النصر للأسرى الفلسطينيين

عبله عبدالرحمن
2017 / 7 / 8

هذا الصباح كان مميزا بكسر الروتين، من دون ان تخطرني تسميته بأنه يوم غير عادي. منحت نفسي متعة التجوال بحثا عن اشياء غير متوقعة. زرت فيه وسط عمان املا بصرف وقت جميل بالهواء الطلق واكتساب بهجة ضياء الشمس مع حكايات تشهدها عراقة الماضي بعيون حاضرة. امضيت قرابة الساعة في مطعم هاشم اتفرس في الزحمة ولا اصدق بأن مثل هذا العدد من الناس يشاركني قرار الفطور خارج المنزل. هل تراني اضعت الشعور بالتغيير حين فقدت تمييز الامتنان لشدة الزحام الذي يشهده المطعم، شعرت وكأنني في مستشفى حكومي الغالبية منا اخذت تدور برأسه الرغبة باللجوء الى الواسطة من اجل الحصول على دور قريب في تقديم الطلبات والمقعد المناسب.
لا ادري ان كان ما قمت به وقام به غيري نوع من تمضية الوقت وادعاء السرور في واقع يجبرك على التجهم والكآبة. ولا ادري ايضا ان كانت الحياة قادرة على استعادة بهجتها لبعض الوقت بأعيننا ونمارس واجبات يومية عادية في واقع غير عادي. هل نستطيع ان نصد اذاننا عن سماع الصرخات واستغاثة النجاة من كل حدب وصوب. على يقين بأننا سنفشل في ابعاد شبح التفكير في رعب الجدران والاسوار ودموع الامهات اللواتي يعتصمن مع اولادهن الأسرى في خيم الاعتصام وهن يتوسلن الضمائر الحية لانقاذ ابطالنا في معركة الامعاء الخاوية والوقوف الى جانبهم في قضيتهم العادلة.
وعلى يقين ايضا بأننا نحمل وزر كثير من الضحايا التي ازهقت ارواحها بلا سبب من قاتلها. اسأل نفسي متى كان ذلك الزمن الذهبي النبيل الذي تحدث عنه الشاعر المصري امل دنقل وهو يقول؟: "كانت الخيل برية تتنفس حرية مثلما يتنفسها الناس في ذلك الزمن الذهبي النبيل".
قضايا الاسرى من اكثر القضايا الحية التي اتعاطف معها امام سيل القضايا التي تدور من حولنا والتي لا تقل وجعا عن بعضها في حجم التداعيات التي قد تطال صمود الجبال. لا اظنني انسى المكالمة التلفونية التي كانت السبيل لانقاذي من رتابة الملل الذي كان يحيق بي، حتى افتح الباب ولا ابقى عند عتبته. لم يكن عاديا سماع صوته الجميل وهو يخترق الجدران والاسوار ويدخل قلوبنا بأناقة، ولم يكن يوما عاديا حين حكم بخمس مؤبدات في سجون الاحتلال، ووقف شامخا بأبتسامته دون ان ينال الحكم من عزيمته. صوته القادم من غياهب السجن جاء يحمل الامل والثقة بالنصر. صوتا لم يتلون بالكذب والزيف، لم يعرف الاستجداء والخنوع، لسانه لا يقول الا الصدق، قلبه سليم من الحسد والحقد، تعلّم ان يعطي ومتى يعطي.
وبالرغم من انه في هذا العام سيتم ثلاثة عقود في سجون الاحتلال وقد تعلم الوقوف عند الباب منذ عامين مضوا ووقفنا معه انتظارا بخروجه بحسب مواثيق تقر بأن اقصى مدة للسجين يجب الا تزيد عن الثلاثين اقول: بأنه ما زال قادرا على منح الحياة رغم صوت السلاسل التي تحاصر اقدامه وما زالت وأن المدة الطويلة التي امضاها بالسجن لم تقلل من عزيمته التي مازالت قدوة لكل من حوله.
وسط عمان يعني المؤرخ عبدالرحمن منيف وهو يقص القصص البديعة عن سحر المكان واسطورة من مروا من هناك. يعني الجامع الحسيني وارتباطه بنداءات الحرية. يعني كشك الثقافة العربية واستعراض الكتب القديمة والجديدة والاطمئنان على صحة صديق المثقفين ابو علي وهو يحاور ويقدم رأيه بالكتب التي تتصدر واجهة عمان بكل عراقتها.
وسط عمان يعني المدرج الروماني والمناسبات الثقافية التي تقام على مسرحه. يعني المتحف الذي يحوي على كنوز تراثية. بالمتحف تأملت في الفسيفساء وبعض الحلي والاثواب التي كانت تشهد على حقبة تثبت جدارة الانسان بالحياة. لفتني هناك عدد من الاثواب التي كانت تتزين بها نساء رام الله وغزة وبئر السبع وبيت دجن وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية، لكن صدمت وانا ابحث عن المدن والقرى الاردنية التي لم تكن حاضرة في كرنفال الازياء بالمتحف الاردني.
خبرا جميلا حين علق الاسرى اضرابهم بالاستجابة الى مطالبهم التي منحتهم اياها كافة القوانين الدولية مثل: منع سياسة العزل الانفرادي،والاعتقال الاداري والاهمال الطبي وتحسين شروط الزيارات العائلية وتوفير هاتف عمومي لغرض التواصل مع الاهل.
الخبر المنتظر حين يتمتع جميع الاسرى بالحرية ويعيشون حياة طبيعية.