التآمر ، و ( نظرية المؤامرة )

محمد علي العامري
2017 / 7 / 10

التآمر و " نظرية المؤامرة "
محمد علي العامري
هناك الكثير من يعتقد بمسؤولية مؤسسات سرية تتحكم في شؤون العالم عن كل ما يحصل من كوارث وإضطرابات ، وبعضها يقيِّم كل ما يحدث لنا باعتباره ناتجاً عن تدبير أصابع خارجية شريرة. والبعض منها يعتقد (أن العرب والمسلمين وحدهم هم المستهدفون من المؤامرات التي تحاك ضدهم هم فقط وليس سواهم من الخارج )، ومنها من يعمم على أن هناك تآمر على كافة شعوب العالم . ولكن هناك أيضاً من يعتقد بأنه لا وجود لمثل هكذا تخريف وأوهام بل هو مجرد هوس ومرض بـ ( نظرية المؤامرة ) .
أولاً – المؤامرة
هي مخططات تحاك في السر تقوم بها جهات معينة سواء كانت دول أو أفراد هدفها إضعاف الخصم أو الإطاحة به ، والغاية منها تعزيز وتقوية تفوذ ومصالح الجهة المتآمرة . ودائماً تعتمد المؤامرة على تلفيق الأكاذيب بما هو معلن ، بحيث تكون النوايا الحقيقية للمخططات تحاك سرّاً وخلف الكواليس . ( في القانون الجنائي، تعد المؤامرة اتفاقاً بين اثنين أو أكثر لخرق القانون في المستقبل. ويلزم القانون الجنائي للمؤامرة في بعض الدول على الأقل فعلاً صريحاً يُبذل لتحقيق الاتفاقية، إذاناً لارتكاب الجريمة ) والمؤامرة تعتبر جريمة في الأعراف القانونية الخاصة والعامة .
ثانياً – نظرية المؤامرة
هي تقريباً مرض أو هوس نفسي يشعر به الفرد أو العقل الجمعي بأن كل شئ يحدث حوله من أحداث هامة تؤثر عليه أو على مجتمعه أو على بلده بشكل سئ أو سلبي ، هي مؤامرة ، عن طريق ربط تلك الأحداث وتحليلها بشكل يجعله يقتنع أن المؤامرة التي يفكر بها هي فعلاً صحيحة . والشعوب العربية والإسلامية هي الأكثر تطرفاً في إشاعة وترويج ( نظرية المؤامرة ) بل هم أكثر شعوب العالم قناعةً بأن كل العالم متآمر عليهم ، الى أن وصل بهم الحال بالعجز والشلل التام ، ولا خلاص من ما هم عليه من بؤس الحال إلاّ بإنتظار المعجزات السماوية الإلهية ، بإتكالهم على التعمق بالتعبد ( وكثرة الأدعية ليخسف الله أرض عدوهم ويفشل كل المؤامرات والمخططات ) .
أصبحت " نظرية المؤامرة " تُستخدم كأسلوب سهل ورخيص للنيل من كل مَن يحاول أن يكشف أو يتكلم عن ما يدور في بلدنا من أحداث جسام ساهمت بتدميره وأنهكت شعبه وأفقدته البوصلة التي ترشده الى مستقبله المنشود . وكلما حاولنا التفطن لقواعد اللعبة السياسية وقواعد التحكم في المنطقة ، تراهم ينهالون علينا بوابل من التهم أو الإتهامات ، وأبسطها بأننا مع " نظرية المؤامرة "
هم يتآمرون علينا ، والكل يعرف بأننا ضحايا هذا التآمر ، ولكن عندما نؤشر عليهم بأصابعنا ، يأتينا الجواب سريعاً بأننا مازلنا نؤمن " بنظرية المؤامرة " . ولهذا نرى أزلام الأنظمة العميلة والخائنة والفاسدة يلجأون دائماً الى " نظرية المؤامرة " مخرجاً وحلاّ سهلاً وناجحاً لتنويم وإسكات كل من يحاول التصدي لهم والكشف عن عمالتهم وإرتباطهم بهذه الدولة أو تلك ، ويصاحبها تجنيد كافة المنابر الإعلامية المرئية منها والمقروءة لتدس سمومها وتقلب المعادلة رأساً على عقب لتصبح الجماهير هي العميلة والمنفذة للأجندات الخارجية ، ونرى هناك من يصفق لهم ، وما أكثرهم .
