لا أريد ان افسد فرحكم بالنصر

محمد الذهبي
2017 / 7 / 11

لا أريد أن افسد فرحكم بالنصر
محمد الذهبي
لاحياة للإنسان العادي في العراق، كن فناناً او شاعراً او سياسياً، او على الأقل غنيا وبأية طريقة، ولاتكن انسانا عاديا، عندما تكون فقيرا في العراق بغض النظر عن نزاهتك وشرفك فانت ميت لامحالة، اي منكم يستطيع ان يزور اي مستشفى ليطلع على حجم الخدمات المعدومة فيه، كل شيء مخرب، وكل شيء قابل للموت في المستشفيات الا الاطباء والجدران، المرضى والاوساخ والمشاجرات التي تحدث بين حين وآخر في ردهات الطوارىء على مرأى ومسمع من رجال الشرطة الذين لايحركون ساكنا، فعلا لا اريد ان افسد فرحكم بالنصر، لكن اي نصر يأتي في بلاد خاوية تسير عجلة الزمن فيها ببطء شديد، وبقدرة قادر فقط، حيث لا قانون ولا خدمات ولا اي شيء ممكن ان يبعث في روحك ان ثمة حياة ستعيشها وثمة من يهتم بك ولاتلقى على سرير متسخ كقطعة من النفايات، دخلت كثيرا الى ردهات الطوارىء، لكن مارأيته في طوارىء مستشفى الكندي هو الموت، وكنت اريد ان اهرب بجلدي ولا ارى مايوسخ نفسي وروحي، كل شيء قابل للموت ربما حتى الاطباء والجدران، ليس هناك اهتمام يذكر باي مريض، وليست هناك مهنية في التعامل مع الناس، الناس الذين هبطوا من كوكب آخر، فهم ايضا حفاة ومتسخون، اصوات النحيب والبكاء في كل مكان، والصيدلية مهمشة فلا احد يصل اليها، وجميع الادوية تصرف بورقة فقيرة متسخة هي الاخرى.
لا اريد ان افسد فرحكم بالنصر، فقد تلقتني امرأة في باب المستشفى لاتمتلك اجرة التكسي لتنقل زوجها العجوز الى منطقة المعامل بعد ان نصحها الاطباء باخراجه الى البيت فهو ميؤوس منه، اي نصر ايها الاخوة وجثث الشهداء وذووهم ينتظرون المقاولة الفاسدة التي ابرمها احدهم لتزويد المطار بالتوابيت الخشبية، لا يستطيع المقاول سوى تجهيز خمسين تابوتا يوميا، ولذا ترى طوابير أهالي الشهداء تصل الى حدود المطار، وهناك من يبحث عن واسطة ليتسلم جثة ابنه الشهيد، لا اريد ان افسد فرحكم بالنصر، ولكنها اوهام كبيرة تعيشونها ايها الاخوة في بلد لم يعرف النصر، لكنه دائما يغني للنصر، عندما تكون انسانا عاديا عليك ان تؤمن بالقدر والقدر فقط، ففيه منجاتك وموتك، لاسبيل الى سيارة اسعاف، ولاسبيل الى دواء مجاني، ولاسبيل الى معاينة طبية حقيقية، فالمستشفى مسلخ وهو دائرة وضعت لتسليم الجثث فقط، الجميع يتهامسون، يقف بجانبك وهو يردد لتسمعه، (اخذ مريضك للبيت احسن، تره اهنا يموتونه)، ثم يأتيك صوت من احد منتسبي المستشفى: ( اذا عندك فلوس اخذه للخاص)، تدور بك الدوائر والأهواء لتصحو على صوت مشاجرة عنيفة، أو عراضة خاطفة لرجال حفاة يلهثون، اتوا بجموع ليس لها مثيل، لقد تعرضوا لهجمة من عشيرة أخرى، الطوارىء امتلأت بالرجال المستعدين للقتال مع اي صوت يستهجن وجودهم، وهم يحتلون الردهة ترتجف شواربهم غيظا، فيكون هما مضافا الى همك، مهما يكن المريض عزيزا لديك، فانت تريد الهروب من هذا الجو القاتل بلا نصر ولا امنيات بغد افضل، في ساعة واحدة توفيت امرأتان في ردهة الطوارىء الخاصة بالنساء، وهناك المزيد في ردهة الرجال، وجوه عابسة تنتظر الخبر المؤكد في موت او فجيعة، ليس هناك اسعافات حتى اولية، فينقطع النفس تباعا امام طبيبة صغيرة في السن لاتدري ماذا تفعل، عندما تكون انسانا عاديا عليك ان تموت بصمت في العراق، تموت وحسب، وكل هذا والنصر نصركم على عصابات خلقتها الظروف السياسية والدول الاقليمية وشحناتكم الطائفية ولا ادري حتى على من تنتصرون في كل مرة، لا اريد ان افسد فرحكم بالنصر، فقد افسد فرحي بموت اختي بعد ان تم نقلها ليلا من طوارىء مستشفى الكندي الى طوارىء مدينة الطب.