تنظيم ( الجزيرة ) الاسلامية

سامي عبد العال
2017 / 7 / 5

مع غبار معركة الخليج بين( نظام قطر وجيرانه ) صعدت إلى السماء عبارات أنَّ الفضائيات العربية منابر إعلامية حرة. وأنَّه لا ينبغي( ولا يحق، ولا يصح، ولا يُتاح، ولا يتَّعين ولا يُمكن، ولا يُفترض، ولا يُحتمل ولا يُقترب ولا يَتّأتى ولا يَتَّسنى ) اغلاقُّها مُطلقاً.... وبخاصة قناة الجزيرة. فهي قناة تكفل لنفسها ممارسة الحقوق الدولية لحرية التعبير ونشر الوعي والدفاع عن قضايا الإنسان. وكم أطلق أصحابُها الزفرات تلو الزفرات بأنَّها إعلامٌ له قيمته الكونية التي ربما يسقط العالم من دونها في حمأة الخطايا والرذائل!!

" داحس والغبراء "، " الأوس والخزرج "... مراتٌ ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وليست بالأخيرة... بين خيول قطر الظلامية فضائياً وبين خيول الرمال المتحركة. الجميع خاسر... خاسر في النهاية. لأنَّ القضايا العربية الراهنة إفراز لواقع عفن وتاريخ أكثر نضوباً من الإنسانية والتقدم. كلُّ طرف مُصر على موقفه القبائلي الكؤود. والذي يراه موقفاً مصيرياً خارج التقارب أو التفاهم إلاَّ بتنازل الطرف الآخر.

أربعون عاماً تالية يبدو أننا سننتظرها حتى يعرف اعلام الجزيرة أنه إرهابي بالحد الجهادي العنيف وحتى تدرك دول الجوار وسواها أنَّهم أضاعوا أجيالاً وأجيالاً بسبب التخلف وانفاق الثروات لاستنزاف الفكر وقتل المستقبل. وليس أمامهم سوى اهالة التراب على الفضاء الحر والإبداع الخطابي المفترض مع تكنولوجيا الاعلام والتواصل المفتوح على مصراعيه. وبدلاً من دخوله من باب الاسهام الحضاري القوا بأنفسهم من مؤخرته بجوار نفايات القبائل النافقة والمندثرة.

إنَّها معركة ستذهب- بالطبع - للتساؤل حول الخاسر والكاسب. وكأنَّها صراع حقيقيٌ... وكأنَّها معنيّةٌ بالتطور والتنمية وبناء الإنسان. هكذا فإنَّ أوقح ما سيظهره الصراع الدائر هو توقُع النتائج. بمعنى أنَّ المتابعين سيتوقعون نتيجة ما عما قريب. وبالتالي ستكون النتيجة دليلاً على الصواب والخطأ ومعياراً لرؤية الأوضاع من منظور بعينه. كما أنَّ النتيجة ستجري كما لو كانت دواء شافياً لكل أمراض السياسة والاقتصاد والمعرفة. بينما الجميع متورطون في التخلف. وستفرز معاركهم مزيداً من الأوهام حول محاربة الإرهاب والتطرف. لأنه بضربات اعلامية بين الشركاء( بين العملاء) ستنتهي المشاكل بين يوم وليلة. وهم الذين أنتجوه وأفرزوه ومولوه وما زالوا... ( كلنا لصوص يا عزيزي). سواء بشكل متعمد أم بالاستبداد والديكتاتورية ونغمة الحكم الفرد المؤلَّه.

هنا يقابلنا سؤال مفصلي: هل قناة الجزيرة قناة إعلامية فعلاً؟! هذا السؤال ليس تشكيكاً فيما يراه المشاهد ويعتقده. وبخاصة إنْ كان ذلك قبل ( كائن غريب ) اسمه الربيع العربي وبعده. ولا حتى نقد لما تقدمه قناة حازت يوماً أعلى نسب المتابعة. لكن لأنَّ القضية الأعمق هنا تلقي الضوء على تدمير طاقات العقل العربي. وكيف يُفشل مشروعاته البارزة بيده( دمر نفسك بنفسك).

