ساديو و مازوخيو سوريا

مازن كم الماز
2017 / 7 / 9

في 120 يوم من سودوم , أطلق دي ساد العنان لخياله في رسم صورة "لا معقولة" "متطرفة جدا" في السعي وراء الشهوة حيث الألم و الرعب و الجنون و الموت ذروة المتعة .. لا يحتفظ السجل الجنائي "للماركيز" دي ساد في الواقع إلا ببعض "الجرائم" "الجنسية" , كان أغلبها محاولة لتسميم بعض العاهرات بمواد تقوي الشهوة أو التحرش بهن .. كانت "شذوذات" دي ساد "طبيعية جدا" بين النبلاء الفرنسيين في القرن الثامن عشر , لكن دي ساد وحده , تقريبا , من عوقب بسبب "شذوذه" , كان أحد النبلاء القلائل الذين تحولوا إلى جمهوريين و ملحدين متطرفين و دفعوا ثمن ذلك باهظا جدا .. بين جدران الباستيل أطلق دي ساد العنان لخياله في بحث جريء لا يعترف بأية قيود , سعيا وراء اللذة , لكن أيضا بحثا عن معنى ما للحياة الإنسانية , خارج كل ما هو سائد , بل في مواجهة كل ما هو سائد .. لا أعرف حقيقة الدافع الذي استفز دي ساد : هل كانت جدران الباستيل أم الشهوة المكبوتة خلف تلك القضبان أم الحياة الرتيبة هناك أم حياته المترفة القصيرة في القصور , الرتيبة أيضا .. الغريب أن خيالات دي ساد في 120 يوم من سودوم ليست أسوأ من خيالات محمد أو بول عن التعذيب الجماعي لآلاف مؤلفة من البشر فيما سموه بالجحيم , عقابا لتلك الآلاف على عدم إيمانها بآلهتهم , بهم .. لكن جلادي و قتلة دي ساد في 120 يوم من سودوم يختلفون تماما عن قتلة و جلادي محمد و بول في جحيمهم .. لا يأتمر قتلة دي ساد بأمر أحد و لا يطيعون أحدا إلا أجسادهم و شهواتهم و خيالهم , إنهم سادة , نبلاء , او حتى آلهة .. ليس قتلة و جلادو محمد و بول إلا مرتزقة عند الإله الغاضب السادي الذي يملك الحق في تعذيب من يشاء و ذبح من يشاء , وحده لا شريك له .. إننا أمام أدوات تافهة , تسرق لذتها عندما تقتل و تعذب و تغتصب لصالح السادة الفعليين .... بينما يعذب نبلاء دي ساد ضحاياهم و يغتصبوهم فإنهم يصرخون من اللذة , أما جلادو محمد و بول فهم مخصيين ( بالمعنى الجنسي و ليس الذكوري ) .. لكن هذا يجب ألا يخدع أحد , لقد ساهم فرويد في تعرية المصدر الجنسي لكل الغضب و الاكتئاب الذي عانى منه محمد و بول و من يسير على خطاهم .. مع ذلك تبقى متعة القتلة الساديين الذين يتسترون وراء إله محمد أو بول ناقصة إن لم تكن مزيفة .. بينما يمارس قتلة دي ساد الجنس بأعنف أشكاله , فإن قتلة إله محمد و بول يستمنون , يمارسون العادة السرية , بأعنف أشكالها الممكنة .. رغم كل أهوال الحرب السورية و رغم الجرائم الاستثنائية في همجيتها التي ارتكبها شبيحة النظام أو مجاهدونا , ما نزال نبحث في سوريا عن مجرم حقيقي , قاتل حقيقي , سادي حقيقي .. يعذب الشبيح و يقتل , و أخونا المجاهد , لأنه مأمور بذلك .. يعطونه سوطا و ضحية و يأمرونه بأن يعذب و يغتصب و يقتل , و بدلا من صرخات اللذة المجنونة في لحظات الذورة تلك تسمع منهم صرخات تلهج بالثناء على إلههم أو زعيمهم الأكبر .. ما زال البحث في سوريا جار عن قتلة حقيقيين , مجرمين حقيقيين , يجرؤون على أن يقتلوا لأنهم يريدون ذلك , فقط .. حتى بشار و أمراء مجاهدينا ليسوا أكثر من مازوخيين يتسترون بقناع سادي , يسعون جميعا وراء كرسي السلطة , الأشبه بخازوق كبير .. السادية لا تورث كما يورث كرسي السلطة , و أن تستعبد عبيدا عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم أو عن التفكير بحرية أو حتى استخدام خيالهم بحرية يختلف تماما عن أن تستعبد أحرارا مستعدين للدفاع عن حريتهم حتى الموت , و أن تقتل شخصا أعزل من السلاح يختلف تماما عن قتل شخص مدجج بالسلاح و مستعد للقتال حتى النهاية .. ليس في الحرب السورية إلا أدوات تافهة , مازوخيين يمارسون سادية أسيادهم .. أخيرا , أنا ضد أية مبادرة للسلام في سوريا , أنا مع أن يستمر المتحاربون بقتل بعضهم البعض و بالانتحار طالما أرادوا ذلك .. هذه هي الحرية التي أريدها , لي و للآخرين , أليست هذه هي الحرية ؟ .. أما التافهون الذين ينتظرون أن يحين دورهم عندما يقرر السادة أو الكبار إنهاء المجزرة فلينتظروا الفتات عندما تشبع الغيلان ... أما بالنسبة للحرية , فيمكننا أن نبدأ بتحرير الخيال مثلا , كما حلم السورياليون ..