إجهادات هصر

علي دريوسي
2017 / 7 / 11

آه كم أنت جائع، تنام جائعاً، تستيقظ جائعاً وتحلم وأنت جائع. لعلك لا تحلم بالطعام بالقدر ذاته الذي تحلم فيه بحميمية الجلوس إلى مائدة طعام. لعلك لا تحلم بالطعام بل بالمرأة التي تهتم بك من قلبها، لأنَّها تُقدِّر عالياً أنّك تعمل صباحاً ومساءً، كي تبقى معها على قيد الحياة والفرح، تعيشان بشكلٍ حضاري. لعلك لا تحلم بالطعام بل بالأم التي تهتم بك دون مقابل، ودون أن تراها تجلس إلى جانبك، بل تسمع صوتها الدافئ قادماً من المطبخ: هل شبعت؟ هل ترغب بقرص بندورة؟ هل أقلي لك بيضتين إضافيتين؟

أنت جائع هذا الصباح، كما كل صباح، جائع وتقتلك الوحدة، تقتلك المائدة الفارغة، يقتلك المطبخ وهو يتثائب من شدة الإهمال، تقتلك المرأة الغائبة، يقتلك صوتها الطري، ابتسامتها، فرحتها، رائحتها. أنت جائع، تستيقظ من نومك لا لتأكل وحيداً، بل ورغم الجوع لتجلس وتكتب عن حلمك قبل أن تنساه، في الحقيقة لم يكن ما حلمت به حلماً بل حقيقة واقعية، الواقع والحلم لديك صنوان.

كنت تحلم قبل قليل أنَّك جائع وبقربك مائدة فطور شهيّ، وها أنت في اليقظة جائع وبقربك طاولة طعام خاوية ومتسخة من بقايا طعامٍ قديم لا مذاق له. كنت تهذي بإنَّك في عجلة من أمرك واِمتحان جامعي بانتظارك، وها أنت في الحقيقة لديك اليوم موعد اِمتحان لطلابك، ظروف الامتحانين مختلفة، امتحان الحلم وامتحان الواقع، وظروف الجوعين كذلك مختلفة، جوع الحلم وجوع الواقع، وكان لديك امتحان في الماضي ولديك اليوم امتحان، وكان لديك جوع في الماضي ولديك اليوم جوع، امتحان وجوع كالضوء والعتمة، كالحاضر والماضي، كالاستيقاظ والنوم.

ما الذي دفعك في دهاليز الحلم كي تمسك بيدك صحن شَخْتُورة وتمضي به في الصباح الباكر إلى بيت الجيران؟ تدخل بَهوه وأنت جائع، وأنت خائف من أن تراك تلك الأم القميئة صاحبة البيت والنظرات الكارهة الكريهة، وأنت تشعر في أعماقك بكرهها لك، أنت تعرف أنها لا تحبك، وأنت تعرف السبب، ولما ينبغي عليها فعل ذلك؟ وأنت لا تلومها ولا تطالبها بالمحبة، لكنك تطالبها باحترام شخصك على الأقل، تدخل إلى صحن البيت، تلمح البئر بجانب شجرة المشمش العملاقة، ولداها العملاقان يجلسان فوق كراس خشبية بعد أن وضعا تحت مؤخرتيهما طراحتين مملوئتين بالقش اليابس، يجلسان وأفخاذهما متباعدة، يجلسان وهما يعانقان طاولة خشب دائرية مدهونة بالأزرق، أحدهما أسند ذراعيه على الطاولة وراح يأكل حبات المشمش من جاط ألومينيوم كبير، والآخر يحتسي شوربا العدس من مقلاة واسعة بعد أن فتّ فيها رغيف الخبز ورشّ عليها الفلفل الحارّ، وبين اللحظة والأخرى أخذ يطلق نيران الغضب من مؤخرته وهو يضحك، بينما راح أخوه يداعب بطنه استعداداً لحفلة المرحاض.

