حراك الريف من منظور زائر متعلق بالريف

امال الحسين
2017 / 7 / 10

نشأت علاقتي بالريف منذ اثنتي عشرة سنة، في 2005 خلال تضامني مع معتقلي انتفاضة الفلاحين بتماسينت من أجل الحق في السكن، تهدمت منازلهم جراء زلزال فبراير 2004 دون إسعافهم وتعويض خسائرهم، كانت تلك المرة الأولى التي أتعرف فيها على الريف، وفي 2008 وللمشاركة في تأطير نشاط ثقافي نظمته جمعية "كفوس غ فوس" بأيت بوعياش، وفي طريقي إلى الريف توقفت بإساكن، لزيارة عائلة فلاحة بإحدى القرى المعروفة بزراعة القنب الهندي، لأول مرة أتعرف فيها بنساء فلاحات يعملن بمزارع القنب الهندي، كان مجمل أحداث هاتين المحطتين مضمون مداخلتي في نشاط الجمعية، في العلاقة بين معاناة الفلاحين الفقراء ومافيا المخدرات بالريف وسوس.

شكلت هاتان المحطتان انطلاقة سفري بعيدا بالريف، 10 سنوات متواترة، جعلتني أتعلق بهذه المنطقة الهائلة أكثر فاكثر، إكتشفت خلالها أن الريف يختلف كثيرا عن باقي مناطق المغرب بتأثير ثقل تاريخه الكبير على الثورة بالمغرب، إنطلاقا من هذه النقطة تعلقت بالريف وشعبه الذي بحق لديه مميزات شعب، في كل زيارة من زياراتي لهذه المنطقة الرائعة تغتني ذاكرتي التاريخية وتتسع في اتجاه السفر في اتجاه أبعاد الثورة بالمغرب، إنه اكتشاف شعب يحمل بصمات تاريخ قائد ثورة عظيم : مولاي محند بن عبد الكريم الخطابي، رجل السياسة والحرب.

حدثان مهمان طبعا زياراتي للريف خلال السنة الماضية، الأول عند تضامني مع الفلاحين بتماسنت في يوم 24 يناير 2016 الذي تلاه زلزال اليوم الموالي بإمزورن حيث قضيت الليلة هناكن الذي أعادة لذاكرة الريفيين مأساة 2004، الثاني عند اغتيال الشهيد محسن فكري في تلك الليلة بعد زيارتي لإمزورن متجها إلى الحسيمة حيث قضيت ليلة 28 أكتوبر 2016 هناك، نشبت بعد هذين الحدثين الهائلين مظاهرات عارمة قادها شباب الحسيمة وإمزورن مع باقي البلدات المجاورة.

يعتبر حراك اليوم أطول حراك، كان موازيا لبلوكاج تشكيل الحكومة الأخيرة خلال أشهره الخمسة الأولى، مما أعطاه وقتا طويلا وفرصة ليتمدد ويتصلب ويحافظ على دينامية قوته، في الوقت الذي انخرطت فيه الأحزاب السياسية في جدال عقيم، وصراع مكشوف حول مصالحهم السياسية والإقتصادية، في هذه المدة استطاع الحراك أن يجدد الوعي الجمعي لسكان الريف ويوقظ الذاكرة التاريخية الجماعية المظلمة لديهم، هاتان الميزتان منحتا للحراك مناعة واندماجا نسبيا لمكوناته الداخلية المتناقضة، مما جعله يسير متقدما في اتجاه أفق الثورة بالمغرب.

اليوم، ينهض الريف في حراك شعبي، بالنسبة لمن لم تكن له علاقات بشعب الريف، لا يمكن له أن يفهم ما يجري هناك، في المدينة الكبيرة الحسيمة وعلى طول سلسلة المدن الصغيرة : أجدير، بويكدارن، إمزورن، أيت بوعياش، تامسينت .. وعلى امتداد قرى جبال الريف، تشكل جميعها منطقة آهلة بالسكان ومرتبطة بتاريخ الثورة ضد الإستعمار، وهذا المجال الجبلي قد عاش بالتدخل هذه الثورة مرتين خلال القرن 20، أحداث لازمتنا المعاناة والمجد قد خضبت الذاكرة التاريخية الجماعية للريف بالظلمة.