ألم تكن قناة الجزيرة قبل انكشافها مشروعاً طموحاً؟ أليست فكرة مضيئة عرَّت – في بدايتها – وقائع الاستبداد وانحطاط الساسة والفقر الاقتصادي الاجتماعي ؟ وهو ما اعطاها شهرة واسعة وتصديقاً مجانياً. بالاستناد إلى أرصدة القهر والذل والحساسيات الطائفية والمذهبية والفئوية داخل مجتمعات العرب. كيف يُفْرغ مشروعٌ كهذا باطنه القميء ويخرج فيروساته المتواصلة؟...هذه الدالة على سوءات عقل مؤسسيها كجزء من عقل تاريخي قاتل وليس متآمراً على نفسه فقط. والأهم أنَّه يرسخ عداءً للإنسان ويشحن جراب الحواة ويحيل الواقع إلى برك من الدماء والجثث.

قضية الجزيرة ليست خطأً غيرَ مقصودٍ وقع فيه الإعلام ويكفيه اعتذارٌ عنه. كأنَّها مظهر زائل لشيء أصيل سرعان ما يعود إلى طبيعته لو كان ثمة مُناخٌ صحي. القضية جزء من جسم تراثي ضخم عنوانه: كيف نفكر كعرب وكيف نتواصل وكيف نصوغ أفكارنا واتجاهاتنا؟ وبأية معانٍ نعبر عن أنفسنا إزاء الإنسانية ؟ وما الذي أتاح لخطاب الاعلام أن يهدر جوهر الاعلام ( التعبير الحر )؟ وكيف يتحول إلى أيديولوجيا للكراهية والتعصب والتحارب؟!

فليس هذا العقل العربي " بهيمة حمقاء" تتغذى على كتب التراث الصفراء ولا على الانقياد وراء الذقون المحناة والعمائم الارهابية فقط. بل يضمر طاقات تدميرية – بعبارة إيرك فروم- ترجع إلى نزوع حامليه نحو التطرف وصناعة الوعي الزائف واعادة إنتاج التخلف ومباشرة التضليل والجري وراء الهلوسات السياسية والدينية وانفاق مساحات الفضاء في القيل والقال ومضغ توافه الأمور ومحاربة طواحين الهواء. تماماً ذلك ما تنطوي عليه جماعات الاسلام السياسي. التي أحالت الدين إلى أشكال وذقون وفتاوى الحيض والنفاس وتقصير الجلباب والكف عن قتل الذباب والناموس ودخول الحمام وارضاع الكبير وجهاد النكاح وحلق شعر العانة!!

بجانب ذلك الاستخفاف تجد الفراغ الحضاري للإسلاميين قد أمسى تطرفاً وقتلاً وجهاداً دموياً باسم الله. كل تخلف له أبنية متحولة تمتلئ بنقيض التطور آخذة طريقها نحو الهاوية.

لقد فاتت مرحلة الاعتقاد بأنَّ العقل العربي مجرد ألة منحرفة عن مسارها. الأن يعلن أنه يتقيأ قيحاً عبر الشاشات والإعلام وتكنولوجيا التواصل وبرامج الحوارات ومنصات السياسة واجتماعات الاشقاء والأعداء والأحلاف.

هذا هو السبب في أن الجزيرة أهم ضحايا نظام دولتها الراعية للإرهاب. وضحية أيضاً لأعدائها الذين يسلكون ذات الطريق بشكل مقلوب. إضافةً إلى ذلك اختارت الالتصاق بأسوأ ما في العقل العربي... وهو أيديولوجيا التلاعب بالدين والكهانة السياسية. فهذا العقل لا يفكر منفرداً لكنه يغلِّف كل قضاياه ورؤاه وحتى عمليات نقده بغلالة الدين السياسي. وإنْ لم يكن ذلك واضحا يكون الدينُ هو المثال لطروحاته في مجالات كالإعلام ليس لها ارتباطٌ واضح بمسائل نظرية وعقلية.

