معنى الاستربتيز السياسي

سامي عبد العال
2017 / 7 / 11

في الواقع العربي الراهن هل سيتواصل نزعُ الأقنعة عن الممارسات السياسية ؟ وإذا كان الربيع قد أخفق في تحرير الفكر فبأي معنى سيُجرب آثاره على الأجساد، مع التصورات الجسدية؟ ولاسيما بعد انتشار التسريبات وظهور وثائق حول تلاعب دول بأوضاع دول أخرى. وانحسار الغموض عن تورط الأنظمة الحاكمة بالإرهاب والعنف ( قطر وجيرانها زائد مصر والعكس ). وهو ما يضعنا في عصر التلاحم الغرائزي للصراع بين الجماعات والدول على السواء رغم رحابة العالم.

العنوان المبدئي لما يحدث هو التلذذ بالدماء وهشاشة الحياة - ولو كانت لتصفية الحسابات - واحتكاك الإحساس الجمعي بموضوعاته مباشرة. ورغم أنَّ صراعاً يأتي عبر وسائط افتراضية أو داخل خيال عام إلاَّ أنَّه أصبح ترجمةً لجسدية الأهداف والأفعال. لقد تأججت عمليات النيل من الآخر بمعناه الشهوي المادي. ذلك الناجم عن التنكيل به وفضحه وتركه أمام العيون والأخبار والتغطية الاعلامية.

لا يعتبر هذا التحليل دعوة لفاصلٍّ من الكأبة. بل لمعرفة مزيدٍ من جوانب السياسة وكيف تحل على أُناس لا يمارسون إلاَّ الغرائز حتى الأقدام؟ والمسألة مهمة بدرجة الالتحام الجسدي سياسياً رغم بعد المسافات بين الدول. وفي هذا غابت الشعوب وراء تناطح الأنظمة واقتطاع الطوائف وتفجير المدن. وباتت ( أي الشعوب) من ديكور المشهد ليس أكثر. ورغم استعمالها في إكمال الصورة إلاَّ أنها ألصقت اللحم باللحم ( الكتف بالكتف). سواء في شكل طوابير أم نازحين أم لاجئين أم فارين من معارك الإرهاب أم متسللين نحو الغرب أم غارقين في المياه أو متسكعين في شوارع الرغبات واللهاث وراء الحياة!!

المفارقة: أنَّ سياسة العقل والإبداع عندما تختفي تحل سياسة الاجساد محلها. وأخشى ما نخشاه أن ترث الأجيال الجديدة ضيق الخيال بعدما سادت غرائز القتل والحروب ردحاً طويلاً!! أي أنَّ مشاهد الانكشاف ستضرب بقوة الدلالة الحسية مختلف الأطراف. فالأنظمة السياسية تتعرى حتى العظم، تخاتل، تترك مساحيقها جانباً. وتأتي بوجوه بدائية من خلف التكنولوجيا والفضائيات ووسائل الرفاهية. وهذا بلا ريب سيؤثر ليس فقط على المجال السياسي بل على مستقبل الأجيال الآتية.

أما لتفسير ذلك، فالآن - نفترض هكذا - تقف الأنظمة العربية على مسرح الاستربتيز السياسي political striptease القائم على الافتضاح. هناك تحارب ومؤامرات وإغواء سياسي ولعق لرموز السلطة وعبادة للحكام وطقوس لتسييس الكراهية الاجتماعية ونهب لا ينتهي للثروات وسادية في ممارسة الإفساد والإفقار على الطبقات الكادحة. من جانب تالٍّ ثمة مازوخية من قبل النخب الملاصقة للسلطة في قمعها المتواصل للحريات ومصادرة التنوع واحتقار التابعين والمهمشين. لأنَّهم كلَّما امعنوا في استعذاب الهيمنة كلَّما ارتفعوا أكثر لدى حكامهم!!

هناك أغنية مصرية ليست قديمة تبرز المقصود: ( علشان ما نعْلّىَ... ونعْلّىَ... ونعْلّىَ لازم نِطّاطِي... نِطّاطِي... نِطّاطِي ). بصيغة شارحة لكي ما نرتفع لدى هذه القوة الخفية التي نعلو أمامها وتحت إبطها لا مفر من الانخفاض، الانسحاق، التذلل، الانبطاح. إذن ماذا يبقي حتى يبرز الوضع الغرائزي الشبِق ؟! إنَّه خيط متصل يربط أزمنة وتواريخ وسياسات وتحولات حالية ( لنتابع الندوات ولقاءات الزعماء والأحلاف بين يوم وآخر ).

بالتالي يصح الالتفات إلى تركيز الإعلام على مصافحات الساسة العرب ولغة أجسادهم وكيف يتحدثون ويطلقون ضحكاتهم. وعلى صعيد أعم أثناء زيارة ترامب العارية للرياض كان الاعلام جسدياً بامتياز عرض: طريقة كلامه وسيره ونظراته الجانبية وانحناءه لارتداء القلائد وانفعالاته الحسية. ثم امتدت التغطية لأخبار ابنته إيفانكا ترامب Ivanka Trump المصاحبة له وإسالة اللعاب حول انوثتها وجمالها ومفاتنها كما تواترت التغريدات والتعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي.

