لمحات من فكر المعتزلة - 1) هل القرآن دليل على وجود الله؟

أشرف حسن منصور
2017 / 7 / 12

لمحات من فكر المعتزلة:
1) هل القرآن دليل على وجود الله؟
لا، ليس القرآن دليلاً على وجود الله، بل وجود الله هو الذي يدل على صحة القرآن. فأنت في حاجة إلى أن تعتقد في وجود أولاً، قبل أن تعتقد في صحة القرآن. وجود الله إذن يتم التوصل إليه من خارج القرآن، من العقل.
هذا هو ما يقوله القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني (توفى 415 هـ)، أحد أهم وأشهر مفكري المعتزلة، في مقدمة كتابه (متشابه القرآن. تحقيق د. عدنان محمد زرزور، القاهرة، دار التراث، 1969).
سوف أعرض فيما يلي الحجج التي قدمها لإثبات ذلك، والأسباب التي دفعته لهذه الفكرة، والتي تعد إشراقة تنويرية نادرة وجريئة في الفكر الإسلامي.
يقول القاضي عبد الجبار: "إعلم أن كل فعل لا تُعلَم صحته ولا وجه دلالته إلا بعد أن يُعرَف حال فاعله، ولا يمكن أن يُستَدل به على إثبات فاعله ولا على صفاته، وإنما يُستَدَل به على ما سوى ذلك من الأحكام" (ص 1). أي لما كان القرآن فعلاً لله، فيجب معرفة الله أولاً قبل أن نعرف أن القرآن وحي منه. وهذا يعني أن معرفة الله مُتقدِّمة على معرفة أن القرآن من عنده.
كيف إذن نعرف الله من خارج القرآن؟ نعرفه بالعقل وحده. فبعد البرهنة على وجود الله، وعلى أنه واحد وعادل وحكيم وصادق ولا يجوز عليه الكذب، نتوصل من ذلك إلى أن القرآن من عنده؛ لأن إنزال القرآن تعبير عن الحكمة والصدق، وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار: "وكل ذلك يوجب أن يرجع في دلالة القرآن إلى أن يُعرَف تعالى بدليل العقل، وأنه حكيم لا يختار فعل القبيح، ليصح الاستدلال بالقرآن على ما يدل عليه" (ص 3)؛ ويقول كذلك: "... المعرفة بالله وبتوحيده وعدله لو لم تتقدم، لم يمكن أن نعلم أن القرآن حجة أصلاً..." (ص 37).
لكن إذا كان القرآن لا يدل على وجود الله بل يفترض هذا الوجود، فما الذي يدل عليه القرآن أصلاً؟ إنه يدل على صحة ما به من أحكام وأخبار وحسب. ومثلما أن المعجزات والخوارق والكرامات ليست أدلة في حد ذاتها على أن فاعلها نبي (لأن أصحاب الكرامات والسحرة والأنبياء الكذبة يمكنهم فعلها أيضاً) ، بل إن ثبوت النبوة هو الدليل على أن المعجزات التي تجري على يد النبي هي من عند الله، فإن صدق القرآن مبني على وجود الله أولاً.
فلا يكفي أن تؤمن بوجود الله كي تصح لديك دلالة القرآن، بل يجب أولاً أن تبرهن بالعقل على وجود الله. لماذا؟ ألا يكفي الإيمان؟ لماذا أخرج القاضي عبد الجبار الاعتقاد في وجود الله وفي صحة القرآن من دائرة الإيمان وألحقهما بدائرة العقل؟ لسبب في غاية الأهمية، وهو أن القرآن مليء بآيات التشبيه والتجسيم، والتي تأتي معها بشبهة مماثلة الله للبشر، في الجسمية والمكانية والأعضاء الحسية؛ وكي تكون دلالة القرآن صحيحة، لا شبهة فيها، فيجب أولاً البرهنة على أن الله واحد منزه عن الشبيه وعن المماثلة للبشر. والبرهان على أن الله منزه عن الجسمية وعن كل مشابهة مع البشر قائم على أدلة عقلية. وبدون هذه الأدلة العقلية على أن وحدانية الله تتضمن أنه ليس بجسم ولا يمتلك أي صفات جسمانية أو بشرية، فلن يكون الإيمان بالله حقيقياً صحيحاً، أي باعتباره واحداً وحدانية مطلقة؛ ذلك لأن الآيات التي تحمل شبهة التجسيم والتشبيه ستُفهَم حرفياً، وسوف يكون الإيمان بذلك إيماناً بإله مجسم شبيه بالبشر وهو إيمان غير صحيح؛ وكذلك لن يكون بالإمكان الدفاع عن القرآن ضد من يشكك في أنه من عند الله على أساس أن تصور القرآن عن الله به من التشبيه والتجسيم ما لا يليق بالله المنزه بإطلاق. فمن السهل على الذي يريد الطعن في القرآن أن يتهمه بأنه ليس من عند الله على أساس أن التصور القرآني عن الله بشري ويصفه بأوصاف بشرية ومادية وجسمية.
وبالتالي فإن الحفاظ على حجية القرآن ودلالته يأتي من الدفاع عنه بالعقل، أي بالبرهنة العقلية على وجود الله ووحدانيته وعدله، وأنه ليس جسماً وأنه منزه بإطلاق عن الجسمية وعن أي شبهة بشرية. فكي يصير القرآن صادقاً ويثبت أنه من عند الله حقاً، يجب البرهنة العقلية على أن الله ليس بجسم، وأن آيات التشبيه والتجسيم في القرآن ليست سوى مجاز. بدون هذا التأويل المجازي لهذه الآيات سوف يصير القرآن عرضة للمطاعن.
إن التأويل المجازي العقلي لآيات التشبيه والتجسيم ضروري في التمييز بين المحكم والمتشابه، لأن آيات التشبيه والتجسيم هي من المتشابه. وتأسيس القاضي عبد الجبار لوجود الله ووحدانيته وتنزيهه على الدليل العقلي من خارج القرآن، جعله يؤسس التمييز بين المحكم والمتشابه على دليل العقل أيضاً، لأن المُحَكم هو المحكم عند العقل، والمتشابه هو المتشابه عن العقل؛ يقول في ذلك: "ولهذه الجملة يجب أن يُرتَّب المحكم والمتشابه جميعاً على أدلة العقول"، (ص 7). يبدو أن القاضي عبد الجبار يؤسس الدين "في حدود العقل وحده" مستبقاً كانط. لكنه يتجاوز كانط في الحقيقة، لأنه يؤسس حجية كتاب الله نفسه على العقل، يجعل العقل معياراً ومقياساً وحَكَماً. إنها حاكمية العقل، تلك التي يؤسس عليها القاضي حجية الشرع.