إنَّ نموذج الجهاد الدموي ترك نقعه ورشحاته الراسبة في الخطاب الاعلامي للجزيرة. فهو خطاب يعول على تجييش الأعمال العنيفة- بعناوين مدنية- أثناء عرض الأخبار والبرامج وتتابع الصور. فالحركات الهدامة يسميها معارضة والقتل الإرهابي يسميه دفاعاً عن النفس وتخريب المدن يسميه إعماراً وسفاحو الدماء يطلق عليهم مجاهدين ومناصرين للشعوب.

وفي هذا لا تخفى إطلاقاً مرجعيته الاسلامية الواضحة. من خلال المشايخ وأصحاب الفتوى واستحضار الموروثات الاسلامية الكامنة في مجتمعات الربيع العربي. مما جعل المشايخ محللين سياسيين وفقهاء دستوريين ومعلقين اقتصاديين بلا مضمون!! وإذا كان أتباعهم يحملون رشاشات ومدافع على الكتف فهؤلاء المشايخ يطلقون فتاوى القتل والذبح. هؤلاء يبررون لأولئك في مشاهد متتابعة على الأرض وفي الفضاء. حتى إذا انسد الطريق نحو فتح المدن وتدمير المباني – كما رأينا أثناء التظاهرات الربيعية- كانت فتاوى أحدهم دافعاً لمزيد من الغزو الجديد!!

حقاً الشيء السيء أن خطاب الجزيرة الجهادي حوَّل الأخبار إلى عقائد، إلى نصوص فقهية حتى ولو كانت بعيدة عن ذلك. ومن يفهم تقنيات المشايخ في التحدث والتشدق وإطلاق الأصوات وانتفاخ الأوداج والتحين للتعبير الساذج، سيعرف جيداً كيف ينطق مزيعو الجزيرة عباراتهم. وكيف يصل بهم الهزل لدرجة أنهم يغطون ذلك بعبارات حداثية مثل حقوق الإنسان وتحرر المرأة والعدالة الاجتماعية. إنَّه خطاب تزييف وتزوير في أصوله البدائية رغم الاستديوهات البراقة والملابس العولمية والتقنيات المبهرة في العرض والتحليل.

عند تلك النقطة فأن الجزيرة تشكل فريقاً جهادياً من الوهلة الأولى. لننظر إلى كيف يبررون مقاطعة دول الجوار لدولتها؟ تمارس نفس التهويم والتضليل باعتبار دول المقاطعة هي المعتدية. وأنها دول اختارت الطريق الخطأ وأنها ستركع أمام صنم الإمارة القطرية طلباً للصفح. والأهم أن الجزيرة استدعت الأعضاء الحركيين والنشطاء من مرتزقة الصحافة والمنظمات الحقوقية والاعلام والسياسة في ارجاء العالم. لكي تعزف على نغمة تعارض المقاطعة مع القوانين الدولية والمبادئ الإنسانية. نفس اللعبة التي لعبها تنظيم الجزيرة أمام الأنظمة العربية البائدة!! بل ذهبت الجزيرة أبعد من هذا اطلقت حملة لمقاضاة دول المقاطعة لتعويضات نظام قطر عن الحصار!!

أليس ذلك خراب الاعلام وخرافاته؟! ألم يسأل تنظيم الجزيرة من غطى دمار المجتمعات العربية برايات الحرية المزعومة؟ من برر قتل المدنيين ولقاء الارهابيين – مثل أبي محمد الجولاني زعيم جيش الفتح - على أنَّه مناضل حر ومقاوم لنظام بشار الأسد؟! من كان في قلب الأحداث وأعمال الجهاد إنْ لم يكن مشاركاً وطرفاً أصيلاً في زحف الدولة الإسلامية بمراحله المختلفة؟!

إنَّ تنظيم الجزيرة هو التنظيم الموازي في الفضاء الافتراضي لتنظيمات كالقاعدة وداعش والاخوان والنصرة. فالجهاد الدموي واحد سواء أكان قائده أميراً في الديوان العام أم أميراً في أحراش وحفر المعارك بسوريا وأفغانستان والعراق. وسواء أكان داعمه ملكاً أم رئيساً يشعله بحكم بوليسي مستبد. في كل تلك الحالات جاء البراديم paradigm الديني(الاسلام الحركي الجهادي) هو المصدر لإنتاج نسخه المشوَّهة في الخطاب والواقع.