الغسيل القذر

سامي عبد العال
2017 / 7 / 8

ذات مرة قال محمد أركون: في العالم كله تحدث الثورات لأجل المستقبل إلاَّ المجتمعات العربية تعود بثوراتها إلى الخلف... إلى الماضي!! هذا ما حدث أثناء الربيع العربي وبعده إذ دفع رُكام التخلف والأوهام طافياً على السطح. وأصبح معياراً لما يجري من أحداث. فالجماعات الارهابية جرجروا عربات السياسة نحو أحلام الخلافة وتطبيق الشريعة وممارسة الوصاية واحلال الفوضى وإرجاع هياكل السلاطين والأمراء.

وبجوارها دبرت ممالك الصحراء وأنظمتها المؤامرات ودفعت العواصف الثورية بعيداً عنها حينما قامت برعاية السلفيات المحافظة. وهي ما تتبنى عودة التاريخ إلى عصور بائدة. بينما راقبت الأنظمة العسكرية الأوضاع للانقضاض على السلطة وإفشال الحياة السياسية المدنية وتكميم الأفواه وتدعيم حكم الفرد المطلق.

أما الشعوب فقد انهمكت في أعمال وسلوكيات بوهيمية تقتات على فتات الموائد والتسول وانتظار رحمات السادة والاغنياء. ونالها إحباط ما بعده إحباط من أية تغييرات. وبخاصة أن لافتات الكرامة والعدالة لم تجن من ورائها إلا الخيبة. هذه أبرز محصلة الحراك العربي، وهي ليست محصلة سهلة لكنها أظهرت طبيعة المجتمعات وتراثها السياسي. ومازلنا ومازالت الأنظمة مع تقلُب الوجوه تدور في هذا الفلك التاريخي.

ولنلاحظ أنَّ السياسة تكرر ألاعيبها بأكثر من طريقةٍ. طريقة أعمق خفاءً وتلكم يصعب الوصول إليها( ما يحدث تحت الأرض). وأخرى أكثر هزلاً وسخرية عندما يعمل السياسيون في وضح النهار. بدا ذلك التكرار ساذجاً عندما ظهرت أوراق اللعب- بشقيها - أمام العالم بصدد التدخل في شؤون الدول العربية وأنظمتها. وأخيراً جاء الوقت للاعتراف وتبادل الاتهامات فيما يخص رعاية الإرهاب ودعمه. تلك التي كانت أسراراً محرمة على أن تقولها أنظمة مثل قطر أو السعودية أو مصر. فإذا كانت الأولى متهمة رئيسة، فإنَّ هناك أصواتاً غربية( انجليزية وأمريكية ) ابرزت دور السعودية في انتاج التطرف بواسطة الوهابية والابقاء على مناهج التعليم الديني التقليدي وتكريس حكم الكهانة والفتاوى السياسية الدينية.

بعد هذه السنوات يبدو أنَّ الربيع العربي قد مر فوق مجتمعاته بمقولات عامة حول العدالة والحرية والديمقراطية ثم أخذ يطفح - كالصرف الصحي - بالاحتيالات والعمالة والتواطؤ على الملأ. الآن هو يكشف الخبيء، يعري المسكوت عنه، يستحضر المنسي. ليضع الدول والممالك التي كانت تتحاشاه في مقدمة العرض الوقح... الآن يمارس الربيع مسرحاً فضائحياً بامتياز!!

وتلك ظاهرة إيجابية على وجه الإجمال. لأنَّ معرفة النكوص والتراجع يعني فضح السياسات القذرة -dir-ty politics التي هدفت إلى افشال إرادة الشعوب في التحرر. ومعرفة كيف بُثت الأوهام بتوظيف التظاهرات والشخصيات لصالح تنظيمات دينية كما جرى مع إخوان مصر ونهضة تونس ومعارضة سوريا؟ وكيف تمَّ الاستيلاء على السلطة ومداهنة الشعوب لإعادة تدجينها وافقارها وتجويعها؟!

إذن الجديد في الخلف- بعبارة أركون- هو نشر الغسيل القذر -dir-ty laundryعلى الملأ بين الدول المتواطئة أثناء تأجيج الربيع العربي. وفتح الصناديق السوداء في أكثر من حالة. لمعرفة ماذا كان يجري وما هي ردود الأفعال هنا أو هناك؟ بمعنى نحن الآن في أتون الافتضاح الذي يفتح ملفات الغرف المغلقة. والخاصة بالتحالف لإفشال الثورات سواء بشكل إيجابي أم سلبي. والدول العربية – بخاصة الصحراوية البدوية- تجلس الآن على كرسي الاعتراف إذا تصورنا الأمر كذلك. حيث تعترف إحداها عن الأخرى ويكمل الغرب المهمة. أي أن التعرية تتم من كل طرف للطرف التالي المتواطئ معه من قبل. وربما ذلك أكثر جوانب غسيل الربيع القذر فائدةً لتطهير الوعي بالمشكلات. من أين أتت وكيف تطورت ومن يتدخل لإفشال الحلول ومن يقف في وجه التطور والنمو للمجتمعات العربية؟
والقارئ يعلم تماماً عن أية دول أتحدث: لأنَّ ثمة محورين انقسم إليهما المشهد تباعاً.