هما يأكلان ويتبارزان وأنت جائع وتريد أن تملأ شختورتك بالماء، ما الذي دفعك إلى تلك الزيارة الصباحية أيها الجائع؟ هل أردت فعلاً الحصول على الماء؟ ألم يكن لديك في المنزل ماء؟هل انبغى عليك أن تصير شاهداً صباحياً على ما يحدث تحت شجرة المشمش؟
يأكل حبّات المشمش في وضعية جلوس بعد أن يقسمها قسمين متناظرين، وأنت تراقبه كيف يمضغها، ثم يسألك باقتضابٍ: هل لديك امتحان هذا الصباح؟
تجيبه وكأنك تخاف أن تسمع أمه صوتك: نعم.
ثم ترغب أن تسأله، كي يتطوَّر الحديث، كي تنسى جوعك لا أكثر: أما زال أخوك نائماً؟ ألا يريد الذهاب إلى الجامعة؟
لكنك تتراجع في اللحظات الأخيرة فتسأله راجياً: هل تسمح لي بتذوق حبّة مشمش؟ أشعر بالجوع قليلاً.
بطرف سبابته يُكرّج حبّة باتجاهك، تدور الحبّة في مكانها، كأنَّها تأبى الوصول إليك، ينفخ عليها، تتابع تدحرجها لتصل إليك، تمسكها بحنان، تقسمها قسمين كما تراه يفعل لتدفنها في فمك شاكراً، قائلاً: ما أطيبها، لم أتذوقها منذ سنتين.
يسألك: ألم تأكلها في موسم السنة الماضية؟
تجيب على سؤاله: لا، تذوقتها في السنة قبل الماضية، في المكان نفسه، لكن أخوك من كان يجلس هنا، لا أنت.

هما يأكلان مقبلاتهما بشهية، وأنت الجائع تراقبهما، تخجل من نفسك ومنهما، تتظاهر بضرورة انصرافك، تسأله باحترام: هل تَفَضَّلت بملء الشختورة بالماء؟
يتجاهل سؤالك، ومثله فعل أخوه، لم يرغبا بسماعك، أحدهما انشغل بالبحث عن خرقةٍ بالية، ينظف بها فمه ويديه من آثار ماء المشمش ودبقه، وعندما لم يجد شيئاً في متناول يده أمسك غصناً من الشجرة وفرك فمه ويديه بأوراقها، أما الآخر راح يصيح بأمه المنشغلة في المطبخ: يا مو، يا مو، هل جهزت لنا الفطور؟
جاءه صوتها الغليظ: كل شيء جاهز يا مو، فيّق أخاك.

ينهضان وينتقلان إلى مائدة دائرية مجاورة، في فَيء الجهة الأخرى من الشجرة، الطاولة كبيرة يتوسَّطها إبريق الشَّاي وكأنَّه مركز العالم، وحوله تَوَزَّعت صحون كثيرة وكأنَّها الكواكب، صحون كبيرة ومليئة بما لَذّ وطاب، جبنة مُشَلَّلة، جبنة مالحة، مكدوس، زعتر بلدي، زُبْدَة، زيتون وعيطون، خيار وبندورة، لبنة، مربَّى الباذنجان، بصل أخضر، سوركي، مقلاة كبيرة مملوءة بالبيض المقلي وسَلَّة مستطيلة الشكل كسرير طفل مُعَبَّأة بأرغفة الخبز الطازج.

يجلس الأخوة الضخام الثلاثة حول المائدة، المَجَرَّة المُلَوَّنة، بدأوا فطورهم وعلامات الرضا مرسومة على وجوههم السمراء، وأنت الجائع تراقبهم، تراقب نهمهم، ولديك امتحان في هذا اليوم، وهم قد تناسوا وجودك واقفاً قربهم، وهم لا يدعونك للجلوس والمشاركة، وأنت جائع ولديك امتحان، وأنت تراهم كيف يقتطعون لقماتهم الكبيرة من الصحون ويمضغونها دون أن يتَوَقَّفوا عن الاجْتِرَار، لا هم جائعون ولا امتحانات لديهم، وأنت المنهصر جوعاً تُقاطعُ انهصار لقماتهم تحت أضراسهم القوية وتزعق بأعلى صوتٍ: يا جيران، هل تفضَّلتم بملء الشختورة بالماء؟ أنا جائع ولديّ امتحان.

ثم تصرخ بوجوههم شيئاً لن يفهموه، فقد طغى صوتها الفَظُّ على صوتك الجائع: هل يكفيكم الطعام؟ هل أقلي لكم المزيد من البيض؟

وقبل أن يسمع إجابة أولادها العمالقة استيقظ على صوت زوجته حياة وهي تسأله: ماذا تشتهي لطعام الفطور يا عدلي قبل أن تذهب للامتحان؟