" فالأحداث الكبرى والمصيرية قد " هيمن عليها الكاذبون الكبار " ، وهم من يدير الأحداث السياسية من وراء الكواليس " والتي تسمى " المؤامرات " . فنحن نعلم أن هناك حكومات فاسدة تسرق وتنهب وتقتل من أجل مصالحها ومصالح الدول التي جاءت بها ودعمتها، وكذلك أن القوى العظمى تتآمر للقضاء والاستيلاء على ثروات الدول الصغيرة والضعيفة والتحكم بمقدرات شعوبها ، ولكن إياك وإن تقول إنهم قد تآمروا علينا ، وإلاّ فأنت مع " نظرية المؤامرة ". إذاً ، كيف نعلل ونفسر ما يتعرض له العراق وشعبه من خراب ودمار ونهب وفساد وتجهيل وتخلف ، بل وأخطرها تخدير وتجفيف العقول لينتهي بتدمير المجتمع بكامله وتفكيك نسيجه الإجتماعي ؟ أيحدث هذا بشكل عفوي أم هناك مخطط ( تآمر ) ليكون العراق هكذا ؟
لقد نجحوا بإدخال العامل الديني ليكون عنصراً مهماً وخطيراً في المؤامرة لتخدير المجتمع وإستغفاله ليسهل عليهم السيطرة عليه والتحكم به كيفما يشاءون، فأقنعوا شعوبنا بأن كل ما هم عليه من رداءة الحال هو غضب إلهي ، وما على هذه الشعوب سوى الخضوع والإستسلام لمشيئة الله الذي سيرسل لهم من يخلّصهم إذا رضي عنهم . فماذا نسمي ذلك ؟ أليس هي المؤامرة بعينها ، بحيث أصبحنا نحن كشعب بلا حيلة بدون مجيئ هذا المخلّص أو المنقذ ، وما علينا إلاّ ألإنتظار، وأي محاولة للتغيير قبل ذلك سنفشل فيها بلا محال ، هكذا صارت القناعات ، وأي محاولة لتشخيص العلة والمسبب ستأتي الكفخة السريعة والقوية ألا وهي التهمة بـ " نظرية المؤامرة " .
وهناك من يحاول تزييف " نظرية المؤامرة " ويخلط الأوراق علينا ، ويعجن الحقيقة مع الأوهام لأرباكنا وعجزنا عن التوصل الى حقيقة ما يدور حولنا . حتى أصبحت نظريات المؤامرة تستولي على مساحة كبيرة من تفكير العرب، وتتحكم غالباً في نمط وطريقة حكمهم وتقييمهم للأحداث المهمة. صحيح أن الكثير من نظريات المؤامرة تقوم على " عدد من المغالطات المنطقية الشهيرة والمذكورة في كتب المنطق " ، ولكن لا يمكننا أن نلغي كلياً التآمر والمؤامرات التي تحاك بين دهاليز الدول الكبرى التي نجحت بشكل ملحوظ بسيطرتها على معظم منابع العلم والإقتصاد والإستخبارات والتجسس .
والعراق خير مثال على ذلك . فكيف ، ولماذا وصل به الحال من دمار وجهل وتخلف وإنحدار مخيف في التعليم والثقافة والعمل المنتج ؟ وهل كل ما مر به العراق وما يمر به اليوم جاء بمحض صدفة دون تخطيط ؟ أم الشعب العراقي يكره التحضر والتمدن والرقي ويساهم بتدمير نفسه ؟ أم جاء بسبب غضب السماء والآلهة كما تروج لها المؤسسات الدينية ؟
ثالثاً - مؤامرة من الداخل
وبكل بساطة نكشف أن ما حلّ بالعراق وشعبه من مآسي وكوارث متلاحقة ومتسلسلة جاء بسبب ما خطط له الحكام السابقون وأكمل عليه الحكام اللاحقون بفضل العامل الخارجي ( المتآمر ) ، فبدل ما كان يقال ( خير خلف لخير سلف ) أخذ العراقيون اليوم يرددون ( أسوأ خلف لأسوأ سلف ).
فهناك أجندة وبرامج مدروسة بدقة وبخبث جاءت بها معظم الأنظمة التي مرت على حكم العراق منذ عشرات السنين وليومنا هذا ، لتكون نتائجها كارثية ، عن طريق : -
1 – رسم سياسة فاشلة ومتعمدة للتعليم على كل المستويات والمراحل ، لينتج مجتمعاً مشوّه البنية وعقيماً في الإنتاج الفكري والثقافي والمعرفي .