ولكي ندرك كيف يتحول الخيال والفكرة الدينية إلى جسدٍ، قام أحدهم- من أرض النبوة - ببناء مسجد باسم ايفانكا ترامب ووهبه على روحها حينما تموت. وقد اعلن استعداده للزواج منها فوراً لو قبلت. وعلى إحدى الفضائيات قال: لعلَّ هذا المسجد يكون صدقة جارية على روحها الطاهرة. ويكون غفراناً لها من خطاياها. لقد جردها هذا الفعل من جسد زواجها ومعتقداتها وثقافتها وحياتها ودنياها. حيث اعتبرها جزءاً من ممتلكات المعتقد الإسلامي في شعائره الثقافية!!

وفي إطار الخطط والعلاقات المشبوهة بين الدول تكتمل الصورة. حتى شملت المساس بجسد الدول مثل اقتطاع جزء من جغرافيا الدولة المصرية واعطائه للسعودية. فيما يعرف بجزيرتي " تيران وصنافير ". فهل هناك ترتيب استربتيزي للمنطقة في وجود اسرائيل ومشروعاتها المائية والتوسعية؟ وكذلك ما يقال عن اقتطاع سيناء ومنحها كوطن بديل للفلسطينيين. حيث ستُلبي مطلباً صهيونياً وأمريكياً قديما يُدبر له بسرية ونفس ساخن طويل. وما تربية الجماعات الإرهابية وزرعها في تلك المنطقة إلاَّ عملٌّ عضوي يوضح النوايا فوق الأرض.

ومؤخراً بثت قناة الجزيرة على موقعها الإلكتروني - في خطوة استباقية شبقية - انفصال شبه جزيرة سيناء عن مصر. وجاءت المنطقة المقتطعة باللون الأصفر باسم سيناء ( ولاية سيناء) بينما حدود مصر الشمالية الشرقية المتاخمة باللون البرتقالي. ومهما قيل من خلافات غرائزية بين النظامين المصري والقطري بأجساد إخوانية إلاَّ أن ذلك العرض كان فاضحاً لما قيل ولما سيقال. وبالمناسبة بصرف النظر - عن هذا الخلاف - فإن ما يجعل الجزيرة ممقوتة بالنسبة لحكام العرب أنها أكثر مسارح الاستربتيز نجاحاً. لنلاحظ تركيزها على الفضائح والإشاعات والغمز واللمز والابتزاز كي تصبح حقائق. وأنهم ما كانوا ليحاولوا اسكاتها لو كانوا يمتلكون مسرحاً مماثلاً!!

وعليه فليس أحد مسارح التَّعري لدى نظام قطر وفضائحه فقط. لكن كان يجب أن تحل لحظة الخريف شاملةً. حيث تتساقط أوراق الأشجار، وتذبل جميع الأوراق التي تخفي السوءات. فإجمالاً تبدو أشكال الرؤساء العرب كالحة صفراء، وأجساد الملوك والأمراء يناديها التراب والكيانات الاجتماعية مختزلة إلى شتات جديد أسمه " التمزُق العربي" على مجمل الأصعدة. وكأنه من نكد الأيام أنْ يأتي رئيس أو ملك لهذه الدولة أو تلك في آخر العمر وقد بلغ من الكبر عتياً. ولم يعد أمامه إلاَّ ممارسة البطالة على المسرح المكشوف والتفرغ لكل شيء إلاَّ الرئاسة. إن رئيس فرنسا الشاب ايمانويل ماكرون إذا ما جلس بجوار أحدهم سيكون بمثابة الحفيد من الجد. ولهذا سرعان ما تتحول أنظمة الدول العربية بين ليلة وضحاها إلى دار لرعاية المسنين!! وتفقد كل شيء إلاّ الاستعراضات الراقصة فوق الضحايا.

وهنا تشترك السياسة مع عملية الاستربتيز Striptease في كونهما نوعين من الرقص هدفه الأساسي اثارة الغرائز الجنسية والحيوانية الساخنة. حيث تكون أطياف الجسد مفتاح الموقف. في الجنس الجسد هو المتَّكشف والمثير. هو الذي يداعب الخيال ويلهب المشاعر. أما السياسة فالاستنفار والتَّفضُح والمناطحة والمغالبة، وشهوة الحكم... جميعها تستحضر معاني جسدية بطريقة أو أخرى. السياقان يتكونان من الرغبة في موضعة الآخر، نزعة التملك لهذا الآخر مرغُوباً ومطروحاً تحت النظر. أيضاً السياقان فاعلان بالإيهام الحسي لتحقيق سلطة ناعمة قابلة للاتساع. فالجنس يستثار بآثار الامتلاء والإشباع وكذلك السلطة تستحضر طاقة الهيمنة وتجسد الرغبة الممتدة.

