,بل تعمل على إلحاق الضرر بها .كونها تضع مصلحة شركاتها الصناعية ومصلحة مواطنيها فوق مصلحة جميع البشر بما فيها من يعتقدون أنهم حلفاء لها ( مرغمين ) .مما يجعلها بالفعل عدوة لهم .وهذا ماعبر عنه بوضوح المتظاهرين في هامبرغ وسائر الدول الألمانية والأوروبية ونددوا به .
أما اذا أخذنا بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية تشكل الدولة الأولى في العالم من حيث الانتاج الصناعي والتجاري , والدولة الأولى من حيث السيطرة المالية والأقدر على التحكم بالأسواق ومن خلالها على مجمل الاقتصاد . فإنها تجعل من مصالح مالكي مصانعها وبنوكها وشركاتها وموظفيها (0 1% من مجموع الشعب الأمريكي ) في تناقض مع مصالح أمثالهم في أغلب الدول الصناعية , ناهيك عن تناقض مصالح هؤلاء مجتمعين أو متفرقين مع مصالح غالبية بني البشر , بما فيهم سكان أمريكا وأوروبا وروسيا والصين .وبالطبع تضع نفسها في تناقض عدائي مع مصالح الدول والشعوب الفقيرة والمفقرة في الهند وجنوب شرق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والبلدان العربية . وعندما تصر أمريكا على أن تبقى كذلك وتفرض ماتريده على الجميع , من خلال قمة( قيل في وسائل الإعلام أنها تمثل ( كذبا ) 75% من بني البشر) .لإقناعنا بأنها قمة تمثل غالبية بني البشر بينما هي في الحقيقة لاتمثل إلا مصلحة مالكي الشركات والبنوك الفوق قومية الأساسية والمتحكمة بالاقتصادالعالمي .والتي لايزيد عددهم عن 96 ألف مليادير ومليونير .أي نسبة لاتتعدى واحد ونصف من مئة ألف من البشر ) .
جميعنا نعرف أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تشكل المكان الأنسب لاتخاذ القرارات التي تهم جميع دول العالم . فلماذا تسعى هذه الدول إلى اقناعنا من خلال هذه القمة أنها تمثل مصالح الغالبية ؟ إن لم يكن ذلك من أجل تمرير مصالح الأقلية على الأغلبية خارج ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان . وهذا يعني أن تلك الدول المتوافقة معها أو الخاضعة لنفوذها ( والمجتمعة معها ) تسعى من خارج الأمم المتحدة لأن تجعل من نفسها بديلا وبالتالي عدوة فعلية لغالبية بني البشر.ونحن نعلم أنه لولا أن تلك الغالبية غائبة أو مغيبة أو مضحوك عليها من قبل نخبها وحكوماتها لما استطاعت هذه الدول عقد مثل هذه القمة .وهذا هو بالذات ما يتيح لهذه القلة من البشر فرض المزيد من عمليات التحكم والتهميش والإفقارلغالبية بني البشر ـ حتى الإبادة بلا شفقة أو رحمة . وهو ما يتجلى اليوم بوضوح فاقع في البلدان العربية الثائرة على حكامها الفاسدين والمستبدين بسبب هذا الواقع السيئ .