2 – الإستمرار " بالحملة الإيمانية " لصاحبها المجرم صدام حسين ، لما لها من تأثير مخدر ، ناهيك عن التمكن من السيطرة على العقل الجمعي بحجة ما يطلق عليه ( الصحوة الإسلامية ) ليظهر لنا التدين الزائف ، والتباهي المخادع بـ ( الدفاع عن الدين والمذهب ) أو الحفاظ على الموروث من التقاليد القبلية والعادات التي عُجنت ببعضها لتصبح من العبادات والمقدسات .
3 – التعمد في خلق الأزمات وإستمراريتها ، بحيث أصبح الفرد العراقي يعيشها طوال عمره ، كأنها جزء من حياته اليومية وهو لا يعي بها بسبب تراكماتها وتعدد أشكالها وإطالة أمدها .
4 – الأبداع في خلق الأعداء ، سواء كانوا وهميين أم حقيقيين . فلابد من أن يكون هناك عدو لتخويفنا منه وإنشغالنا به طوال حياتنا . وحاولوا إيهام الشعب بأن هناك عدو يتربص به الدوائر والمصائب والمحن ، والحكومة مشغولة وحدها لإبعاد هذا الشبح ومحاربته ، وإياكم وان تشغلوها بأمور جانبية عن مهمتها الأساسية ، والاّ فإن الشعب هو المتآمر .
5 – التعمد في خلق إقتصاد مشوّه ريعي ليعيش البلد على أنبوب النفط لا غير ، وهذا لا يتم إلاّ بمحاربة وسائل الإنتاج وإضعاف الأيدي العاملة والمنتجة ، وإفراغ البلد من العقول المفكرة والمبدعة ، لتنتهي بتدمير المصانع والمعامل المنتجة ، وتدمير الزراعة بالسماح للصحراء أن تزحف وبالمياه أن تتلوث .
رابعاً - مؤامرة من الخارج
العامل الخارجي هو السند والمغذي للمتآمرين من الداخل ، والمستميت للدفاع عنهم وحمايتهم لما له من تأثير إيجابي في تحقيق مصالحه العابرة للقارات ، وإلاّ ماذا يعني قول الرئيس الأمريكي السابق أوباما : ( أي تغيير في طبيعة النظام بالعراق يهدد مصالحنا وأمننا ) وقد أكد الرئيس الحالي دونالد ترامب هذا الكلام .
ربّ سائل يسأل : كيف يهدد تغيير النظام بالعراق أمن الولايات المتحدة الأمريكية ؟! ولكن أليس من حق الشعب العراقي أن يسأل : من يهدد أمن العراق ؟ وما هي الأسباب التي جعلت العراق بما هو عليه اليوم من وضع مأساوي كارثي ينذر بمستقبل غير محمود ؟ ومن المسبب بإدخال العراق بهذا النفق المظلم ؟
وعندما نحاول الإجابة على هذه الإستفسارات والتساؤلات المشروعة ، ونؤشر بكامل أصابعنا ونتكلم بكامل ألسنتنا على أن هناك تآمر واضح وصريح ، تنهال علينا اللعنات والشتائم والإتهامات بأننا مازلنا مع ( نظرية المؤامرة ) . والأنكى من ذلك تأتيك اللعنات من المقربين اليك من المثقفين والكتاب والمحللين في الشأن السياسي ومن الذين يتباكون على الوطن والشعب { بكرةً وأصيلا } لقد وقعوا بالمصيدة والفخ التي تسمى نظرية المؤامرة .
فهل هناك أقذر من هذه المؤامرة ، بأنك متهم بـ ( نظرية المؤامرة ) ؟؟ لانها تتآمر على وعي الانسان السليم بتشويهه ‏وتعطيل إرادته وإضعاف قدراته واجباره على انتظار المهدي او المسيح لينقذه !، كما انها تآمر على حرية الانسان ‏وكرامته وإنسانية ومصيره ، وجعله مطوق بكماشة من اليأس والتخلف والجهل الى الحد الذي إقتنع بأن منال الحرية وتطبيق العدالة بعيدا وحلما اسطوريا، لأن من أبرز نتائج ترويج نظرية المؤامرة وتشبع المجتمع بها تكمن بإستعباد الانسان وتسييره بلا عقل ولا إرادة .
المصادر :
1 – ويكيبيديا الموسوعة الحرة
2 – مجلة روز اليوسف ، 29 حزيران 2017
2 – ذهينة التحريم ، صادق جلال العظم

محمد علي العامري
28 حزيران 2017
Facebook : Mohammad Alamiri