إنَّ مسألة أخونة الدولة كما رأيناها في أكثر من تجربة ( مصر- تونس - تركيا ) بدرجات مختلفة تُجسد هذا الامتلاء. فالاستنفار لدى جماعة الإخوان لم يكن سوى اسباغ حسي يلتهم المؤسسات وهياكل السلطة. ولهذا في كل تجربة من هذا القبيل كان الإخوان لديهم دولة بديلة بالمعنى الحرفي. وتنتظر أن يأتي شعبٌ بديل أيضاً سواء من داخل الدولة أو بالتوطين. سُرب أبان عهد مرسي كونه يحاول استخراج بطاقات هوية مصرية لإخوانِّي حماس والعرب المهاجرين. وكانت البطاقات حاملة – كما أُشيع آنذاك - لسيناء كمحل للإقامة ( نفس المخطط لتوطين الفلسطينيين ).

وإذا كان الاستربتيز ينتشر في أماكن كالنوادي الليلية وبيوت الدعارة، فالرقص الفاضح سياسياً يوجد في أرجاء الدولة، البرلمانات، المجالس، الإعلام، منصات الخطابة، ندوات ومؤتمرات الحكام، الأحزاب والانتخابات. إذ فجأة تصبح الإثارة هي المناخ الذي يساوي ملايين الكيلو مترات المربعة على خريطة جغرافية اسمها الدولة. ولعل النفاق العام وممالأة السلطة أبرز الممارسات على خشبة المسرح. وهما يُظهران التعاطي مع الشأن الجمعي بآليات فردية. وكأنَّ الذي ينافق يشعل شهوة الحاكم في السيطرة والاستبداد. بينما هو يضيع حقوقاً انسانية وفرصاً لبناء المجتمعات.

أيضاً فكرة الاستربتيز قائمة على أنَّ الراقصة تثير الجمهور بنزع ملابسها قطعة قطعة. هي ترقص وتزيد الإثارة كلما تتأخر في تعرية جسمها. نفس الأمر مع الخطابة السياسية التي تتمنَّع في قول الحقائق بين إظهار وإخفاء. لندقق مرةً فيما يطرحه السياسيون العربي: كيف يداعبون غرائز الجموع والحشود ؟ لقد كانت الخطبُ قائمة على هذا البعد حتى الثمالة بينما الواقع شيء آخر. والسلطة تستمرئ وضعاً كهذا طالما يؤدي إلى تدجين المواطنين وخلق حالة القطيع.

لم يعد نظام عربي واحد بمنأى عن الضعف داخلياً وخارجياً، عن التكشف رغائبياً أمام الآخرين. ويتوافد اللصوص بأسماء العولمة والاستثمارات والتعاون الدولي لرؤية أجساد الأنظمة العربية معلقة كالذبائح وسط الصحراء. فالعرب ليسوا قريبين من قوة رمزية لهم ولا إنتاج ولا تقدم علمي ولا تطور تكنولوجي ولا إسهام حضاري. هناك انسحاب حتى من ظلال الإنسانية التي تدنو من شعوب الأرض.

وإذا كان " معظم النيران من مستصغر الشرر"، فلم يكن شرر المقاطعة لقطر خاص بدفن عوراتها الإرهابية لتنتهي بلا توابع. ليتهم كانوا يتعلمون- حتى الجنون - من أسلافهم الجاهليين: عندما كانوا يؤدون البنات دفناً في الرمال أحياء. ولا ننسى أن البنت هي رأس العار في التقاليد العربية وكذلك جاءت السياسة هي قاعدة الفضائح على ذات الغرار.

أخيراً فإن جوهر الاستربتيز هو الاستعراض. على أساس أن الرغبات حتى تتحقق لا بد من الانكشاف. هذا الذي لم ينحصر فقط في النخب الحاكمة بل لدى أثاث المجتمع. إن امتلاء الدول باللاجئين داخل العالم العربي كان مشهداً من هذا القبيل. الذي يوضح إلى أي مدى تعصف غرائز البعض بأحلام المواطنين في حياة كريمة. كلهم ضحايا سلطة لا ترى ماذا يحدث بجوارها. لأن إفرازها الفاضح نتيجة الاستبداد والديكتاتورية يقصي الواقع ويشرده.

ليأتي الاعلام غاصاً بعروض الاستربتيز حتى أثناء شهر الصيام الفائت. جميع الاعلانات حاملة لكم مهمول من الأغذية والشهوات ومظاهر التخمة والسمنة والبهارات الجسدية والإشارات المغرية بينما تدفن المخيمات آلاف الأجساد. هؤلاء العراة من أية أغذية أو ملابس أو دفء نفسي واجتماعي. وإذا ذهبوا بعيدا فقد يحملهم البحر مطرودين من مواطنة لم تكن ولن تكون ليصبحوا في ضيافة الغرب بضمان الإنسانية. وفي الأغلب تلقيهم أمواجه جثثاً مزرية لتغدو العروض على الملأ.