الجميع يعرفون أن الدول الصناعية السبع الولايات المتحدة الأمريكية بريطانيا فرنسا ألمانيا إيطاليا اليابان كندا والتي لايزيد عدد سكانها عن 15%من سكان الأرض ) منذ عام 1976 باتت تتحكم ب 65 %من الاقتصاد العالمي كله بما يعني أن الدول الإثنتي عشر الأخرى المنضوية تحت قبة العشرين . والتي تمثل 60% من سكان الأرض ( الصين والهند وروسيا وأستراليا واندونيسيا والأرجنتين والبرازيل والمكسيك وكوريا الجنوبية وحنوب إفريقيا وتركيا والسعودية )لاتتحكم سوى بعشرة بالمئة من الاقتصادالعالمي ( مع أن انتاجها يزيد عن 50% من الانتاج العام العالمي ) مما يفهم منه أن الدول الاثنتي عشر التي ضُمًت عام 1999إلى قمة العشرين بعد الأزمة المالية التي عصفت بجنوب شرق أسيا عام 1996 لم تكن دعوتها إلى قمة السبعة الكبار إلا للتغطية على أهداف الفاعلين الكبار ( كبار اللصوص ) أو لتسهيل تمريرأهدافهم الاقتصادية والمالية على شعوب تلك الدول وبالتالي على بقية بني البشر . مع التذكير بأن حكومات ورؤساء ووزراء مالية وخارجية الدول السبع ليسوا ( كنظراءهم الآخرين ) أكثر من أدوات لتمرير ما يريده مالكي ومديري الشركات والبنوك الفوق قومية على شعوب تلك البلدان كما على بني البشركلهم .اما لتفريغ , أو لنقل أزماتها المالية والاقتصادية إليها. وهذا ماجعل المتظاهرين خارج قاعة المؤتمر يصورون المجتمعين بمصاصي الدماء .
لذا نعتقد أن مظاهر الغضب الشعبي وحرق الإطارات وعمليات الاعتقال قد تعيدنا إلى الثورات التي حصلت في أوروبا عام 1848 .وتعيدنا بشكل ما إلى ما أشار إليه ماركس من أن ألمانيا هي المرشحة الأولى لقلب نظام الحكم العالمي لمصلحة جميع بني البشر .
لذلك قيل ويقال في الأدبيات الثورية : أن المنطق عند هيجل (أو قبل ماركس ) كان يسير على رأسه , وعندما جاء من اقتنع بفكر ماركس فقد قلبه ( فقط بشكل قليل ) , أي جعله يقف بما يتيح له لأن يسير على قدميه , بما يجعل العالم الآخر أيضا يقف على قدميه , ليتمتع جميع بني البشر بالحد الأدنى من نتاج أمهم الأرض . وأنا أعتقد أن المنطق السائد في السياسة الدولية الراهنة . كما كان أيام ماركس ,وقبل ذلك ,ومايزال حتى اليوم يسيرعلى رأسه . وعلينا نحن المغلوبون في الأرض ,والذين نشكل الأغلبية أن نعمل على قلبه بما يجعله يقف ويسير على قدميه .
ولهذا وجب أن نذكر بما بذله بعد ماركس وإنجلز(كثير من المفكرين الثوريين أمثال هوبسون وهلفردنج وبليخانوف وبوخارين ولينين وروزا لوكسمبورغ وكاوتسكي ثم ماوتسي تونغ وغيفاراوكاسترووهوشي منه وباتريس لومومبا ,إلخ ) خلال المئة سنة الماضية من جهودونشاطات , وجهود تابعيهم وأحزابهم لجعل العالم يسير على قدميه .لكنهم فشلوا . والسبب أن أصحاب رأس المال المالي والشركات فوق القومية , بعد الصراعات الدامية التي مروا بها في كلا من الحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة تمكنوا بقيادة الولايات المتحدة من خلال تقديم بعض التنازلات لعمال وفلاحي وجماهير بلدانهم ولبعض دول العالم الثالث , وبعد تجاوز كثير من خلافاتهم وبعد التغلب على أزمات الأمبريالية المالية ( الكساد والتضخم ) , تمكنوا من الاتحاد والانتقال من الأمبريالية إلى ما بعد الأمبريالية ( بدلا عن الاشتراكية ) , أو مايمكن أن نطلق عليها اليوم ( وهوماأطلقه متظاهروا هامبورغ )مصطلح العولمة .
قيل أن على "هامش المؤتمر" التقى كلا من ترامب وبوتين يرافقهما وزيري خارجيتهما لفترة زادت عن ساعتين وربع الساعة قررا فيه تجاوز خلافاتهما من خلال صفقة ترضي فيها أمريكا أوروبا في أوكرانيا مقابل أن يضحي المجتمعين بالثورة السورية (بعد تسليم ترامب مفاتيح سوريا لروسيا ) وبالتالي التضحية بمصالح العرب والسنة (غالبية حاضني الثورات العربية ) لمصلحة رأسمالييي روسيا وحلفائهم الإيرانيين .