اليوم، حراك الريف تطور، وحصلت قفزة نوعية هناك، وهي انطلاقة في طريق الإستقلال الجديد، دائما يتم حجبه، أصبح اليوم واضحا، شباب الريف استثمر في التعليم والثقافة، أغلبهم طلبة ومعطلين، مرتبطون جدا بثورة الريف، يسعون في طريقهم إلى الهدف الثوري لقائد جمهورية الريف في أوسع تجلياته، حراكهم الآن جد متطور، لأول مرة تتظاهر النساء إلى جانب الرجال، ترافقهن على طول حياتهن ذاكرة تاريخ رمادية ثقيلة ببصمات تدخل الجيش الإسباني والمغربي في القرن 20، واليوم هن في الحراك يستيقظن، الشباب : رجال ونساء، مثقفون ثوريون، يعتبرون هذه الذاكرة نقطة سوداء لا يمكن أن تزول إلا بتحقيق ثورة التحرر.

الريفيون، من منظور الذاكرة التاريخية المظلمة التي يحملون، يجدون في الحراك وسيلة للتعبير عن مطالبهم، التعبير الذي يصل في بعض الأحيان حد إعلان الإستقلال، فيما يخص هذه المسالة، لقد تأسست تيارات حتى قبل هذا الحراك : الأمازيغ، الجمهوريون، الإسلاميون ... دون أن ننسى تدخل الأحزاب السياسية : البام، العدالة والتنمية، العدل والإحسان، وتيارات أخرى بسارية ثورية وراديكالية.

التدخلات القمعية الوحشية الأخيرة لآلة الحكم ضد الحراك قد عمقت التناقضات بين الريف والنظام، يكون صعبا على الحراك الرجوع إلى الخلف أمام العدد الهائل من المتابعات والإعتقالات والمحاكمات والإدانات، إستمرار الحراك ليست نتيجة عفوية، لكن، التأثيرات السياسية والتاريخية والديمغرافية هي السبب، أجيال جديدة، المتعلمون خاصة، يوجدون في مقدمة الحراك، ولا يتصورون ضياع هذه اللحظة التاريخية بين أيديهم التي فوتوها خلال انتفاضة 20 فبراير.

إن الإعتقالات والمتابعات ضد الحراك ثقيلة جدا، بلغ عددها حسب تصريحات بعض المتابعين للحراك إلى غاية 07 يوليوز 2017 : 239 متابعة و131 معتقلا، اللائحة دائمة مفتوحة، كل يوم يتم تنظيم مظاهرات جديدة تجابه بالقمع والإعتقالات والمتابعات والمحاكمات والإدانات.

هناك دائما من يحجب الحقيقة !

النظام اختار طريق القمع ضد الحراك، منع تصوير الفيديوهات والتقاط صور المظاهرات، كل من صور فيديو أو التقط صورة ونشر الأحداث تتم متابعته، آخر من تم استدعاؤه واستنطاقه من طرف شرطة إمزورن هو طفل في السادسة من عمره تم تصويره في فيديو الدعوة إلى مسيرة 07 يوليوز 2017.

مجمل هذه الشروط التاريخية والسياسية والديمقرافية مجتمعة تشكل قوة شعبية، يصعب تجاوز هذه القوة الآن، إنها واقفة في وجه قوة قمع الحكم، قوتان كبيرتان في صراع بالريف، قوة الحراك وقوة النظام.

إن علاقاتي الطويلة بالريف تسمح لي باستنتاج، وهو، أن هذه المنطقة تختلف كثيرا عن باقي مناطق المغرب، لم يندمج الريف مطلقا يوما في النظام القائم، عاش تاريخا مظلما أبعده عنه شيئا فشيئا بلا رجعة، بفعل مميزات الفيودالية التي طبعت النظام القائم وأبعدته شيئا فشيئا عن طريق الديمقراطية.

شعب ولد في حضن الثورة لا يمكن أن يندمج في نظام يعيش على امتداد بقايا الإقطاع، إنه شعب لا يمكن أن يعيش إلا في ظل دولة الحكم الذاتي الديمقراطية من أجل وضع حد للصراع التاريخي الذي تولد عنه حراك اليوم بالريف.