1- محور الخوف: وهي أنظمة مثل السعودية ومصر والبحرين والإمارات. تخاف من بقايا الربيع إلى درجة الرعب. لأنَّها ربما تطال ممارسات سلطاتها الحاكمة. والفكرة تمثل هاجساً يومياً بعنوان( يكاد المريب أنْ يقول خذوني)، ( اللي على رأسه بطحة يحسس عليها). وهو محور يلعب على الجانبين. يزعم ممثلوه انتصاراً لقيم الثورات وللحراك الشعبي والتطورات الجارية في المناطق العربية. غير أنهم يحاربون تصورات الربيع وأشباحه في غسق الليل مخافة أنْ تحرقهم نيرانه المرتبطة بإرادة الشباب الثائر أمام هوياته المتكلسة.
فدول العائلات المالكة أنفقت أموالاً طائلة لتهدئة الأوضاع واشعار رعاياها بأنَّهم في محل تعويض عن أي عمل سياسي لا تُحمد عقباه. ذلك كنوع من شراء الربيع المتخيل. كما أنها ضربت شراع سياساتها الداخلية للإمام. أي حاولت – على سبيل المثال- سعودّة الوظائف واتاحة المجال للشباب وتغيير الوجوه القديمة. ولم تنس تمتين الطبقة الفولاذية من الفتاوى والخطابات الدينية التي تجرم الخروج على النظام وإثارة الفتن!!

كل ذلك لتعطيل إرادة التغيير الحقيقية من جانب القاعدة الشعبية العريضة. وأغلب دول الخليج قامت بما يشابه هذه الإجراءات تقريباً. في مسعى لامتصاص الغضب الكامن تحت الرماد. كما أنَّها تعتبر تمثيلاً وهمياً على مخيلة الشعوب بأن الأنظمة الحاكمة ستكون لدى حسن الظن والتوقُع. والمقصود من ذلك المراوغة وتفويت الوقت على الشعوب للانعتاق. وتلك الدول تدرك أنَّ الفرصة السانحة لن تكون قريبة مرة ثانية في الأفق المنظور. وعلى غرار تكوين الأنظمة المالكة – بطريقة الغنيمة بعد القبيلة طبقاً لمصطلحات عابد الجابري- ستجري إدارة المشهد العام.

والمدهش أنَّ دول العائلات المالكة تضامنت فيما بينها لعدم الاخلال بوضعها الداخلي. ولإثبات أنَّ انظمتها هي الأقوى في مواجهة الجمهوريات العربية. ولا يخلو الموضوع من رفض ضمني للديمقراطية وتداول السلطة أو حتى توسيع قاعدة المشاركة فيها. وكانت كلما سقط نظام حاكم يناور اعلامها للتأكيد على أن الممالك أكثر استقراراً ورغدا من الجمهوريات. ولم تدرك أن ذلك دليل على الموت السياسي وليس الحياة. وأن الربيع كما مر بالجمهوريات سيمر ولو بشكل فاضح بالممالك والإمارات.

أما مصر وتونس فقد تم حرق محطات الثورة الواحدة تلو الأخرى وصولاً إلى كون اللاحق الزمن أفضل من السابق. والنغمة الضمنية هو إلقاء كل تهم الفساد والتخلف والديكتاتورية على نظاميها السابقين. كما لو كانت تلك آلية للتملص من المشكلات واعتبار أن الوضع الراهن أفضل بدرجة أو بأخرى. ورغم أن النظامين المشار إليهما ليسا أبعد من نسختين مشوهتين على الصعيد الديمقراطي إلاَّ أنهما يزهيان بإصلاحات وهمية مازالت تراوح مكانها. ولذلك توجد حركة داخلية كما في نظام مصر الحالي لتبرئة نظام مبارك وقد كان له ذلك. في محاولة لتبادل الأعذار مروراً بالوعي الشعبي مقابل كراهية نظام الإخوان. فالإخوان تم اعتبارهم منشفاً لمسح كل أخطاء التاريخ القريب للاستبداد واحتكار السلطة.