والحقيقة هي أن أهم شيئ في المؤتمر أوفي أساسه كان هذا اللقاء الذي توافق فيه الطرفان الروسي والأمريكي وحلفائهما على تقسيم كعكة الوطن العربي بينهما بعد ست سنوات من التلاعب بالثورات الحاصلة في كل من سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن وتونس والسودان .ويمكنني الجزم أن اجتماع رؤساءالدول الآخرى لم يكن إلا للتغطية على هذا اللقاء أوللإحتفاء به, أو لعدم معارضته , أو لأخذ الصور التذكارية وهم يضحكون ويوزعون الابتسامات .
وهنا لابد لنا من التوضيح بأن كعكة العالم الثالث والعربي (الرابع ) خاصة المنتجة للنفط ( السعودية والكويت ودول الخليج وقطر ) هي أساسا محسومة ـ من قبل مئة عام ـ لصالح الشركات ال64 ألف شركة فوقومية ,التي تسيطر على 80% من انتاج ومبيعات العالم كله .مع التأكيد هنا على أن التنازع على الحصص سيظل قائما . بما يعني أن حتى رئيسي الدولتين الأقوى عسكريا كانا وليس فقط ممثلي ال75% من زعماء العالم مجرد مدعوين هامشيين (1) للتغطية على هذه الحقيقة المرة . حقيقة مايقرره من خلف الستار , اللصوص الغائبين ( كبار الرأسماليين في العالم وغير الظاهرين على الساحة ) عن المؤتمر .
وهي الحقيقة التي كشف عنها المئة ألف متظاهر الذين جاؤوا من جميع أصقاع العالم (خاصة من ألمانيا وإيطاليا والسويد ..إلخ ) إلى هامبورغ للتنديد باللصوصية القائمة ,وبالإجرام الحاصل في العالم .وبخاصة في العالم العربي حيث يموت كل يوم مئات الأطفال على وقع البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والفراغية ,والقصف من الجو والقتل المتعمد والمباشر ,فحسب بل بسبب مايموت أكثر منهم نتيجة لعمليات الحصار و التجويع والتهجير القصري الممنهجة بصمت .
لهذا قد يكون من المؤسف أن يضرب ويسجن هؤلاء المتظاهرين في هامبورغ , والذين جاؤوا من جميع بلدان أوروبا للتنديد بجرائم الناطقين باسم هؤلاء اللصوص والمجرمين والقتلة ( وأن يرفع بعضهم أعلام فلسطين الجريحة ) .في حين أن أغلب جماهير الوطن العربي المستهدفة أساسا من مؤتمر اللصوص والمجرمين هذا , لاتفعل شيئا للتنديد بهذا المؤتمر والمؤتمرين ,وبهذا الواقع المحزن .مع أنهم أول ضحاياه وأكثرهم تضررا منه .
فتحي رشيد
12/ 7 / 2017
(1 تذكروا المشهد الذي ظهر فيه حيدر العبادي ( مايقال أنه رئيس وزراء العراق ,وهذا ينطبق على غيره من الملوك والرؤساء العرب ) وهويحاول أن يلفت نظر أوباما إليه على هامش لقاءات الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي . ونعقب عليه لنقول : من المؤسف أن أوباما ابن حسين الذي يتبع له العبادي , قد تجاهل العبادي وكأنه ليس موجودا , مع أنه كان من المفترض حسب منطق التاريخ والحضارة والشرف والإباء والإمكانات , أن يقف أوباما باحترام أمام أي ممثل للعراق (حتى لو كان طفلا ) .لكنه كونه جاهل بالعراق الأبي الشهم الغني ,ولايعرف أن هذا البلد هوالأغنى في كل شيئ من جميع بلدان العالم بما فيها أمريكا ذاتها (مقارنة بعدد سكانها ) والذي يفترض أن يكون كذلك .لكنه للأسف أذل وأهين وأفقر ودمر بسبب تزعم أمثال الجعفري والمالكي والعبادي له , وخضوعه لإملاءات أمثال أوباما وترامب وبوتين وملالي إيران .وهذا ماسوف نعالجه في بحث قادم .