والمعنى وراء ذلك أَّن عدو عدوي صديقي. لكن الصداقة تجاوزت كل الحدود لتصبح تحالفاً قوياً لمحاربة جماعة الإخوان وملحقاتها. والأدهى أن تصبح تلك الجماعة كرتا أخضر للتصرف في شؤون الدولة كما تشاء السلطة الحاكمة. وأنَّ تكون كذلك تهمة لمن يعترض على السياسات وتضييق الخناف على المعارضين ومنعهم من ممارسة حقهم في المجال العام. لدرجة أنه لا توجد حياة سياسية بمعناها الحقيقي في مصر ولن تكون في المنظور العاجل. والأخطر أنَّ المعارضة لا تجد بديلاً عن الشتائم ليس أكثر. لأنَّ النظام لا يفسح لهم مكاناً معترفاً به ولا هم يعرفون كيف يمارسون أدوارهم الفاعلة. حتى بات النظام السياسي المصري بلا معارضة حقيقية. وهنا الخطورة لأن نظاماً لا يسمح بانتقاده ومراقبته لن يكون مستقبله بأقل من مستقبل الأنظمة الساقطة.

2- محور التخويف والتوظيف: تشكله الدول التي استعملت الربيع – مثل دول الغرب ووكلائها كقطر والسعودية وتركيا- لابتزاز الأنظمة ما بين اسقاط بعضها واستحلاب الاخرى.

لقد كشفت إحدى وثائق "ويكيليس" أنَّ قطر استخدمت قنوات الجزيرة للضغط على خصومها. وكانت تحاول مساندة الإخوان كمخلب قط لمواجهة الأنظمة التي تعاديها. وذكرت ذات الوثيقة أنَّ أمير قطر أرسل لمبارك: أنه على استعداد لكف الجزيرة عن نظامه شريطة تغيير موقفه من حماس وتجنب العلاقات مع حكومة الضفة الغربية!!

إذن ليست القضية استقال الاعلام ولا الرأي والرأي الآخر ولا قضايا الإنسان. بل كثف نظام قطر جهوده لاستغلال جماعات العنف لتصفية حسابات إقليمية والبحث عن دور أكبر وسط الفوضى. أما الهدف البعيد هو إفشال دورات الربيع العربي على أن تنال من ساحة النظام القطري. أي لابد من الدخول في اللعبة واستثمار أحلام الشباب في قبورها المحلية بأقل الخسائر خارج الأرض. وكأنَّ هذا النظام يفكر بالطريقة التالية: أن تربية الوحش (الجماعات الإسلامية) يمكننا من ترويضه. وابعاده قدر الإمكان من حدودنا. ولم يفكر للحظة أن المياه المرتفعة سرعان ما تنحسر لتكشف مقدار الأوحال في القاع!!

وسلكت الوهابية السياسية نفس الطريق. ففضلاً عن تصديرها للإرهابيين إلى مناطق الصراع. فقد أمدت أتباعها بالأموال والعتاد البشري والعتاد الفقهي من كتيبات الفتوى ونصوص الدم. وتدخلت في ليبيا بتدعيم أنصار الشريعة وتوفير الأسلحة لأفرادها. ورعت عناصر السلفية التقليدية في مصر. وزجت بهم في أتون السياسة تحت قباب الحداثة مثل البرلمان والمؤسسات الإعلامية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني. وفي وقت من الأوقات دفعت الوهابية بمرشح لرئاسة مصر وكان أهم ما في برنامجه الانتخابي: الوصول إلى اربع مليون لحية في فترة رئاسته الأولى لو نحج في الانتخابات!!

أيضاً دخلت الوهابية مجال الاعلام بنفس الخفة الفكرية. فأفرزت قنوات تروج للتسلية الرخيصة وثقافة الإلهاء التي تعمي العقل وتغيبه. وكان كلما اشتدت الثورات الربيعية اشتدت معها موجات الوهابية الترفيهية لخطف الأنظار. وهي ترفيهية هابطة في العري والميوعة والفنون الرخيصة باستغلال الغرائز والعواطف لدى المراهقين والمراهقات. ويبدو اعلام الوهابية- وبخاصة خارج أرضها- هو الوجه المقلوب للإرهاب الذي تؤسسه لدى التكفيريين.

المحوران السابقان ضد فكرة ربيع الحرية الحقيقية. التقي( الخوف والتخويف) ليصنعا صراعات نعيشها حالياً. وعلى طول الخط يؤدي المحوران إلى حجب الواقع عن طريق إدخال قواه في أنفاق جانبية. المهم ألاَّ تتحرر الشعوب من العبودية التي رزحت تحتها لسنوات وسنوات. وألاَّ تشب أجيال التكنولوجيا عن الطوق وألاَّ تطالب بحقها الأصلي في حياة منفتحة.

اختصاراً فإنَّ الغسيل القذر يعتبر مرحلة مهمة في عمر الثورات كالشيخوخة المبكرة. لأنَّ صوراً براقة لابد أنْ تخفي قبحاً يصل إلى حد الضرورة. وهو ما يجعل التاريخ ممكناً في تفاصيله ومجرياته. ويمثل السبب الكافي للمراجعة والنقد لتفكيك المفاهيم والممارسات.